هل تفشل خطة ترامب في غزة؟ مجلة أميركية تشرح الأسباب

منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

“لا وقف لإطلاق النار، ولا تدفق للمساعدات، ولا نزع لسلاح حماس، ولا انسحاب للقوات الإسرائيلية، ولا حتى وجود قوة لتحقيق الاستقرار”.. كل ما هناك كلام كثير عن لجان يديرها دونالد ترامب، دون تبَنٍّ حقيقي من الأطراف المعنية". هكذا وصفت مجلة خطة الرئيس الأميركي حيال غزة.

ورأت مجلة "ريسبونسبل ستيتكرافت" الأميركية أننا نعيش "مرحلة هزلية". مؤكدة أنه "لا مجال لأن يحل (مجلس ترامب للسلام) محل الواقع الفعلي في غزة".

بعيدة عن الواقع

وقالت المجلة، في تقرير للباحث بول بيلار: إن "تصريحات إدارة ترامب بشأن قطاع غزة قد توحي بأن تنفيذ خطة السلام التي وضعها ترامب والمؤلفة من 20 بندا، والتي أُدرجت لاحقا في قرار لمجلس الأمن الدولي- يسير بسلاسة تامة".

وعليه، أعلن ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب، عبر وسائل التواصل الاجتماعي "إطلاق المرحلة الثانية" من الخطة، والتي تهدف إلى "الانتقال من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وحكومة تكنوقراط، وإعادة الإعمار".

غير أن التدقيق في أي من ادعاءات ويتكوف يكشف أن الحديث عن "سلاسة" التنفيذ، أو حتى عن "تنفيذ" من الأساس، ليس سوى مبالغة بعيدة عن الواقع. بحسب المجلة.

مثلا، قال ويتكوف: إن "المرحلة الأولى حافظت على وقف إطلاق النار"، لكن هذا لم يحدث، فمنذ الموعد المفترض لدخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر/تشرين الأول 2025، واصلت إسرائيل شن هجمات يومية على قطاع غزة.

وتابع التقرير: "كما هي الحال عادة في حالات وقف إطلاق النار غير المطبّق فعليا، يتبادل الطرفان الاتهامات بارتكاب خروقات، إلا أن حصيلة الضحايا تكشف من أي جانب بالضبط تأتي تلك الخروقات الدامية".

فبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، أسفرت الهجمات الإسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار المفترض عن استشهاد ما لا يقل عن 451 فلسطينيا وإصابة 1251 آخرين. 

وكما كان الحال خلال العدوان الإسرائيلي في السنوات الثلاث السابقة، كان عدد كبير من الضحايا من المدنيين.

وقال ويتكوف أيضا: إن "المرحلة الأولى وفّرت مساعدات إنسانية تاريخية" لقطاع غزة.

غير أنه -وفق التقرير- أغفل الإشارة إلى أن استمرار رفض إسرائيل لطلبات إيصال المساعدات إلى القطاع قد قلّل من تدفقها بشكل كبير عما اتُّفق عليه، وأقل بكثير من الحاجة الفعلية.

وحتى منتصف يناير/كانون الثاني 2026، دخل إلى غزة 24 ألفا و611 شاحنة مساعدات منذ إقرار اتفاق وقف إطلاق النار، أي أقل من نصف عدد الشاحنات البالغ 57 ألفا، الذي كان يفترض أن تسمح إسرائيل بدخوله وفق الحصص المتفق عليها.

وهكذا، يُعلَن عن المرحلة الثانية دون أي تقدم يُذكر في تنفيذ المرحلة الأولى، وفق تأكيد المجلة الأميركية.

انعدام الثقة

وأعلنت الإدارة الأميركية أسماء بعض أعضاء ما يُسمّى بـ"مجلس السلام"، برئاسة ترامب، والذي يُفترض أن يعمل كهيئة دولية عليا تشرف على تنفيذ ما تبقّى من الخطة.

“غير أن الإعلان لم يشمل جميع الأعضاء، إذ يبدو أن استكمال تشكيل المجلس واجه صعوبات واضحة”. وفق التقرير.

"وربما يكون تردّد عدد من الحكومات في المشاركة أمرا مفهوما، في ظل الضبابية التي ما تزال تحيط بآليات التنفيذ حتى الآن، فضلا عن طبيعة المشروع نفسه بوصفه مبادرة صاغها ترامب بتنسيق مباشر مع إسرائيل".

ولن يكون استقطاب أعضاء جدد بالأمر السهل، في ظل اشتراط ترامب على أي دولة ترغب في عضوية موسعة داخل المجلس دفعَ مليار دولار.

وأضاف التقرير أن "الأسماء التي أُعلن عنها حتى الآن كفيلة بإثارة تحفظات لدى طرفي النزع، فـ(مجلس السلام) يضم ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر ترامب، إضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير".

"وتبدي دول عربية، وكذلك أطراف واسعة في العالم الإسلامي، عدم ثقة ببلير، بسبب دوره في حرب العراق، وانحيازه الملحوظ لإسرائيل عندما كان مبعوثا دوليا معنيا بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني".

بدورها، سارعت إسرائيل إلى الاعتراض على تشكيل "المجلس التنفيذي لغزة"، الذي أعلن عنه البيت الأبيض أيضا، والذي لا تزال طبيعة علاقته ببقية الأطر المعنية بغزة غير واضحة.

ويضم هذا المجلس، إلى جانب توني بلير وجاريد كوشنر وستيف ويتكوف وآخرين، وزير الخارجية التركي ومسؤولا قطريا رفيعا.

وقد أعلن مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أن المجلس بصيغته الحالية "يتعارض مع السياسة الإسرائيلية"، في إشارة تعكس بوضوح توتر علاقات إسرائيل بكل من تركيا وقطر، لا سيما بسبب علاقتهما بحركة "حماس".

