بعدما حكموا برغباته لسنوات.. قضاة مصر تحت قضبان قطار السيسي

بناء على توجيهات السيسي "ستُقصر الترقيات على من يجتاز دورات متقدمة بالأكاديمية العسكرية"
يسعى رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي لإخضاع القضاة بشكل كامل عبر طرق مختلفة ومتتالية، آخرها توجيهه بتولي الأكاديمية العسكرية ملف تعييناتهم وترقياتهم.
هذه الخطوة دفعت نادي القضاء المصري، إلى استنفار أعضائه لانعقاد دائم منذ 21 يناير/كانون الثاني 2026، بسبب "أمر جسيم" يمس شؤون القضاء واستقلاله.
وهذه الخطوة ليست أول تدخل من السيسي في شؤون القضاء، فالعسكرة تجرى منذ سنوات، عبر منهجية مستدامة، وعلى حلقات متتابعة، وسط صمت غريب من القضاة.
والتوجه الأخير ليس سوى تتويج لهذه المنهجية، ما يطرح تساؤلا عن سر صمت القضاة السنوات الماضية التي سعى فيها السيسي لإخضاعهم؟
ولماذا تحركوا الآن؟ وهل تحرّكهم يمكن أن يعرقل هذه المنهجية المستمرة بعدما شارك أغلبهم في انقلاب 2013، ولفقوا القوانين للسلطة، وصمتوا على تعيينهم من رأس السلطة التنفيذية بدل انتخابات بينهم، وقبولهم تلقي دروس عسكرية في أكاديمية الجيش؟

توجيهات جديدة
بالتزامن مع بثّ وسائل الإعلام المملوكة لشركة المخابرات (المتحدة للإعلام) مواد دعائية مكثفة حول "جنة" تدريب موظفي الدولة في "الأكاديمية العسكرية"، عقد مدير مكتب السيسي، المستشار عمر مروان، لقاء مع رؤساء الهيئات القضائية ليبلغهم بتوجيهات رئاسية جديدة.
"التوجيهات"، تقضي بنقل سلطة الاختيار والتعيين لأعضاء النيابة والقضاة الجدد من تلك الجهات والهيئات القضائية إلى "الأكاديمية العسكرية"، بعدما بدأت تتحكم في تعيين كل الوظائف في مصر بعد عقد دورات عسكرية لهم.
بسبب هذا التوجه، الذي جاء خاتمة سيئة لمنهجية مستدامة تقضي بـ "عسكرة القضاء"، مثل بقية مناحي الدولة المصرية، ويتوقع أن تستهدف في النهاية مؤسسة الأزهر أيضا، والترويج لدور الأكاديمية إعلاميا بوصفها "فخرا لكل المصريين"، تحرك القضاة أخيرا، لكن متأخرا.
خاتمة "عسكرة القضاء"، كما أبلغها "مروان" لرؤساء محكمة النقض، ومجلس الدولة، وهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة، في قصر الاتحادية، وأبلغهم أنها "توجيهات رئيس الجمهورية"، نصت على: "نقل جميع إجراءات تعيين أعضاء الهيئات القضائية، وفي مقدمتهم أعضاء النيابة العامة، إلى الأكاديمية العسكرية، بدلا من دار القضاء العالي ومقار باقي الجهات والهيئات القضائية".
وذلك حسبما كشف نائب لرئيس محكمة النقض، واثنان من نواب رئيس هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية، لـموقع "مدى مصر" الاستقصائي، 21 يناير 2026.
وكأمر واقع، أبلغهم "مروان"، نقلا عن السيسي، أنه تقرر إلغاء اختيارات القضاة لدفعة حقوق 2022، التي بدأت إجراءات تعيينها في فبراير 2023، على أن يعاد اختيار المرشحين للتعيين من جديد بمعرفة الأكاديمية العسكرية.
كما تقرر إلغاء مقابلات تمهيدية للمتقدمين بالنيابة العامة الخاصة بدفعة 2024، أمام عضو بالتفتيش القضائي، بدأت منذ العاشر من يناير 2026، على أن تُستكمل باقي الإجراءات داخل الأكاديمية، والتي تتضمن أسئلة عن العائلة، وقياس الوزن والطول، وتدريبات عسكرية، وبسببها تم استبعاد 179 إماما في اختبارات عسكرية سابقة.
بموجب التوجيهات الجديدة ستتغير آلية التعيين جذريًا، إذ لم تعد الجهات والهيئات القضائية هي المسؤولة عن اختيار المرشحين للتعيين لديها، وإجراء الاختبارات القانونية لهم، ثم إحالة من نجحوا في اجتيازها إلى الأكاديمية العسكرية للحصول على الدورة التدريبية المؤهلة للتعيين.
