كيان موازٍ للأمم المتحدة.. جدل ورفض دولي لتدشين "مجلس السلام"

شدوى الصلاح | منذ يوم واحد

12

طباعة

مشاركة

رغم تأكيدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال إطلاق ما يُسمّى بـ«مجلس السلام»، بأن المجلس سيعمل بالتنسيق مع الأمم المتحدة، فإن مؤشرات متزايدة تكشف أن هذا الكيان يُطرح عمليًا بوصفه بديلًا للمنظمة الدولية، لا إطارًا مكمّلًا لها.

وكان «مجلس السلام» قد قُدِّم في بداياته على أنه مبادرة تركّز على إنهاء الحرب في قطاع غزة، قبل أن تعلن واشنطن لاحقًا أنه قد يضطلع بدور أوسع في معالجة النزاعات العالمية، وهو ما أثار موجة واسعة من الانتقادات الدولية.

وفي هذا السياق، اتهم الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، في 23 يناير/كانون الثاني 2026، نظيره الأميركي بالسعي إلى أن يصبح «سيدًا لأمم متحدة جديدة» عبر إنشاء «مجلس السلام». مؤكدًا أنه أجرى اتصالات مع عدد من قادة العالم للدفاع عن منظمة الأمم المتحدة.

وقال دا سيلفا، في خطاب انتقد فيه المبادرة الأميركية: «بدلًا من إصلاح الأمم المتحدة، يقترح الرئيس ترامب إنشاء أمم متحدة جديدة يكون هو سيدها الوحيد»، محذرًا من صعود «الأحادية» و«قانون الأقوى» على حساب التعددية والنظام الدولي القائم.

وأعرب الرئيس البرازيلي عن أسفه لما وصفه بـ«تمزيق ميثاق الأمم المتحدة». مشيرًا إلى أنه أمضى «أسبوعًا كاملًا يتواصل مع دول العالم» في محاولة لإيجاد أرضية مشتركة للدفاع عن النظام متعدد الأطراف.

على الصعيد الأوروبي، انضمت إسبانيا إلى عدد من الدول، بينها إيطاليا وإيرلندا وفرنسا وبريطانيا، في رفض الانضمام إلى مبادرة «مجلس السلام». وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إن بلاده «تُقدّر الدعوة لكنها ترفضها»، موضحًا أن موقف مدريد يستند إلى التزامها بالقانون الدولي والأمم المتحدة والتعددية.

وأشار سانشيز أيضًا إلى أن «مجلس السلام لا يضم السلطة الفلسطينية»، في وقت انضمت فيه إسرائيل إلى المجلس بدعوة مباشرة من ترامب، ما زاد من حدة الانتقادات الموجهة للمبادرة.

ولوحظ غياب حلفاء الولايات المتحدة التقليديين إلى جانب جميع دول الاتحاد الأوروبي باستثناء المجر وبلغاريا، عن مراسم إطلاق «مجلس السلام» التي أُقيمت في المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية.

ومن جانبها، رأت منظمة العفو الدولية «أمنستي» أن الإعلان عن تأسيس ما يُسمّى «مجلس السلام العالمي» يكشف عن تجاهل صارخ للقانون الدولي وحقوق الإنسان. مؤكدة أن هذه الخطوة تمثل تصعيدًا خطيرًا في الهجوم على منظومة الأمم المتحدة ومؤسسات العدالة الدولية والمعايير العالمية.

وقالت المنظمة: إن المجلس الذي شُكِّل بتوجيه من ترامب ويضم حلفاء اختارهم بنفسه، يتعارض جوهريًا مع النظام القانوني الدولي، ويمثل «صفعة لعقود من الجهود الرامية لتعزيز الحوكمة العالمية وتحقيق قدر أكبر من المساواة بين الدول».

وشددت «أمنستي» على أنّ المرحلة الراهنة تتطلب صون القانون الدولي وتطبيقه، لا استبداله بترتيبات مرتجلة تحكمها المصالح السياسية والاقتصادية أو الطموحات الشخصية.

بدورها، حذّرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» من محاولات يقودها ترامب لاستبدال الأمم المتحدة بـ«مجلس السلام»، مشيرة إلى أن ميثاق المجلس لا يتضمن أي التزام واضح بحماية حقوق الإنسان، ومؤكدة أن العالم بحاجة إلى أمم متحدة أقوى، لا إلى كيان موازٍ يقوّض المنظومة الدولية القائمة.

استبدال وإزاحة

وفي السياق ذاته، رأى ناشطون ومحللون على منصات التواصل الاجتماعي أن «مجلس السلام» يسعى إلى انتزاع اختصاصات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويمثل انقلابًا على الشرعية الدولية، ومحاولة لإعادة هندسة النظام العالمي بما يخضع للهيمنة الأميركية المباشرة.

وانتقد هؤلاء فرض رسوم مالية ضخمة على الدول الراغبة في الانضمام إلى المجلس، مقدرين أنّ المبادرة تحوّل السلام إلى «مشروع تجاري» وأداة نفوذ سياسي، بدل كونه التزامًا قانونيًا وأخلاقيًا لحماية الشعوب ووقف النزاعات.

وفي تحليل بعنوان «مجلس السلام أم بداية تفكيك الأمم المتحدة؟»، تساءل الكاتب وائل فايز أبو الحسن عمّا إذا كان المجلس يشكّل خطوة أولى لإحلاله تدريجيًا محل مجلس الأمن، ثم تحويله لاحقًا إلى بديل كامل عن الأمم المتحدة. مقدرا أن ذلك ينسجم مع انسحاب الولايات المتحدة من عشرات الهيئات الأممية والحملة المتواصلة على المنظمة الدولية منذ حرب غزة.

