الحوثيون واضطرابات جنوب اليمن.. توظيف الفوضى لإعادة تشكيل المشهد السياسي

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

أضحت تطورات جنوب اليمن، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اليمنية، محورا أساسيا في معادلة الصراع الدائر، ليس فقط بالنسبة للحكومة الشرعية والتحالف العربي، وإنما أيضا وبوتيرة متزايدة بالنسبة لجماعة الحوثي التي تنظر إلى ما يجرى في الجنوب بوصفه فرصة سياسية وإستراتيجية بالدرجة الأولى، أكثر من كونه ساحة مواجهة عسكرية مباشرة.

تتعامل الجماعة مع الاضطرابات الجنوبية بوصفها مدخلا فعالا لإعادة صياغة توازنات الصراع، وإضعاف خصومها من الداخل، من دون الاضطرار إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية أو تحمّل كلفة ميدانية وبشرية إضافية.

فالجنوب، في هذه المرحلة، لا يحتل موقع الأولوية في العقيدة القتالية للحوثيين، بقدر ما يُنظر إليه كساحة يمكن توظيفها سياسيا وإعلاميا واقتصاديا لإرباك الحكومة الشرعية واستنزاف المملكة العربية السعودية.

ثغرات المشهد اليمني 

أفضت التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها جنوب اليمن إلى نشوء واقع جديد حدّ، في مراحله الأولى، من هامش حركة جماعة الحوثي؛ إذ أسهم توحيد السلطة بيد المجلس الرئاسي المدعوم سعوديا، إلى جانب إقصاء المجلس الانتقالي الجنوبي، في تعزيز وحدة القرار السياسي والعسكري للشرعية، وتحسين موقعها التفاوضي، وتقليص قدرة الجماعة على توظيف الانقسامات داخل معسكر خصومها.

كما مثّل توحيد التشكيلات العسكرية، وبسط السيطرة على موارد الدولة في مناطق الثروات الإستراتيجية، تهديدا مباشرا للجماعة على المستويين العسكري والاقتصادي. 

غير أن تطورات لاحقة، متسارعة ومتزامنة جنوبا وشمالا، من المرجح أن تفرز مسارات عكسية تُضعف جزئياً هذا الاتجاه، وتخلق ثغرات بنيوية في المشهد السياسي والأمني اليمني. تلك الثغرات ستشكّل، من منظور جماعة الحوثي، فرصا قابلة للاستثمار والنفاذ منها لإرباك التوازنات القائمة، وإعادة هندسة المشهد اليمني، وتحسين شروط تموضعها السياسي والتفاوضي بما يخدم مصالحها الإستراتيجية على المدى المنظور.

ففي البعد الأمني، اُحبطت محاولة اغتيال إرهابية استهدفت العميد حمدي شكري الصبيحي، أحد أبرز قادة ألوية العمالقة والمسؤولين الأمنيين في محور طور الباحة (لحج)، في حادثة وُصفت أميركيا بـ«الهجوم غير المبرر»، في إيحاء بأن العملية قد تكون مفتعلة من أطراف تسعى لإعادة إنتاج خطاب القاعدة، والترويج لوجود فراغ أمني عقب تهميش المجلس الانتقالي وتفكيك قواته.

سياسيا، عاد الحراك الشعبي المؤيد للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى الواجهة عبر مظاهرات ومهرجانات حاشدة تطالب بحق تقرير المصير، وترفض أي تسويات لا تنسجم مع تطلعات الجنوبيين، في ظل مؤشرات على استمرار فاعلية المجلس وقيادته للحراك رغم قرار حله، وعدم حدوث أي تحوّل جوهري في سقف المطالب الانفصالية.

وفي موازاة ذلك، برزت مطالب حضرمية بإطلاق حوار «حضرمي–جنوبي» يقوم على الاعتراف بحضرموت كطرف مستقل بهويته وكيانه السياسي، مع التأكيد على حقها في التمثيل المستقل وتقرير المصير، وهو مسار من شأنه تعميق الانقسامات داخل الجنوب وفتح الباب أمام سيناريوهات تفكك متعددة تهدد استقرار اليمن والمنطقة.