بل ستبدأ جميع إجراءات التعيين وتنتهي داخل الأكاديمية نفسها، حسبما قال المستشارون الثلاثة، الذين أوضحوا أن خريجي كليات الحقوق سيتوجهون أولًا إلى الأكاديمية العسكرية لإجراء اختبارات الكشف الطبي، والكشف الرياضي، والكشف النفسي، والتحقق من تناسق الطول والوزن، فضلًا عن التحريات الأمنية.
وبعد اجتياز هذه المراحل، تحال أسماء المقبولين إلى مجلس القضاء الأعلى الذي يتولى اختبارهم في المواد القانونية من خلال "اللجنة السباعية "المكونة من أقدم سبعة مستشارين بكل جهة وهيئة قضائية، على أن يُمنح كل مرشح درجة في الاختبار القانوني.
ثم ترسل اللجنة القضائية درجات المرشحين إلى الأكاديمية العسكرية التي تتولى بدورها إجراء التقييم النهائي لكل متقدم استنادًا إلى نتائج جميع الاختبارات، وتُعد كشفًا نهائيًا بأسماء من تقرر قبولهم للتعيين، قبل أن ترسله إلى مجلس القضاء الأعلى لاعتماده.
وفي المرحلة الأخيرة، ترفع الأكاديمية كشفًا بأسماء مجتازي الدورة إلى رئيس الجمهورية، لإصدار القرار الجمهوري بتعيينهم.
وقالت مصادر قضائية لمنصة "متصدقش": إن القرار سيمتد إلى إلغاء دور مجلس القضاء الأعلى في التعيينات والترقيات بالجهات والهيئات القضائية، وقصر الترقيات على من يجتاز دورات متقدمة بالأكاديمية العسكرية، وإلغاء إدارة التعيينات بمكتب النائب العام، وسيبدأ من عام 2027.
والمفارقة أن الاجتماع الذي دعا له نادي قضاة مصر، يوم 21 يناير 2026، شهد حشدا غير مسبوق للقضاة، منذ اجتماع النادي في 2013 برئاسة أحمد الزند للاحتجاج على إقالة رئيس الجمهورية الراحل محمد مرسي للنائب العام الأسبق عبد المجيد محمود.
شهد النادي إقبالا تاريخيا، وحضورا قُدر بالمئات وامتلأت القاعات الرئيسة وتمت الاستعانة بتقنية (الفيديو كونفرانس) في أماكن عدة لنقل وقائع الاجتماع، وأجمع الحاضرون على ضرورة التصدي للأمر وتأجيل جمعية عمومية إلى 6 فبراير 2026، لإعطاء الفرصة للتفاوض أملا في التراجع عن المرحلة الأخيرة للعسكرة.
وترك مساحة للتفاوض مع القائمين على الأزمة على أن تعقد لقاءات مباشرة بين مجلس القضاء الأعلى ومدير مكتب رئيس الجمهورية -وزير العدل السابق- المستشار عمر مروان، وبين رئيس الأكاديمية العسكرية الفريق أشرف سالم، بحضور وزير العدل المستشار عدنان فنجري وذلك لمحاولة العدول عن الأمر.
بيان نادي القضاة، الذي جرى تداوله داخليًا على الجروبات الخاصة بهم، أورد عبارات حاسمة مثل: "مَتَى تَبَيَّنَتْ حَقِيقَةُ مَا يُثارُ وَيَتَدَاوَلُ، فَلَنْ يَتَوانَى قَيْدَ أُنْمُلَةٍ عَنِ الدِّفاعِ عَنِ القضاءِ واسْتِقْلالِهِ، وَصَوْنِ هَيْبَتِهِ"، و"الالتفافَ والإصْطِفافَ والْوُقُوفَ صَفًا واحِدًا ...لِأَنْ يَظَلَّ قضاءُ مِصْرَ حُرًّا، مُسْتَقِلًا، شامِخًا".
من الاستقلال إلى العسكرة
هذه ليست أول مرة يحدث تدخل للسلطة التنفيذية في الشأن القضائي ويثير انتقادات عامة وبين أوساط القضاة، فقد دأب النظام المصري على تنفيذ "منهجية مستدامة" لـ "عسكرة القضاء"، منذ 2013.
ويمكن رصد ثلاث مراحل لعسكرة القضاء والهيئات القضائية والقضاة، شهدتها مصر، على النحو التالي:
المرحلة الأولي: منذ 2013 حتى 2017 مرحلة "عسكرة القضاء" عبر نزع اختصاصات المحاكم المدنية وإسنادها للقضاء العسكري بهدف قمع الاحتجاجات عقب انقلاب 2013.
