العدوان الإسرائيلي على الخليل.. “عملية عسكرية” أم مشروع ضم وتهويد؟

خالد كريزم | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

بعد عدوان متواصل منذ عام كامل في شمال الضفة الغربية، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي “عملية عسكرية” جديدة، لكنها تستهدف هذه المرة جنوب الضفة، وتحديدًا مدينة الخليل.

وأطلق جيش الاحتلال، فجر 19 يناير/كانون الثاني 2026، عدوانًا عسكريًا واسع النطاق على مدينة الخليل، كبرى محافظات الضفة الغربية المحتلة؛ حيث اقتحمت مئات من قواته الخاصة حي جبل جوهر، بذريعة “إحباط البنى التحتية للإرهاب”.

ويأتي هذا العدوان بعد أن دشن الاحتلال، منذ 21 يناير/كانون الثاني 2025، “عملية عسكرية” في شمال الضفة الغربية أطلق عليها اسم “الجدار الحديدي”، بدأت في مخيم جنين، ثم توسعت إلى مخيمي نور شمس وطولكرم، ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

العدوان الجديد

وأعلن جيش الاحتلال، في بيان مشترك مع جهاز الأمن العام “الشاباك”، أن “العملية ستستمر عدة أيام بمشاركة حرس الحدود، وأن السكان قد يسمعون دوي انفجارات ويشهدون حركة مكثفة للجنود خلال هذه الفترة”.

وتركزت العملية في حي جبل جوهر، بهدف ما وصفه الجيش بـ“تفكيك البنى التحتية للإرهاب” ومصادرة “الأسلحة غير القانونية وتعزيز الأمن في المنطقة”.

وزعم الاحتلال أن قرار إطلاق العملية جاء “بسبب تصاعد حوادث إطلاق النار بين العائلات (العشائر) في المدينة، والخشية من توجيه هذه الأسلحة لاحقًا ضد المستوطنين أو جنود الجيش”.

وتُعد الخليل مدينة كبيرة مقسمة أمنيًا بين سيطرة فلسطينية وأخرى إسرائيلية، وتضم في البلدة القديمة كتلة من المستوطنين تخضع لحماية دائمة من الجيش.

وتُعد هذه العملية الأوسع في مدينة الخليل منذ سنوات، إذ فرضت قوات الاحتلال إغلاقًا محكمًا على المنطقة وحظر تجول في بعض الأحياء منذ ساعات الفجر، في مشهد أعاد إلى الأذهان اجتياحات انتفاضة الأقصى عام 2002.

وأفادت مصادر عسكرية إسرائيلية بمشاركة مئات الجنود من الوحدات الخاصة وقوات الاحتياط في هذا الاقتحام، ضمن حملة وُصفت بأنها غير مسبوقة في المدينة.

وعلى الأرض، فرضت قوات الاحتلال طوقًا محكمًا على الخليل منذ انطلاق العملية، وأقامت حواجز وسواتر ترابية، وأغلقت الطرق الفرعية، ومنعت حركة الدخول والخروج.

وأظهرت مقاطع مصوّرة نشرها ناشطون قيام قوات الاحتلال بنصب بوابات حديدية جديدة على مداخل أحياء في المنطقة المستهدفة إلى جانب تجريف طرق فرعية وإغلاقها بالكتل الإسمنتية لمنع تنقل الفلسطينيين، فيما حلّقت طائرات استطلاع في الأجواء.

وذكرت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” أن الجيش نفذ حملة اعتقالات ميدانية نالت ما لا يقل عن سبعة مواطنين فلسطينيين خلال الساعات الأولى، بينهم فتى يبلغ من العمر 13 عامًا، اعتُقل بعد مداهمة منزله، على أن تتواصل الاعتقالات لاحقًا.

كما أفاد سكان محليون باقتحام المنازل وتفتيشها بعنف، وتفجير أبواب بعضها، وسط دوي انفجارات سُمع في أرجاء المدينة طوال الليل، وتحويل عدد من المنازل إلى ثكنات عسكرية ونقاط مراقبة للجنود.

ما الهدف؟

ورغم التأكيدات الإسرائيلية بأن العملية “أمنية وقائية”، يرى مراقبون أن هذا التبرير يخفي دوافع أخرى، إذ تقع المنطقة المستهدفة أصلًا ضمن نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية، وتحيط بها مستوطنات تخضع لمراقبة مكثفة على مدار الساعة.

ويثير هذا الواقع تساؤلات حول مزاعم الاحتلال، خاصة أن الجيش نفذ قبل أيام عملية هدم لمنزل أحد منفذي هجوم ضد مستوطن قرب الخليل، واعتقل العشرات في حملات متكررة بالمنطقة خلال الأشهر الماضية.

ويرى فلسطينيون أن توقيت العملية وأسلوبها يتجاوزان ملاحقة مطلوبين محددين، ويدلان على نية إسرائيلية لترسيخ وجود عسكري مكثف ودائم في المدينة، والمضي في تهويدها وتغيير واقعها الديمغرافي والجغرافي.

وبرز ذلك منذ اللحظة الأولى للعملية، عبر توسيع نطاق الحواجز والسواتر، في خطوة وُصفت بأنها تمهيد لتقسيم المدينة، المعزولة أصلًا، إلى أجزاء أصغر، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها.

