كلمات محسوبة أم زلة لسان؟ كيف قرأ السوريون خطاب الشرع في الكرملين

شدوى الصلاح | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

أثارت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا جدلًا واسعًا، عقب وصفه لها بـ"الأرض المباركة" خلال لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين، إذ رأى فريقٌ الزيارة خطوة إيجابية نحو إعادة بناء العلاقات بين البلدين، فيما انتقدها آخرون على خلفية الدور الذي لعبته موسكو في الحرب السورية وما خلّفته من دمار واسع في البلاد.

وتُعد هذه الزيارة الثانية للشرع إلى روسيا منذ توليه مقاليد الحكم أواخر يناير/ كانون الثاني 2025، بعد زيارة أولى جرت منتصف أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه.

وقال الرئيس السوري، في تصريح مشترك مع نظيره الروسي في الكرملين بتاريخ 28 يناير/ كانون الثاني 2026، إن بلاده تجاوزت خلال العام الماضي العديد من العقبات، كان آخرها تحدي توحيد الأراضي السورية، معربًا عن سعادته بالزيارة الثانية إلى روسيا.

وعلّق الشرع على مشهد الثلوج في موسكو قائلًا: "وأنا آتٍ من المطار، رأيت كمًا كبيرًا من الثلوج في طريقنا إلى الكرملين، فتذكرت التاريخ السابق".

وأضاف: "تذكرت كم من الحملات العسكرية حاولت بعض الأطراف الوصول إلى موسكو، وكيف حالت شجاعة الجنود الروس والطبيعة دون ذلك، دفاعًا عن هذه الأرض المباركة، فنسأل الله لها السلامة دائمًا".

وأشار الرئيس السوري إلى وجود "مواضيع مشتركة كثيرة" بين البلدين، معربًا عن أمله في بحثها بتفصيل خلال هذا اللقاء، ولفت إلى أن سوريا قامت خلال العام الماضي بـ"خطوات عديدة تجاوزت بها مراحل وعقبات معقدة، كان آخرها تحدي توحيد الأراضي السورية".

وأكد أن مواقف روسيا خلال العام الماضي كانت "مؤيدة لوحدة الأراضي السورية"، مشددًا على أن لبلاده "دورًا تاريخيًا في وحدة واستقرار الإقليم بأكمله".

وأضاف: "نأمل أن تستمر هذه الجهود، حتى تكون منطقة الشرق الأوسط في أفضل حال، وننتقل من حالة الخراب والدمار إلى حالة الاستقرار والتنمية".

من جهته، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "سعداء أن نراكم من جديد في موسكو".

وأوضح أنه "خلال الفترة التي أعقبت لقائنا الأخير، قمنا بعمل كبير على صعيد إعادة بناء العلاقات الثنائية، وحرّكنا مستوى التعاون في المجال الاقتصادي".

وأضاف: "سجّلنا زيادة في حجم التبادل التجاري؛ وهي لا ترقى بعد إلى المستوى الذي نطمح إليه، لكنها تمثل تحركًا في الاتجاه الصحيح، ونحن نعمل بجد لتطوير العلاقات في مختلف المجالات".

واستحضر بوتين الجذور التاريخية للعلاقات بين البلدين، مشيرًا إلى أنه "في عام 1944، وخلال الحرب العالمية الثانية، وقّع الاتحاد السوفيتي وسوريا اتفاقيات ذات صلة أسست لهذه العلاقات".

وتابع: "في الظروف الجديدة، وبفضل جهودكم الشخصية، تتطور العلاقات الروسية السورية، وهناك العديد من الملفات المطروحة للنقاش، فيما تعمل الوزارات والهيئات في البلدين بنجاح".

وأشار إلى أن "هناك الكثير مما يجب إعادة إعماره"، لافتًا إلى أن "القطاع الإسكاني وقطاع البناء في روسيا مستعدان للمشاركة في هذه العملية".

وأضاف بوتين: "نحن نتابع عن كثب جهودكم الرامية إلى إعادة سلامة ووحدة الأراضي السورية، ونهنئكم بنجاح هذه العملية وتسارع وتيرتها، وندعم خطواتكم في هذا الاتجاه".

وختم بالقول: "إنني آمل أن تكون عودة شرق الفرات إلى أحضان دمشق خطوة هامة في هذا المسار، تسهم في استكمال وحدة الأراضي السورية".

وأثار وصف الرئيس السوري لروسيا بـ"الأرض المباركة" استياء شريحة من السوريين، رأوا في ذلك تجاهلًا للجرائم التي ارتكبتها موسكو خلال سنوات الحرب، في حين دافع آخرون عن موقف الشرع، معتبرين أنه يتحرك من منطلق المصلحة الوطنية، وسعيًا لإعادة بناء العلاقات مع روسيا.

وعلى الصعيد الداخلي، أصدر وزير الداخلية أنس خطاب قرارًا يقضي بالعمل الفوري على تطبيق المرسوم رقم (13) لعام 2026، المتعلق بمنح الجنسية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع مساواتهم الكاملة في الحقوق والواجبات.

زلة لسان

 رأى ناشطون من خلال مشاركتهم في وسوم عدّة، أبرزها: #أحمد_الشرع، #بوتين، #روسيا، #الكرملين، أن وصف الشرع لروسيا بـ"الأرض المباركة" أو إشادته بشجاعة الجنود الروس لا يتعدى كونه “خطأً لفظيًا”، فيما قدّم محللون قراءات سياسية مختلفة لتصريحات الرئيس السوري.