المرحلة الثانية: من 2017 حتى 2023 وهي مرحلة "عسكرة الهيئات القضائية" وفرض تعيين السيسي لرؤساء هذه الهيئات بما يضمن سيطرته على المحاكم ومفاصل الجهات القضائية كي لا تحتج على العسكرة الممنهجة.
المرحلة الثالثة: مستمرة منذ 2023، حتى الآن، وهي مرحلة "عسكرة القضاة أنفسهم"، عبر تدريبهم في الأكاديمية العسكرية، ثم نقل أمر تعيينهم إجمالا من الهيئات القضائية إلى الجيش مباشرة.

بدأت مرحلة عسكرة القضاء منذ 2013، حين شهدت مصر اتساعًا منهجيًا في استخدام القضاء العسكري ضد المدنيين وتراجعًا في استقلالية القضاء المدني، بما عزز دور المؤسسة العسكرية في الجهاز القضائي.
وأضحى هذا جزءًا من منظومة ضبط عسكري سياسي، تستهدف القضاء المدني والمعارضين معا، خاصة الإسلاميين، بعدما كان نظام المحاكم العسكرية يُستخدم في حالات استثنائية فقط، قبل 2013.
بين 2011 و2012، خلال فترة الانتقال السياسي بعد ثورة 2011، استخدم المجلس الأعلى للقوات المسلحة، القضاء العسكري على نطاق واسع، وحوكم أكثر من 11 ألف مدني أمام محاكم عسكرية. بحسب منظمات حقوقية.
وبعد الانقلاب العسكري وعزل الرئيس محمد مرسي في 3 يوليو 2013، وتولي المؤسسة العسكرية الحكم، تمَّ تعزيز دورها في كل مفاصل الدولة، وبدأت مرحلة أعنف من منهجية عسكرة القضاء، بوصفها جزءًا من السيطرة على النظام القضائي.
بدأ الأمر بموافقة "لجنة الدستور"، المُشكلة من مؤيدي الحكم العسكري، في ديسمبر 2013 على بقاء أحكام تسمح بمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية في حالات معينة، بصياغة تسمح بتشريع عسكرة القضاء بشكل رسمي. وفق حقوقيين.
وعقب توليه الحكم رسميا إثر انتخابات مُهندسة، أصدر رئيس النظام الجديد عبد الفتاح السيسي في أكتوبر 2014، قانون عسكرة القضاء رقم 136.
أعطى القانون المحاكم العسكرية صلاحية محاكمة المدنيين عما يُسمى "الجرائم المرتكبة ضد المنشآت العامة والحيوية"، وهو نطاق واسع للغاية يشمل المظاهرات، والتظاهر، وحتى الاحتجاجات الاجتماعية، التي يختص بها القضاء المدني.
وبحسب تقارير حقوقية، تم تحويل أكثر من 7400 مدني إلى المحاكم العسكرية خلال الفترة التالية للقانون، مع أحكام متعددة بالسجن في ملفات سياسية واقتصادية واجتماعية.
وفي عام 2015 بدأ تطبيق واسع للقانون 136، وأحيل بموجبه مدنيون إلى القضاء العسكري لأسباب تتعلق بـ "التظاهر" أو "التأثير على الأمن العام"، ما أثار انتقادات واسعة من المنظمات الحقوقية، وقضاة.
وخلال 2016، تم التوسع في عسكرة القضاء إلى مساحات غير عسكرية، واستُخدم القضاء العسكري في قضايا مثل العاملين بشركة الإسكندرية لبناء السفن الذين احتُجزوا وحوكموا عسكريًا بعد احتجاجات على الأجور وظروف العمل.
وبحلول نوفمبر 2021، تم توسيع عسكرة القضاء قانونيا، وترسيخ أحكام القانون العسكري الموسع بإدراجها في التشريعات المدنية القائمة بشكل دائم، مما يعني أن إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية لم تعد مؤقتة أو طارئة، بل جزءًا من المنظومة القانونية.
وفي مارس 2024 تمَّ تعزيز القواعد القانونية للعسكرة، عبر إقرار تعديلات إضافية توسع قدرات القضاء العسكري، مثل إنشاء "محاكم استئناف عسكرية" جديدة على حساب القضاء المدني.
ولم تغير هذه التعديلات من جوهر مسألة "العسكرة"، بل عززت ورسخت من نظام المحاكم العسكرية كبديل للنظام القضائي المدني في معالجة ملفات واسعة، أي ترسيخ هذه الإستراتيجية قانونيا وإدماجها بتشريعات في النظام القانوني الأساسي.