وتزامنا مع هذه التطورات، تداولت تسريبات صحفية معلومات عن ترتيبات سعودية لإشهار كيان سياسي جنوبي جديد في عدن بديلا عن المجلس الانتقالي، تمهيدا لإشراكه في الحوار الجنوبي بالرياض. وفي حال تأكدت هذه المعطيات، فإنها تعكس توجها نحو إعادة هندسة المشهد السياسي الجنوبي، لكنها في الوقت ذاته تنذر بمزيد من التشظي والانقسام، وتنبئ عن مساعٍ لإنهاء أي دور سياسي مستقبلي للمجلس الانتقالي بعد حله وتفكيك تشكيلاته المسلحة.

وشهدت الساحة اليمنية شمالا تطورات سياسية وعسكرية لافتة هدفت إلى تقليص النفوذ الإماراتي وإعادة دمج أدواته ضمن إطار الشرعية اليمنية.

وفي هذا السياق، أقدمت السعودية على إعفاء طارق صالح من قيادة قوات «المقاومة الوطنية»، في خطوة تُفهم ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة التشكيلات المسلحة، وتوحيدها تحت قيادة مركزية خاضعة للإشراف السعودي، بما ينسجم مع تشكيل لجنة عسكرية عليا لهذا الغرض.

كما عززت الرياض حضورها العسكري في مواقع وقواعد كانت خاضعة للنفوذ الإماراتي، بما في ذلك جزر باب المندب التي نقلت مهام تأمينها من قوات طارق صالح إلى قوات العمالقة، في مؤشر واضح على استمرار مساعي تحجيم الدور الإماراتي وإعادة رسم موازين السيطرة العسكرية في اليمن.

خيارات الحوثي

ينظر الحوثيون إلى جنوب اليمن لا كهدف سيطرة مباشرة بل كساحة ضغط إستراتيجية؛ إذ تتمثل مصلحتهم في منع استقراره السياسي والمؤسسي وإفشال أي نموذج حكم ناجح خارج سيطرتهم؛ فاستقرار الجنوب يهدد سرديتهم حول فشل الدولة، لذلك تتركز سياستهم على إبقائه في حالة هشاشة دائمة تشكّل عبئاً مستمراً على الحكومة الشرعية والتحالف.

ويمتلك الحوثي خيارات عدة لإرباك خصومه في الشرعية والتحالف العربي وقد شرع بالفعل في تنفيذ بعضها، ومنها:

حملة إعلامية مركزة ضد السعودية

تشنّ جماعة الحوثي، في المرحلة الراهنة، حملة إعلامية مكثفة وممنهجة تستهدف المملكة العربية السعودية، يتصدرها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي وعدد من قيادات الصف الأول.

وترتكز الحملة على اتهام الرياض بالسعي إلى الهيمنة السياسية، واستنزاف الموارد، وإدامة الصراع في اليمن، مع الترويج في الوقت ذاته لاستعداد الجماعة لرعاية مسار سلام من صنعاء بشروط تصفها بـ«العادلة».

ويترافق الخطاب الإعلامي مع لهجة تصعيدية واضحة، تتضمن تحذيرات من رد عسكري مباشر في حال أي تصعيد ضد صنعاء، والتلويح بعمل استباقي وشيك، إلى جانب الحديث عن اتساع نطاق التعبئة العامة. كما تتهم الجماعة السعودية باستخدام «الشرعية» غطاءً للسيطرة والعنف، ومحاولة إعادة إنتاج نموذج إدارتها للصراع في الشمال داخل الجنوب، عبر تهميش ما تصفه بالمظلومية الجنوبية.

وتعكس الحملة مسعى حوثيا منظما لنزع الشرعية عن الدور السعودي في اليمن، وإعادة توصيفه كطرف صراع وهيمنة لا كوسيط سلام، مع نقل المواجهة من إطارها المحلي إلى بعد إقليمي ودولي. 

ويجمع الخطاب الحوثي بين التهديد العسكري وإظهار الاستعداد المشروط للتسوية، في محاولة لتحسين شروط التفاوض، وحشد الجبهة الداخلية، والتأثير على الرأي العام في الشمال والجنوب عبر استثمار الانقسامات القائمة.

كما تسعى الحملة إلى تحريض الشارع الجنوبي ضد المملكة، وخلق حالة مظلومية مماثلة لتلك التي جرى توظيفها في الشمال، بما يفضي إلى توسيع فجوة الثقة بين الرياض والمكونات الجنوبية، وإرباك مسار الحوار الجنوبي، وصولا إلى إضعاف قدرة السعودية على فرض مسار سياسي متماسك.

