شكوك وتوقعات.. كيف تقرأ الصحافة الإسرائيلية العدوان الصهيوني ضد إيران؟

منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

شنّت إسرائيل والولايات المتحدة صباح 28 فبراير/شباط 2026، عدوانا عسكريا واسع النطاق ضد إيران، استهدف البنية التحتية والقيادة الإيرانية، مع إعلان أن الهدف هو إسقاط النظام.

وفي هذا السياق، شاركت صحف عبرية عديدة قراءات متباينة بشأن ماذا سيفضي عنه هذا العدوان غير المسبوق والذي يحمل سقف توقعات مرتفعا للغاية.

قلق وجودي عميق

ترى صحيفة "هآرتس" أن هذه المعركة ليست "معركة جوية، وأنه ليس من المؤكد أن النصر سيكون سريعا أو كاملا".

وفي التفاصيل، انتقد ران كوتشاف، القائد السابق بمنظومة الدفاعات الجوية في سلاح الجو الإسرائيلي، التصريحات المتفائلة التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية إبان انطلاق العملية العسكرية ضد إيران.

وقال: "تتجلى النزعة الإسرائيلية الدائمة إلى تصنيف كل حدث عسكري إما كـ (انتصار مطلق) أو (فشل مدوٍّ) مرة أخرى".

وتابع: "ففي الوقت الذي يرسم فيه المحللون في الاستوديوهات خرائط لشرق أوسط جديد، ويتأرجح فيه الجمهور بين مقاطع اعتراض الصواريخ وبين قلق وجودي عميق، تكمن الحقيقة في المساحة الرمادية الأقل جاذبية بصريا، وهناك أيضا ستستقر نتيجة هذه العملية، وحتى النهايات الجيدة لا تكون مطلقة أبدا".

ويشدد القائد السابق بالجيش على ضرورة "التحرر من وهم (الدفاع المحكم) أو (الهجوم المثالي)، ففي عالم الحروب الحديثة، وبالتأكيد أمام خصم مثل إيران، تنتمي هذه المفاهيم إلى كتب الخيال العلمي".

فمن وجهة نظره، "لا يوجد حل سحري يوفر حماية كاملة، ولا توجد قوة عسكرية قادرة على محو قدرات دولة تضم مئة مليون نسمة واستثمرت عشرات السنين ومليارات الدولارات في التسلح".

في هذا الصدد، يذكّر المقال بأن "حرب الإثنى عشر يوما التي روَّجت لها الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي بوصفها نجاحا إلى حد ما، جاءت بكلفة باهظة تمثلت في سقوط عشرات القتلى وإلحاق أضرار اقتصادية بمليارات الشواكل".

والأدهى من ذلك، أن "نتائج العملية أو آثارها الإيجابية لم تستمر طويلا، بل تلاشت خلال أقل من سنة واحدة، رغم الوعود بأنها ستكون إنجازا طويل الأمد". وفق قوله.

وتابع: "أسهمت إنجازات سلاح الجو خلال أيام تلك الحرب في طمس صور أخرى بقيت في الذاكرة، مثل المشاهد في مستشفى سوروكا، والأضرار التي لحقت بمصافي النفط في شركة بازان وبمعهد وايزمان للعلوم، فضلا عن عشرات المباني السكنية التي دُمرت".

وأردف: "ومنذ ذلك الوقت مرت تسعة أشهر أنهت خلالها إسرائيل حربها في غزة، واستعادت الرهائن، وعملت على تحسين منظوماتها الدفاعية، غير أن الإيرانيين بدورهم استغلوا الفترة نفسها لتعزيز قدراتهم أيضا".

فروق رئيسة

وسلطت الصحيفة العبرية الضوء على الفرق بين العدوانين، قائلة: الحرب الحالية ليست نسخة مكررة من حرب الإثنى عشر يوما، التي كانت ناجحة بالفعل لكنها لم تكن حاسمة".

وأضافت: "فبينما اعتمدت العملية السابقة على المبادرة والمفاجأة الإسرائيلية، تبدو العملية الحالية مختلفة تماما".

وتابعت موضحة: "إذ تقوم على هجوم منسق ومتكامل، ومن المرجح أن يكون أبطأ بكثير، وتقوده الولايات المتحدة التي يتحرك رئيسها بدوافع وحسابات متعددة، لا تمثل مصلحة إسرائيل سوى واحد منها".

وتتفق مع هذا الرأي صحيفة "إسرائيل هيوم"، التي أبرزت ثلاثة فروق رئيسة بين المعركة التي أُديرت في يونيو/ حزيران 2025 وبين المعركة الجارية الآن.

فهي ترى أيضا أن "الأميركيين منحوا الضوء الأخضر للعملية السابقة، وقدموا دعما في جوانب مختلفة من الدفاع والاستخبارات، وشاركوا بطبيعة الحال في استهداف المواقع النووية، لكنهم أوقفوا العملية عندما قرروا أن مخاطرها باتت أكبر من فرص نجاحها".