في السياق ذاته، استخدم آخرون لغة أكثر هدوءًا في انتقاد تصريحات الشرع، معتبرين أنه "لم يكن موفقًا" في تعبيره، أو أن "العبارة خانته"، مع تأكيدهم ثقتهم بالرئيس، وتذكيرهم في الوقت ذاته بجرائم روسيا في سوريا، واستخدامها أسلحة محرّمة دوليًا، ومطالبين بمصالحة وطنية داخلية شاملة.

توازن براغماتي

في المقابل، دافع كتّاب وناشطون عن زيارة الشرع إلى موسكو، مؤكدين أن لها أهدافًا تتجاوز الشكل البروتوكولي، وأنها تقوم على حسابات سياسية تسعى إلى بناء توازن براغماتي، لا تحقيق انتصار دبلوماسي رمزي، وتحمل في طياتها رسائل سياسية غير معلنة.

وفي هذا الإطار، قال جابر منصور: إن زيارة الرئيس الشرع إلى روسيا لا تمثل مجرد اجتماع رسمي بين دولتين، بل تشكل إعلانًا دبلوماسيًا عن موقع سوريا الجديد على رقعة الشطرنج الإقليمي، بعد هزيمة “قسد”. ويرى أن دمشق لم تعد طرفًا يبحث عن الحماية، بل قوة صاعدة تعيد رسم تحالفاتها من موقع السيادة والإستراتيجية الواضحة.

وأضاف أن الدهاء السياسي في الزيارة يكمن في توقيتها، إذ يظهر القائد وهو يختار شركاءه من منطلق القوة والمصلحة الوطنية، لا من موقع الضعف، لتتحول اللقاءات السياسية إلى رسائل مدروسة، والتفاهمات إلى أدوات لحماية المصالح الوطنية بعيدًا عن الارتجال أو الخضوع للضغوط.

وأشار منصور إلى أن السياسة ليست مجرد إدارة للواقع، بل فن قراءة اللحظة التاريخية واستثمارها، ويرى أن الزيارة جسّدت قدرة القيادة السورية على تحويل الإنجاز العسكري إلى نفوذ دبلوماسي.

من جانبه، أوضح بلال الجبري أن جوهر زيارة الشرع يتمحور حول ملفات القواعد العسكرية الروسية في سوريا، وملف "الفلول"، إلى جانب الملف الاقتصادي، في ظل استمرار روسيا كمزوّد رئيس لسوريا في مجال الطاقة. ولفت إلى ما وصفه بـ"الأقطاب المخفية" للزيارة، ومنها تحييد موسكو عن دعم النزعات الانفصالية، وإرسال رسائل غير مباشرة إلى بعض الدول الأوروبية الداعمة لـ"قسد"، ولا سيما فرنسا وألمانيا.

كما رأت زيادة دندشي أن زيارة الشرع إلى موسكو ولقاءه الرئيس بوتين لا تعكس ضعفًا سياسيًا، كما يعتقد البعض، بل تؤكد قوة سوريا الدبلوماسية وقدرة قيادتها على الحوار والمناورة في الساحة الدولية.

دهاء الشرع

بدورهم، دافع محللون سياسيون وإعلاميون عن الرئيس السوري، وقدموا قراءات تحليلية لتصريحاته، مستنكرين ما وصفوه بحالة التربص والتقاط العبارات خارج سياقها.

وقالت الإعلامية صبا مدوّر: إن مجاملة الشرع لروسيا لا تبرّئ القيادة الروسية، ولن تمنحها موقعًا في الوجدان السوري، مؤكدة أن هذه التصريحات لا تحمل قيمة حقيقية خارج روسيا، لكنها تكتسب وزنًا في الداخل الروسي، حيث تُستخدم لتعزيز السردية الرسمية للكرملين أمام الرأي العام.

وأضافت أن هذه العبارات قُدمت في إطار اضطراري تحكمه طبيعة المرحلة، وبعد ضمان المصلحة السورية، مؤكدة أنها لا تغيّر من الوقائع التاريخية، ولا من حقيقة الدور الروسي في سوريا.

من جهته، استنكر رسام الكاريكاتير عمار آغا القلعة انتقادات بعض الناشطين لتصرفات الرئيس وحكومته، معتبرًا أن تحميل القيادة معايير مثالية مطلقة يتجاهل تعقيدات الواقع السياسي.

وكما قال يوسف أبو أسامة: إن الانشغال بتتبع "زلات لسان" غير مقصودة يعكس حالة تربص وانتظار للسقوط، بدل الانخراط في قراءة أعمق للواقع السياسي.

وفي السياق ذاته، رأى المدون حمدون أن الشرع أراد إيصال رسالة مفادها أنه يتحدث من موقع الندّية، لا المجاملة، وأن خطابه موجّه لإبراز موقعه التفاوضي أمام القوى الكبرى، في لحظة سياسية دقيقة.

أما الكاتب غياث مكي، فرى أن ما فعله الشرع ينسجم مع قاعدة سياسية مفادها أن "امتلاك الخصم لا يكون بالعداء الفج، بل بالاستيعاب الذكي"، مؤكدًا أن تعظيم الخصم في الخطاب السياسي لا يعني الخضوع له، بل توظيف رمزيته لإبراز حجم الإنجاز الذي تحقق على حسابه.