وأكَّد الباحث والمحلل السياسي محمد حامد العيلة أن الولايات المتحدة تهدف، من خلال إنشاء «مجلس السلام»، إلى إزاحة الأمم المتحدة تدريجيًا واستبدالها بآلية أكثر مرونة، لكنها في الوقت ذاته أشد خضوعًا للهيمنة الأميركية المباشرة، وهو ما يتعارض جوهريًا مع قواعد النظام الدولي القائم.

وأوضح العيلة أن غزة، في الحسابات الأميركية، لا تُعد هدفًا نهائيًا بحد ذاتها، بل تُستخدم كنموذج اختبار؛ فإذا نجحت التجربة هناك، يمكن تعميم النموذج على نزاعات أخرى، مثل أوكرانيا، إلى أن يتحول «مجلس السلام» إلى كيان يؤدي وظائف شبيهة بمجلس الأمن الدولي.

وأشار إلى أن مجلس الأمن يقوم على مبدأ تقاسم القرار بين خمس قوى كبرى، وهو ما يفرض قيودًا متبادلة على الهيمنة، في حين يشير المجلس الجديد إلى رئاسة أميركية مطلقة، تُختزل فيها بقية الدول إلى أعضاء شكليين يدورون في فلك النفوذ الأميركي، من دون قدرة حقيقية على الاعتراض أو التعطيل.

من جانبه، قال أحمد مرتجي: إن مشروع «مجلس السلام» يمثل محاولة واضحة لإقصاء الأمم المتحدة وتحويل السلام من التزام قانوني دولي إلى أداة سياسية بيد الطرف الأقوى. مؤكدًا أن مثل هذا «السلام» لا يحمي الشعوب ولا يوقف الجرائم.

بدوره، رأى الصحفي عادل المصري أن «مجلس السلام» المطروح لا يشكّل مسارًا حقيقيًا لتحقيق السلام، بل هو التفاف سياسي على الأمم المتحدة ومحاولة لفرض قواعد جديدة خارج إطار الشرعية الدولية.

رسوم عضوية

وفي سياق متصل، ندَّد صحفيون وكتّاب وإعلاميون بتحديد تعريفة مالية للانضمام إلى «مجلس السلام» العالمي المزمع إنشاؤه، والمقدرة بمليار دولار، تفرضها الولايات المتحدة على الدول الراغبة في الانضمام، عادّين ذلك تكريسًا لمنطق الابتزاز السياسي والاقتصادي، ومستنكِرين هرولة بعض الدول للالتحاق بهذا النظام العالمي الجديد.

بزنس ترامب

ووصف قانونيون وخبراء «مجلس السلام» بتوصيفات متعددة، من بينها عدّه «مشروعًا تجاريًا» أو «شركة ترامب لإحياء الاستعمار وتنمية سرقة ثروات الشعوب»، في إشارة إلى تبعية المجلس المباشرة للرئيس الأميركي، والسخرية من المبالغ المفروضة مقابل كل مقعد فيه وفق مشروع الميثاق المعلن.

وأكد منتقدو المشروع أن المجلس يحوّل السلام إلى «بزنس سياسي» تُؤجَّر فيه المقاعد، وتُجبى الأموال، ويُمارَس النفوذ خارج إطار الأمم المتحدة، ويرون أنه لا يحمل أي مضمون حقيقي لحماية الشعوب أو وقف النزاعات.

في المقابل، أشاد ناشطون بمواقف الدول التي رفضت دعوة الرئيس الأميركي للانضمام إلى «مجلس السلام»، مثمنين إعلانها الصريح عدم شرعية المجلس، واستنكارها غياب التمثيل الفلسطيني، والتأكيد على أن المبادرة تكرّس الاحتلال من خلال دعوة إسرائيل للانضمام إليها.

كما أعرب هؤلاء عن استيائهم من انصياع بعض الدول العربية والإسلامية وقبولها الانضمام إلى المجلس، عادّين ذلك تخليًا عن مبادئ الشرعية الدولية وتجاهلًا لحقوق الشعب الفلسطيني.

وأشاد ناشطون بموقف الدول الرافضة لدعوة الرئيس الأميركي إلى مجلس السلام، مثنين على إعلانهم بصراحة عدم شرعية المجلس واستنكارهم لعدم دعوة الفلسطينيين إليه والتأكيد أنه يكرس الاحتلال بدعوة الكيان للانضمام له. واستهجنوا انصياع وخضوع دول عربية وإسلامية وقبولها الانضمام.

وأكد منتقدو المشروع أن المجلس يحوّل السلام إلى «بزنس سياسي» تُؤجَّر فيه المقاعد، وتُجبى الأموال، ويُمارَس النفوذ خارج إطار الأمم المتحدة، معتبرين أنه لا يحمل أي مضمون حقيقي لحماية الشعوب أو وقف النزاعات.

تكريس الاحتلال

في المقابل، أشاد ناشطون بمواقف الدول التي رفضت دعوة الرئيس الأميركي للانضمام إلى «مجلس السلام»، مثمنين إعلانها الصريح عدم شرعية المجلس، واستنكارها غياب التمثيل الفلسطيني، والتأكيد على أن المبادرة تكرّس الاحتلال من خلال دعوة إسرائيل للانضمام إليها.

كما أعرب هؤلاء عن استيائهم من انصياع بعض الدول العربية والإسلامية وقبولها الانضمام إلى المجلس، عادّين ذلك تخليًا عن مبادئ الشرعية الدولية وتجاهلًا لحقوق الشعب الفلسطيني.