وبحسب المجلة، فمن شأن هذه الاعتراضات أن توفر لحكومة نتنياهو مبررا إضافيا للانقلاب على المسار الدبلوماسي برمته متى شاءت. 

ولا يقتصر هذا الموقف على الحكومة وحدها، إذ إن المعارضة الإسرائيلية بدورها أثارت مسألة عضوية المجلس.

فشل دبلوماسي

ووصف زعيم المعارضة، يائير لابيد، إشراك تركيا بأنه "فشل دبلوماسي خطير"، فيما دعا وزير الأمن القومي اليميني المتطرف،  إيتمار بن غفير، الجيش الإسرائيلي إلى "العودة للحرب بقوة هائلة في القطاع".

في غضون ذلك، شهدت القاهرة بعض التقدم التنظيمي الملحوظ، حيث عُقد الاجتماع الأول للجنة إدارة غزة، وهي مجموعة تضم 15 خبيرا فلسطينيا من المفترض أن تعمل كإدارة مؤقتة تحت إشراف مجلس السلام.

واجتمعت اللجنة مع الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي جرى تعيينه “الممثل السامي الجديد لغزة”. 

ولم يُعلَن عن أسماء أعضاء اللجنة سوى رئيسها، وهو المهندس ونائب وزير النقل السابق في السلطة الفلسطينية، علي شعث.

ولم يتطرق ويتكوف، في إعلانه عن المرحلة الثانية، إلى قوة الاستقرار الدولية المزمع تشكيلها، والتي من المفترض أن تضطلع بدور أمني محوري خلال الإدارة المؤقتة وإعادة إعمار قطاع غزة.

وقد كان تجنيد المشاركين في هذه القوة أصعب من تعيين أعضاء مجلس السلام -وفق المجلة- فالحكومات لا ترغب في انخراط قواتها في قتال فعلي، في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية.

وهي لا ترغب تحديدا في المشاركة في مهمة نزع سلاح حماس، وهو هدف عجزت إسرائيل عن تحقيقه طوال ثلاث سنوات من الحرب المفتوحة.

وأردف التقرير: "في ظلّ تكرار ويتكوف وغيره لتأكيد ضرورة التزام حماس بتعهداتها، من المهم التذكير بأنّ حماس لم تُوقّع قط على خطة ترامب ذات النقاط العشرين".

"ما وافقت عليه حماس، استنادا إلى اتفاق عام 2024، هو وقف إطلاق نار شامل، وإطلاق سراح جميع الرهائن مقابل إطلاق سراح عدد متفق عليه من الأسرى الفلسطينيين، وإعادة رفات الشهداء، وذلك في إطار إنهاء الحصار المفروض على قطاع غزة وبدء إعادة إعمار القطاع تحت إشراف دولي".

وأوضحت حماس استعدادها لتسليم إدارة قطاع غزة إلى كوادر فلسطينية مستقلة.

وفي هذا الصدد، رحبت بتأسيس لجنة إدارة غزة وعقد اجتماعها الأول، واصفة إياه بأنه “تطور إيجابي هام”، كما تقبل حماس من حيث المبدأ وجود قوة حفظ سلام دولية محايدة في غزة.

مطالب غير واقعية

أما مسألة نزع السلاح، فهي رهن بالشروط المحيطة بها -بحسب تعبير المجلة- فقد عرضت حماس تجميد أسلحتها كجزء من الهدنة طويلة الأمد التي عرضتها على إسرائيل منذ زمن. 

واستدركت: “لكنها لن تسلم سلاحها بالكامل إلا لحكومة فلسطينية شرعية”.

وأكد التقرير أن "حماس لن تنزع سلاحها من جانب واحد في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وقتل الفلسطينيين، فمن غير الواقعي وغير المعقول توقع ذلك، لا سيما في ضوء المجازر التي شهدتها غزة خلال السنوات الثلاث الماضية".

وأشار إلى أن التكنوقراط في لجنة إدارة غزة يواجهون عوائق ضخمة، لعلّ من أبرزها اضطرار شعث الذي يقيم في الضفة الغربية، إلى المرور عبر الأردن للوصول إلى اجتماع القاهرة، حيث احتجزته السلطات الإسرائيلية لمدة ست ساعات عند معبر الكرامة.

وقد علّق مسؤول فلسطيني بأن هذا الحادث يُظهر نية إسرائيل تخريب عمل اللجنة.

وأشار دبلوماسي عربي إلى أن لجنة مؤلفة من 15 عضوا لا تستطيع إدارة قطاع غزة دون وجود عدد كبير من الموظفين المدنيين. إلا أن إسرائيل تمنع مشاركة أي شخص يتقاضى راتبا من حماس، بل ومن السلطة الفلسطينية أيضا.

وفي أول تصريحاته العلنية بعد تعيينه، تحدث شعث عن المهمة الشاقة المتمثلة في إزالة الأنقاض، والتي قد تستغرق ثلاث سنوات، بينما تستغرق إعادة الإعمار الشاملة حوالي سبع سنوات.

وقد يتفاقم الوضع أكثر، حيث تواصل إسرائيل إضافة مزيد من الركام، عبر هدم ممنهج للمباني في النصف الذي لا تزال تحتله من قطاع غزة.

وعلى هذا، ختمت المجلة قائلة: "لن يكون بمقدور خطة ترامب، ولا أي خطة سلام أخرى، أن تحقق لغزة ما يقترب من السلام أو الأمن أو الازدهار، طالما ظلت إسرائيل هي القوة المسيطرة على الأرض وماضية في معارضة أي مسار يشبه الحكم الذاتي للفلسطينيين".