وتهدف الجماعة، من خلال ذلك، إلى تعزيز حضورها السياسي الداخلي والخارجي، ورفع سقف ضغوطها وشروطها التفاوضية في أي تسوية مقبلة.

التعبئة والتحشيد العسكري

كشفت جماعة الحوثي عن إخضاع آلاف الطلاب في الجامعات والمعاهد الحكومية والأهلية، لا سيما في محافظة إب، لدورات عسكرية مكثفة خلال العامين الماضيين، في إطار برامج تعبئة وتدريب واسعة تنفذها أيضا في محافظات الحديدة والمحويت وحجة، تحت مسمى رفع الجهوزية والاستعداد للجولات المقبلة من المواجهة.

وتعكس هذه الأنشطة توجها منهجيا لتحويل المؤسسات التعليمية إلى منصات تعبئة عسكرية، بهدف ترسيخ نموذج «الجيش الشعبي طويل النفس»، وتثبيت خطوط السيطرة القائمة، مع الإبقاء على خيار التصعيد المؤجل.

وبذلك، لا يقتصر هذا المسار على التحضير لمواجهة عسكرية محتملة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المجتمع في مناطق سيطرة الجماعة بوصفه مجتمع حرب دائم، وتوظيف التعليم كأداة ضمن منظومة الأمن القومي للجماعة.

الفوضى الأمنية كسلاح غير معلن

أمنياً، لا يحتاج الحوثيون إلى إشعال الجنوب بشكل مباشر. فمجرد تصاعد الصراعات المحلية، وانتشار الجريمة المنظمة، وعودة شبكات التهريب، وجماعات العنف المنظم، كفيل بإرباك الحكومة واستنزاف مواردها. وفي مثل هذا السياق، تتحول الفوضى إلى أداة ضغط فعالة، دون أن تترك بصمات واضحة للجماعة. هذه المقاربة تمنح الحوثيين ميزة إدارة الصراع من الخلف، بأقل كلفة ممكنة.

سيناريوهات مستقبل الحوثي

على ضوء ما سبق، يمكن رسم عدد من السيناريوهات لمستقبل الجماعة السياسي على المدى المنظور:

السيناريو الأول: ترسيخ الأمر الواقع

في هذا السيناريو، تواصل الجماعة تثبيت سيطرتها على مناطق نفوذها، مستفيدة من فشل خصومها في إدارة الجنوب وبقية المناطق المحررة. ويؤدي ذلك إلى قبول دولي وإقليمي متزايد بالحوثيين كسلطة أمر واقع لا يمكن تجاوزها في أي تسوية سياسية. مع إدارة صراع منخفض الحدة مع السعودية، وضغط اقتصادي متصاعد. وهذا بدوره يخلق يمن منقسم طويل الأمد.

السيناريو الثاني: شراكة سياسية بشروط الحوثي

إذا استمرّت الاضطرابات في الجنوب، قد تجد الأطراف الإقليمية نفسها مضطرة للبحث عن تسوية تشمل الحوثيين كشريك سياسي أساسي، مقابل التزامات أمنية محدودة. في هذا السيناريو، يدخل الحوثي العملية السياسية من موقع قوة، لا كطرف مهزوم أو معزول.

السيناريو الثالث: إدارة صراع طويل الأمد

يفترض هذا السيناريو استمرار حالة "اللاحسم"، حيث يواصل الحوثيون إدارة الصراع بأدوات منخفضة الكلفة، مستفيدين من الانقسامات في معسكر الشرعية، ومن تعقيدات الجنوب، دون الانخراط في تسوية نهائية أو تصعيد شامل.

السيناريو الرابع: المواجهة الشاملة (الأقل احتمالاً حالياً)

ويتحقق فقط إذا توحَّد معسكر مناهضي الحوثي فعليا تحت سلطة واحدة، مع تلازم ضغط اقتصادي وعسكري منظم. وهو بحاجة إلى غطاءً إقليمياً ودولياً واضحاً. لكن كلفته عالية على جميع الأطراف، بما فيها الرياض.

إن مستقبل الحوثي مرهون بقدرة خصومه على تحويل الترتيبات السياسية إلى قوة عسكرية واقتصادية متماسكة، وهو ما لم يتحقق حتى الآن. أما السعودية فتملك أدوات التأثير، لكنها لم تحوّلها بعد إلى قوة حسم وقرار سياسي.