وخضع الحرم الإبراهيمي، أبرز معالم المدينة الدينية، لإجراءات تصعيدية خلال الأسابيع الأخيرة، حيث قررت سلطات الاحتلال منع مديره التابع للأوقاف الفلسطينية من دخوله لمدة 15 يومًا، ونقلت صلاحيات الإشراف على الموقع إلى ما تُسمى “الإدارة المدنية” الإسرائيلية.

وعززت هذه الخطوات الشكوك بأن ما يجري في الخليل ليس حملة عسكرية عابرة، بل حلقة جديدة ضمن مسار إحكام القبضة الإسرائيلية على قلب المدينة ومقدساتها.

وتخشى العائلات الفلسطينية من تكرار سيناريو الاقتحامات الطويلة التي شهدتها مدن شمال الضفة أخيرًا، وما رافقها من دمار واسع للبنية التحتية وتهجير للسكان.

وبحلول فبراير/شباط 2025، قدّرت مصادر محلية اضطرار نحو 40 ألف فلسطيني إلى مغادرة منازلهم في جنين وطولكرم، نتيجة العدوان العسكري الإسرائيلي الذي حوّل المخيمات إلى مناطق مدمرة.

ووفق إحصائيات رسمية، استشهد أكثر من 1080 فلسطينيًا في الضفة الغربية، وأصيب نحو 11 ألفًا، واعتُقل ما يزيد على 20 ألف شخص منذ أواخر عام 2023 وحتى مطلع 2026.

وقد وصفت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية هذه الإجراءات بأنها الأعنف منذ الانتفاضة الثانية، مشيرة إلى استخدام إسرائيل أسلوب العقاب الجماعي واقتحام المدن بالدبابات والجرافات، على غرار ما جرى في قطاع غزة.

وبدأت قوات الاحتلال تطبيق النهج ذاته في الخليل، حيث هدمت منزلًا بمساحة 250 مترًا مربعًا في خربة العيدة بالمنطقة الجنوبية، وأجبرت قاطنيه العشرة على مغادرته دون السماح لهم بأخذ مقتنياتهم الأساسية، وفق وكالة “وفا”.

طابع سياسي

ويرى الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن “العملية العسكرية في الخليل ذات طابع سياسي أكثر من كونها أمنية، خاصة أن ما جرى ترويجه في الإعلام العبري عن وجود بؤر مقاومة ليس دقيقًا، إذ لم تُطلق رصاصة واحدة من هذه المنطقة منذ فترة طويلة”.

وأكد شديد، في حديثه لـ“الاستقلال”، أن “حي جبل جوهر من الأحياء التاريخية التي تخضع للاحتلال الكامل، حيث أصرت إسرائيل في ملحق الخليل عام 1997 ضمن اتفاقية أوسلو على إبقائه تحت سيطرتها الأمنية والإدارية المدنية”.

وأوضح أن “إسرائيل تسعى من خلال هذه العملية إلى ربط مستوطنة كريات أربع، أول وأكبر مستوطنة في الضفة، بمدينة الخليل، مع باقي البؤر الاستيطانية، إضافة إلى الحرم الإبراهيمي الذي نزعت أخيرًا صلاحيات الإشراف الفلسطيني عليه”.

وأضاف: “بهذا الربط، تحقق إسرائيل تواصلًا جغرافيًا بين المستوطنين في الخليل وبقية مستوطنات الضفة، ما يعني أن السياسة الإسرائيلية تتجه نحو ضم المدينة وتهويدها وتهجير سكانها”.

ولفت إلى أن ذلك سيؤدي إلى تمزيق الخليل من الداخل، بخلاف مدن الضفة الأخرى التي تكتفي إسرائيل بمحاصرتها من الخارج عبر الطرق الالتفافية والجدران والأسلاك الشائكة والمستوطنات.

وأشار شديد إلى أن المنطقة تضم آلاف المستوطنين، ويقيم فيها اثنان من أكثر الوزراء الإسرائيليين تطرفًا، هما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير الاستيطان أوريت ستروك.

وعن كيفية التعامل مع الفلسطينيين في مدينة يقطنها نحو مليون نسمة، يشكلون ثلث سكان الضفة الغربية، أوضح أن إسرائيل تسير في مسارين: الأول إضعاف صلاحيات السلطة الفلسطينية في الجوانب الاجتماعية والخدمية، كالتعليم والصحة.

أما المسار الثاني، فيتمثل في “تعزيز دور ما يُسمى بالمخاتير، كجزء من مشروع إمارة الخليل، الذي يهدف إلى فصل المدينة عن السلطة الفلسطينية”.

وخلال العدوان على غزة، طرحت حكومة الاحتلال مخططًا لفصل الخليل عن نفوذ السلطة، واستبدالها بإدارة عشائرية محلية، عبر إنشاء “إمارة” منفصلة.

وأوضح شديد أن هذا المخطط يعني “تفكيك السلطة والمجتمع، وتحويل الفلسطينيين إلى كيانات متناثرة وقبائل، وإلغاء البعد الوطني والقومي والسياسي، عبر إدارة تقوم على المخاتير والعشائر”.

ولفت إلى أن الاحتلال يسعى اليوم إلى تسليم السلاح إلى المخاتير تمهيدًا لتسليمه لاحقًا لإسرائيل، في إحياء لنهج طبقته عقب احتلال عام 1967، ضمن مساعيه لإحياء مشروع “إمارة الخليل”.