واستدركت: "أما الآن، فهم شركاء بشكل كامل في العملية منذ بدايتها، ضمن توزيع واضح للمهام يتيح لكل طرف استثمار قدراته إلى أقصى حد".

وأردفت: "إذ تركز إسرائيل على تعقب منصات الإطلاق والصواريخ وتنفيذ عمليات الاغتيال، مستفيدة من قدراتها الخاصة في دمج المعلومات الاستخباراتية بالعمليات الميدانية بشكل فوري، في حين يركز الأميركيون على استهداف البنى التحتية، بما في ذلك العمل على تعطيل قدرات الجيش الإيراني".

أما الاختلاف الثاني فيتعلق -وفقا لها- بجبهة الدفاع، "ففي المواجهة السابقة نجحت إيران في إطلاق وابل كثيف من الصواريخ باتجاه إسرائيل، ما أدى إلى خسائر كبيرة في الأرواح وأضرار واسعة في الممتلكات".

واستطردت: "أما هذه المرة، فتواجه طهران صعوبة أكبر في تنفيذ هجمات مماثلة، ويرجع ذلك إلى الضربات القاسية التي تعرضت لها سلسلة القيادة الإيرانية ومنصات إطلاق الصواريخ، إضافة إلى التحسينات التي أُدخلت على منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية".

ومع ذلك، تنوّه إلى أن "هذا الوضع قد يتغير، وهو ما يستدعي مواصلة العمليات الجوية ضد مواقع الإطلاق داخل إيران، إلى جانب الالتزام الصارم بالانضباط المدني في الجبهة الداخلية".

"ويتمثل الاختلاف الثالث باتساع نطاق المواجهة جغرافيا، ففي يونيو/ حزيران 2025 كانت الحرب تدور أساسا بين إسرائيل وإيران مع قدر محدود من المشاركة الأميركية". تقول الصحيفة.

وتابعت: "بينما اختارت إيران هذه المرة منذ البداية توسيع دائرة الصراع لتشمل عددا من دول الخليج؛ إذ استهدفت المملكة العربية السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وعمان".

وعقبت صحيفة "هآرتس" على الانخراط الأميركي المبكر في هذه الحرب مقارنة بحرب الإثنى عشر يوما: "أحد النجاحات الإستراتيجية التي حققتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت تحويل المعضلة الإيرانية إلى مشكلة عالمية".

مضيفة: "حقيقة أن الأميركيين يقودون المعركة الآن تُعد مكسبا إستراتيجيا يجب الحفاظ عليه".

واستدركت: "غير أن أصواتا بدأت بالفعل في الظهور، ومن المتوقع أن تزداد قوة كلما طال أمد المواجهة، تنتقد إسرائيل بسبب جرّ الولايات المتحدة إلى حرب مكلفة قد لا تكون راغبة فيها بالضرورة".

ورجحت أن "هذا الضرر السياسي سيبقى حتى بعد انتهاء القتال، وكلما بالغت إسرائيل في الضغط على الأميركيين لتعميق تدخلهم، ازدادت الانتقادات داخل الولايات المتحدة وتعاظم الضرر الذي ستحتاج إسرائيل إلى إصلاحه لاحقا".

وفي خضم هذه التطورات، أشارت الصحيفة إلى أن "الأصول العسكرية الأميركية في منطقة الخليج تتعرض لهجمات متواصلة".

"كما يتضح أن أكثر بطاريات الدفاع الجوي تقدما- سواء الأميركية أو الإسرائيلية- ليست محصنة بالكامل، بل إنها تحتاج بدورها إلى حماية، خاصة في مواجهة أسراب الطائرات المسيّرة والصواريخ المخصصة لاستهداف منظومات الدفاع الجوي نفسها وتعطيلها". وفق ما أفاد به القائد السابق بسلاح الجو الإسرائيلي.

في المحصلة، يعتقد ران كوتشاف، أن "إسرائيل الآن في بداية مواجهة واسعة النطاق، وهناك أطراف عديدة لديها مصلحة في أن تنتهي بسرعة".

غير أنه يرى أن "النصر القريب ليس مؤكدا، ولا أنه سيكون نصرا كاملا أو حاسما، فحالة النشوة التي سادت خلال أيام عملية (شعب كالأسد) لا يمكن أن تتكرر بسهولة". 

"خاصة أن من أعلن آنذاك تحقيق نصر سيصمد لأجيال عاد بعد ثمانية أشهر فقط ليخوض حربا جديدة، وهو أمر يستدعي قدرا أكبر من التواضع في الخطاب السياسي والعسكري". وفق تعبيره.

