ماذا وراء دفء العناق؟ قراءة في التحالف الإماراتي الهندي

المفكر الإماراتي جمال سند السويدي: الهند تستطيع احتلال الإمارات خلال دقائق
هبطت طائرة الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، يوم 19 يناير/ كانون الثاني 2026، في العاصمة الهندية نيودلهي، في زيارة قصيرة زمنياً، لكنها مثقلة بالدلالات السياسية والإستراتيجية من حيث التوقيت والطبيعة.
لم يكن المشهد بروتوكولياً عادياً؛ فقد كان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في مقدمة مستقبلي ضيفه عند سلم الطائرة، وتبادلت الكاميرات لقطة عناق دافئ واستقبال نادر بين الرجلين، وصفته وسائل إعلام هندية بأنه رسالة سياسية بقدر ما هو مجاملة شخصية.
غير أن وزن تلك اللقطة لا يستمد أهميته من حميميتها فقط، بل من سياقها الإقليمي الأوسع. فالزيارة جاءت في لحظة يتصاعد فيها الخلاف الإماراتي-السعودي، وتتشكل على هامش هذا التوتر خرائط تحالفات جديدة تعيد رسم توازنات المنطقة.
في المقابل، كانت باكستان، الحليف التقليدي للرياض والخصم التاريخي للهند، تقر عبر تصريحات رسمية بإعداد مسودة اتفاق دفاعي ثلاثي مع السعودية وتركيا، بعد نحو عام من المفاوضات. وقد قرأت عواصم عدة هذا التطور بوصفه تموضعاً سياسياً وأمنياً واضحاً في معسكر الرياض.
وعلى الضفة الأخرى، اختارت أبو ظبي التوجه نحو الهند، خصم إسلام آباد، والشريك الوثيق لواشنطن وتل أبيب في صيغ تعاون إقليمي مثل إطار “I2U2” (الهند–الإمارات–الولايات المتحدة–إسرائيل)، الذي يُقدَّم اقتصادياً، لكنه يحمل في طياته أيضاً حسابات نفوذ وتوازنات إستراتيجية.
غير أن المفارقة التي يتوقف عندها مراقبون داخل الخليج، أن الإمارات، وهي تعمّق هذا التحالف، تبدو كمن “يطلق النار على قدميه”.
فالهند ليست مجرد شريك تجاري ضخم أو مصدرا رئيسا للعمالة، بل تمثل ثقلاً بشرياً واقتصادياً متجذراً داخل الإمارات نفسها، إلى حد جعل نخباً إماراتية تحذر، على مدى سنوات، من أن فائض النفوذ قد يتحول في لحظة ما إلى هشاشة سيادية.
خلل ديمغرافي
المدخل الأوسع لفهم “الخطر البنيوي” في التحالف الإماراتي-الهندي يبدأ من الديمغرافيا.
فوفق تقديرات سكانية متداولة لعام 2026، يبلغ عدد سكان الإمارات نحو 11.8 مليون نسمة، بينهم قرابة 1.4 مليون مواطن فقط، مقابل نحو 10.4 ملايين مقيم أجنبي.
وفي قلب هذه الكتلة الوافدة، تتمدد الجالية الهندية بوصفها الأكبر عدداً، بنحو 4.1 ملايين نسمة.
قد تختلف التقديرات بشأن الرقم الدقيق، إلا أن الثابت أننا أمام كتلة بشرية تقارب ثلث السكان أو تزيد، داخل دولة لا تتجاوز فيها نسبة المواطنين 15 بالمئة من المجتمع.
وفي منطق الأمن القومي التقليدي، يشكل هذا الاختلال الديمغرافي تهديداً لقدرة الدولة على ضبط المجتمع واستدامة العقد الاجتماعي، خصوصاً حين يقترن بعدم التوازن العددي تمركز اقتصادي حاد للوافدين في قطاعات حساسة، واعتماد متزايد للأجهزة الخدمية وسوق العمل على شبكات شركات ورؤوس أموال عابرة للحدود.
وهنا يبرز السؤال المركزي: ماذا يحدث حين تتحول الجالية الأكبر إلى لاعب اقتصادي واجتماعي – وربما سياسي – لا يمكن الاستغناء عنه، بينما تقوم الدولة سياسياً على شرعية أقلية مواطنة؟
نفوذ يتجاوز الاقتصاد
لا يسير التحالف مع الهند عبر قنوات الدبلوماسية الرسمية فقط، بل عبر شبكة مصالح يومية متشابكة داخل الإمارات، تشمل استثمارات واسعة في قطاعات الرعاية الصحية والعقارات والتجزئة والخدمات واللوجستيات.
وهي قطاعات تمثل البنية التحتية غير العسكرية للأمن الوطني، مثل أمن الغذاء والدواء وسلاسل الإمداد والخدمات الأساسية.
وفي تقرير نشرته صحيفة “الخليج تايمز” في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2024، نقل عن القنصل العام للهند في دبي أن المغتربين الهنود “من بين أغنى الجاليات”، وأن استثماراتهم ممتدة في قطاعات حيوية، وهو توصيف يعكس حجم التشابك بين رأس المال الهندي ودورة الاقتصاد الإماراتي.
وعلى مستوى أعمق، أصبحت الهند شريكاً تجارياً مركزياً للإمارات. فقد أشارت وثيقة رسمية لوزارة الخارجية الهندية إلى أن حجم التجارة الثنائية بلغ نحو 85 مليار دولار في 2022-2023، مع تنوع واسع في الصادرات الهندية.