بداية العسكرة
بدأت مرحلة "عسكرة الهيئات القضائية"، بصدور القانون رقم 13 لسنة 2017، بشأن تعديل "قانون السلطة القضائية"، والذي منح سلطة أوسع لرئيس الجمهورية (السيسي) في اختيار رؤساء الهيئات القضائية، ولقي معارضة ضعيفة من بعض القضاة.
وتعزز هذا التوجه بالتعديل الدستوري في أبريل/ نيسان 2019، والذي تم تمريره، باستفتاء مزور- وفق منظمات حقوقية- ورشا انتخابية، بالنص على إنشاء "المجلس الأعلى للهيئات القضائية" برئاسة رئيس الجمهورية (رئيس السلطة التنفيذية).
وذلك لمزيد من تقنين و"دسترة" مسألة تعيين الرئيس لرؤساء الهيئات القضائية.
وهي تعديلات وصفتها مذكرة أرسلها "نادي قضاة مجلس الدولة" للبرلمان في 28 مارس 2019 بأنها تقضي على "ما تبقى للقضاء من استقلال، وتحيله مِزَعا مِزَقا، ومرفقا تديره السلطة التنفيذية"، وأنها "أسرفت في هدم استقلال القضاء، وأفرطت في النيل منه".
وقد سمحت التعديلات الدستورية 2019، التي أقرها مجلس النواب وصدق عليه السيسي، بتولي رئيس السلطة التنفيذية (الرئيس) تعيين قضاة المحاكم المصرية وإلغاء النظام القديم القائم على تعيين أقدم القضاة سنا في منصب رئيس كل هيئة.
وحتى 28 مارس 2017 كان العرف القانوني يقضي بقيام كل هيئة قضائية بتعيين القاضي الأقدم والأكبر سنا رئيسا لها، ولكن السيسي أصدر قانونا يضع حق اختيار رؤساء الهيئات القضائية في يده، من بين ثلاثة أعضاء ترشحهم هذه الهيئات، خلافًا لقاعدة الأقدمية المعمول بها.
وأكد بعض القضاة، حينئذ، أن القانون جاء ليبعد المستشارين يحيى الدكروري، صاحب حكم بطلان اتفاقية «تيران وصنافير»، وأنس عمارة، النائب الأول الأسبق لرئيس محكمة النقض، بسبب قراراته بإلغاء أحكام الإعدام المستندة إلى تحريات جهاز الأمن الوطني.
وفي يوليو 2019 أدي المستشار عبد الله عصر، اليمين الدستورية، رئيسا لمحكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى (شيخ قضاة مصر)، أمام عبد الفتاح السيسي، ما عدّه قضاة بمثابة "نهاية رسمية" لاستقلال القضاء بعدما أصبح رئيس السلطة التنفيذية يعين رئيس القضاة، وانتهي زمن تعيين القضاة لرئيسهم بالأقدمية.
وعين السيسي المستشار "عصر" رئيسا لـ "النقض" رغم أن ترتيبه الرابع في الأقدمية، من بين أقدم 7 قضاة بمحكمة النقض، إعمالا للتعديلات الدستورية التي منحته سلطة تعيين رؤساء الهيئات والجهات القضائية من بين أقدم 7 أعضاء ترشحهم المجالس العليا لتلك الهيئات والجهات.
أيضا عين السيسي، المستشار عصام المنشاوي، رئيسا لهيئة النيابة الإدارية، خلفا للمستشارة أماني الرافعي التي تقاعدت، وعينه السيسي أيضا متجاوزا 6 من زملائه الأقدمين في الوظيفة؛ حيث يأتي "المنشاوي" في المرتبة السابعة من حيث الأقدمية.
وبموجب التعديلات الدستورية قام السيسي أيضا بتعيين النائب العام رغم أن هذا اعترض عليه قضاة خلال حكم الرئيس السابق محمد مرسي، وحشدهم رئيس نادي القضاة أحمد الزند للاعتراض وطالب حينها الرئيس الأميركي بالتدخل في مصر.
كما طال التعيين أيضا رئيس المحكمة الدستورية العليا، أعلى هيئة قضائية مصرية، بدلا من التصديق على تعيين أقدم مستشار بها، من بين أقدم خمسة نواب لرئيس المحكمة.

مرحلة جديدة
خلال فترة العشر سنوات الأولى من حكم العسكر، من 2013 حتى 2023، كان التركيز على عسكرة القوانين وزيادة تدخل القضاء العسكري في الشئون المدنية وإقصاء المحاكم المدنية والقضاء الطبيعي تدريجيا عن اختصاصاته.