ومن هذا المنطلق، دعا "المحللين الذين يملؤون الاستوديوهات التلفزيونية أن يتحلوا بقدر أكبر من الحذر والشك في تقديراتهم وتحليلاتهم".

فبحسبه، "المبالغة في التوقعات والانتصارات المعلنة تخلق فجوة واسعة بين النشوة الإعلامية والواقع الفعلي على الأرض، ولذلك تبدو الحاجة ملحة إلى تقليص هذه الفجوة قدر الإمكان، عبر قراءة أكثر واقعية لمسار المعركة واحتمالاتها ونتائجها".

سباق مع الزمن

في رأي مغاير، يعتقد المحلل العسكري المتطرف لصحيفة "معاريف" آفي أشكنازي أن "إسرائيل رسّخت في صباح 28 فبراير مكانتها بوصفها القوة العسكرية الأكثر تفوقا في الشرق الأوسط".

ووفق مزاعمه، فإن "المرحلة الحالية من المعركة هي سباق مع الزمن تخوضه القوات الجوية الأميركية والإسرائيلية لضرب البنية التحتية للصواريخ، بهدف منع إطلاقها نحو إسرائيل أو نحو القواعد الأميركية وحقول النفط والمنشآت الحيوية في الخليج العربي".

أما المرحلة التالية التي ستلي ذلك، فتوقع أن "تتمثل في فرض حصار محكم على إيران مع الاستمرار في استهداف النظام وقوات الأمن، وتهيئة الأرضية التي تتيح للمواطنين تنفيذ انقلاب داخلي".

مع ذلك، ينوه أشكنازي إلى أنه "حتى الآن، لا يمكن الجزم بما إذا كان النظام الإيراني سينجو أو سيسقط، لكن هذه المسألة باتت أقل أهمية في هذه اللحظة".

وعزا ذلك قائلا: "فالتحرك العسكري الجاري يشكّل بشكل عام منعطفا حاسما للمستقبل".

واستطرد: "إسرائيل تبنت صباح الثامن والعشرين من فبراير/ شباط 2026 دور الشرطي الإقليمي، مدعومة بقوة هائلة".

رغم ذلك، رجح "ألا يصمد النظام في إيران طويلا، فالضربات التي يتلقاها ستؤدي في نهاية المطاف إلى استبداله".

"في الوقت ذاته، من المؤكد أن دول الخليج العربي ستجد نفسها قريبا مضطرة إلى إعادة حساباتها الإستراتيجية وتحديد مسار جديد لسياستها الإقليمية". وفق تقييمه.

وأضاف: "السعودية والبحرين والكويت، التي تعرضت لضربات مباشرة من إيران، بدت حتى الآن في حالة شلل سياسي ولم تصدر عنها ردود فعل حاسمة".

"كما تواجه كل من مصر والأردن موقفا معقدا نتيجة عدم مشاركتهما في الضربة الأولى التي نفذتها إسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة".

ووفق هذا المنظور، فإن إسرائيل "لم تُلحق الإهانة بإيران وحدها خلال هذه العملية، بل إن إيران كانت في نظر هذا التحليل مجرد الوسيلة".

وتابع: "فالتنسيق مع الولايات المتحدة في توجيه الضربة الأولى أدى إلى تهميش تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، كما وضع دولا أخرى مثل السعودية والبحرين والكويت وحتى مصر في موقف حرج".

ولفت إلى أن ذلك "يأتي رغم أن القاهرة أعلنت قيل بضعة أيام نيتها رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إيران، بعد أن كانت قد قطعتها مباشرة عقب الثورة الإيرانية قبل 47 عاما".

ووفق هذا التقييم، يرى المحلل الإسرائيلي أن "إسرائيل باتت القوة العسكرية الأكثر تأثيرا في المنطقة، متقدمة بفارق واضح على تركيا والسعودية ومصر وإيران".

وواصل مزاعمه قائلا: "إسرائيل رسخت هذا الصباح مكانتها بوصفها القوة العسكرية الأكثر تفوقا في الشرق الأوسط".

واستطرد: "إذ سعت من خلال هذه المواجهة إلى إظهار أن المسألة لا تتعلق فقط بحجم الترسانات العسكرية أو نوعية الأسلحة، بل ترتبط أيضا بامتلاك الجرأة والخبرة والقدرة على تشغيل هذه القدرات العسكرية بكفاءة، إضافة إلى أهمية وجود تحالف قوي في مواجهة حرب ذات طابع إقليمي واسع".

وبهذا المعنى، يزعم أشكنازي أن إسرائيل انتقلت إلى "ملعب الكبار"، وأنها قد تكون في موقع يسمح لها بالتأثير في شكل النظام الإقليمي مستقبلا، في وقت بدت فيه إيران وتركيا، وكذلك السعودية ومصر، وكأنها انتقلت إلى موقع المراقب من الخارج في هذه المرحلة من التطورات.