وخلال زيارة 19 يناير 2026 نفسها، تحدثت وكالة “رويترز” عن تعهد مشترك بمضاعفة حجم التجارة إلى 200 مليار دولار خلال ست سنوات، بالتوازي مع توقيع اتفاق غاز مسال بقيمة 3 مليارات دولار، وخطاب نوايا لشراكة دفاعية إستراتيجية.
هنا تتغير طبيعة العلاقة من تبادل تجاري إلى اعتماد متبادل غير متكافئ؛ فالإمارات، بحكم صغر قاعدتها السكانية الوطنية واعتمادها على العمالة الوافدة، تصبح أكثر حساسية لأي ضغط خارجي يمر عبر بوابة السوق أو اليد العاملة أو سلاسل الإمداد.
في المقابل، تمتلك الهند ميزة العمق السكاني وقوة الشتات داخل الإمارات، ما يمنحها أوراق ضغط إضافية حتى دون استخدامها رسمياً.

تغليب الهند
لم تكتف أبو ظبي بتطوير المصالح الاقتصادية مع نيودلهي، بل قدمت إشارات رمزية تعكس قراراً سياسياً بتغليب الهند حتى عندما يخلق ذلك حساسية في محيطها الإسلامي.
ففي فبراير/ شباط 2024، افتتح رئيس الوزراء الهندي “أول معبد هندوسي” في أبو ظبي، وهو حدث احتفت به الهند بوصفه تتويجاً لعلاقة سياسية وثقافية استثنائية.
وبالتوازي، تظهر الإمارات والهند ضمن إطار “I2U2”، الذي يُنظر إليه كجزء من إعادة تشكيل توازنات غرب آسيا بعد اتفاقات أبراهام.
بالنسبة لخصوم أبو ظبي، تمثل هذه المسارات دليلاً على انتقال الإمارات من براغماتية العلاقات إلى سياسة المحاور، ولو كان الثمن توتيراً مع حلفاء عرب، أو فتح نقاشات داخلية حول الهوية في دولة تتغير تركيبتها بسرعة.
وفي إعلان 19 يناير 2026، ظهر البعد الأمني بوضوح من خلال توقيع خطاب نوايا لشراكة دفاعية إستراتيجية، بالتوازي مع اتفاقات في مجالات الطاقة والنووي والفضاء.
وإذا كانت الشراكات الدفاعية أمراً شائعاً، فإن خصوصية الحالة هنا أن الهند ليست قوة خارجية فحسب، بل حضور بشري واقتصادي واسع داخل الإمارات.
وقد تداولت منصات التواصل تصريحات سابقة للمفكر الإماراتي جمال سند السويدي، حذر فيها من هشاشة السيادة في ظل الوجود الكثيف للهنود في قطاعات أمنية وحساسة.
وتعكس هذه التصريحات وجود قلق سيادي داخل دوائر قريبة من النخبة، وصراعاً بين تصور رسمي يرى في الهند رافعة اقتصادية، وتصور آخر يخشى ارتداد النفوذ الخارجي إلى الداخل.
مأوى المتطرفين
إلى جانب ذلك، يبرز البعد الأيديولوجي المرتبط بصعود القومية الهندوسية بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية.
تقارير عدة تحدثت عن محاولات منظمات هندوسية متطرفة توسيع حضورها في الخليج، بما في ذلك الإمارات، وهو ما يثير مخاوف من تغذية استقطابات دينية وثقافية داخل مجتمع غير متجانس ديمغرافياً.
وفي بيئة إقليمية متوترة، قد يتحول هذا الملف إلى ورقة ضغط خارجية أو مصدر احتكاك داخلي، ولا يمكن فصل التحالف الإماراتي-الهندي عن سؤال الهوية الوطنية في العقد المقبل.
وانتقد أكاديميون إماراتيون، من بينهم عبد الخالق عبد الله، مسار التجنيس، محذرين من منح الجنسية لأشخاص لا يتحدثون العربية أو يحتفظون بولاءات مزدوجة.
هذه المخاوف تعكس هواجس بنيوية: دولة أقلية مواطنة، تستورد العمالة ورأس المال، ثم تفتح باب التجنيس لأسباب اقتصادية أو سياسية.
وفي ظروف التوتر الإقليمي، تصبح الهوية جزءاً من معادلة الأمن القومي: الولاء، واللغة، والانتماء الثقافي.
ويبقى السؤال المفتوح: هل تتحول الإمارات، بعد عقود إلى دولة اقتصادها ونخبها وسوقها أكبر من قاعدتها المواطنة؟ وماذا يعني ذلك إذا واجهت صدمة أمنية أو خلافاً حاداً مع شريك خارجي يمتلك ثقلاً داخلياً بهذا الحجم؟
المصادر
- Pakistan-Saudi-Turkey defence deal in pipeline, Pakistani minister says
- دراسة عن عدد سكان الإمارات في عام 2026
- الجالية الهندية في الإمارات تصل إلى 4 ملايين نسمة وتساهم في النمو الاقتصادي
- With the world in ‘turmoil’, a new ‘Quad’ comes into place
- الإمارات والهند نحو "شراكة إستراتيجية دفاعية"
- Emirates Leaks: 5,000 Israelis obtained UAE citizenship in 3 months
- India, UAE sign $3 billion LNG deal, agree to boost trade and defence ties at leaders' meeting