لكن منذ 22 أبريل 2023، بدأ تاريخ جديد لعسكرة القضاة أنفسهم بعد القضاء، باستحداث مجلس الوزراء (بإيعاز من السيسي) شرطا غير مسبوق يُلزم جميع المعينين في جميع قطاعات وجهات وهيئات الدولة بالحصول على دورة تأهيل في الأكاديمية العسكرية بالقاهرة لمدة ستة أشهر.
وشمل ذلك المعينين الجدد في الجهات والهيئات القضائية المختلفة سواء كانت (نيابة عامة أو مجلس الدولة أو نيابة إدارية أو هيئة قضايا الدولة).
وبموجب هذا القرار بدأت الأكاديمية العسكرية تلعب دورا محوريا في تأهيل واختيار الكوادر بمختلف مؤسسات الدولة، لا سيما الملتحقون بالسلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية، والمعلمون الجدد الملتحقون بالعمل في وزارة التربية والتعليم.
فضلا عن منح دورات تدريبية لموظفي وزارة النقل، وتأهيل وتدريب المعينين الجدد بالجهات والهيئات القضائية، وهو ما كان محل انتقادات حقوقية وقانونية، بل ووصل الأمر لتدريب الجيش السلطة التشريعية في صورة 391 نائبا من برلمان 2026.
وفي 13 يونيو/ حزيران 2024 احتفلت الأكاديمية العسكرية بتخريج الدفعة الأولى من القضاة الجدد بعد تدريب عسكري مدته ستة أشهر، وهو ما قوبل بانتقادات من مجلس القضاء؛ لأن التدريب يشمل اختبارات بدنية وسيكولوجية غير مرتبطة بالكفاءة القضائية.
وقبل قرار مجلس الوزراء كانت تعيينات أعضاء الجهات والهيئات القضائية تخضع فقط لقانون السلطة القضائية، وتحديدًا في المادتين 38 و116 والخاصتين بشروط تعيين أعضاء الجهات والهيئات القضائية.
وتخلو المادتان من أي شرط إلزامي بخضوع المعينين الجدد لدورات تأهيلية بالكليات العسكرية واجتيازها كشرط للتعيين، وحددتا طرقا جميعها تخضع للسلطة القضائية، وبعيدة عن أي سلطة تنفيذية.
وقد استمرت التعيينات في السلطة القضائية في الهيئات والجهات كافة على هذا المنوال وهذه الآلية حتى تم استحداث الشرط الجديد الخاص بالدورة التأهيلية بالكلية الحربية.
وهو ما أثار غضب القضاة حينها، وأعلنوا وقتها عن رفضهم القاطع لقرار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي.
وبموجبها، بدأ خضوع المرشحين للعمل بالنيابة العامة للدورة العسكرية وتجاهل طبيعة شخصية القاضي المستقلة، بهدف محو شعوره باستقلاليته عندما يستهل طريقه داخل بيته القضائي، بتدريبه عسكريا وإخضاعه للجنرالات.
وبخلاف "العسكرة" يشكو قضاة من "التضييق المالي" وعدم كفاية رواتبهم، ما أدى إلى استقالة الكفاءات وتراكم الضغوط الأسرية والنفسية على الباقين، وسفر آخرين للخارج وترك السلك القضائي، خاصة في ظل منح المزيد من الامتيازات للجيش والشرطة فقط.
وجاء التوجه الأخير في ختام هذه المنهجية المستدامة ممثلا في تغيير آليات التعيينات والترقيات بالنيابة العامة والجهات القضائية وإسنادها للجيش محاولة أخيرة لإعادة هندسة القضاء بصبغة أمنية وعسكرية.
وهو ما يشكل "انتهاكا صارخا لأحكام الدستور المصري، واعتداء مباشرا على مبدأ الفصل بين السلطات، وإخضاعًا كاملًا للسلطة القضائية لصالح السلطة التنفيذية، بما يهدر تماما أي معنى حقيقي لاستقلال القضاء وفقا للمعايير الدولية". وفق مدير المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة "ناصر أمين"، لمنصة "متصدقش".
ويمثل أيضا "جريمة مكتملة الأركان بحق السلطة القضائية في مصر"؛ لأنه "يجيز إخضاع القضاة أو أعضاء النيابة لمسار تعيين أو ترقية عسكري، أو ربط مستقبلهم الوظيفي بجهة تنفيذية أو أمنية". وفق "أمين".
















