التوترات السياسية بين العقوبات والحروب.. أي مستقبل لتجارة الصين وإسرائيل؟

منذ ٦ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تطرح القرارات الأخيرة لكل من الصين وإسرائيل تحديات أمام تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الطرفين؛ فالصين تتجاهل العقوبات المفروضة على إيران بعد إعادة تفعيل عقوبات الأمم المتحدة، وتعمل على توسيع تعاونها الاقتصادي مع طهران، بما في ذلك توفير مواد تُستخدم في إنتاج الوقود الصلب للصواريخ الباليستية بعيدة المدى. 

وفي الوقت نفسه، أيّدت إسرائيل، ولأول مرة، قرارات أميركية بشأن الصين.

وفي سياق موازٍ، لم تستخدم الصين خاصية النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي اعتمد ما يسمى "خطة السلام" التي تقودها الولايات المتحدة لغزة عقب وقف إبادة القطاع.

وقد أسهم هذا القرار في إنهاء محاولات الحوثيين تعطيل الملاحة في مضيق باب المندب، ما يُرجّح أن يؤدي إلى زيادة ملحوظة في حركة الشحن عبر البحر الأحمر وقناة السويس، بما في ذلك باتجاه إسرائيل.

تأثير إيران

ووفق معهد "القدس للإستراتيجية والأمن" (JISS)، فإن هذه التطورات، إلى جانب آثار مباشرة وغير مباشرة أخرى لانتهاء الحرب، قد تنعكس إيجابا على التجارة والتعاون الاقتصادي بين الصين وإسرائيل، بعد فترة من التوتر.

لكن مع الأخذ في الحسبان أيضا هشاشة وقف إطلاق النار، وعدم وضوح مستقبل العلاقات الصينية–الأميركية وتأثيرها المحتمل في مسار التعاون بين الجانبين.

وجاء في التقرير الذي كتبه الباحث وانغ شوانغ تشنغ، أن موقف الصين من مسألة العقوبات المفروضة على إيران لا يقتصر على "عدم التعليق" أو "تجنّب الخوض في القضية".

بل هو خيار إستراتيجي اتُخذ بعد دراسة متأنية لمصالحها الجوهرية، ولمفهوم الدبلوماسية المستقلة، ولمصلحتها طويلة الأمد في ترسيخ السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

وتُعدّ بكين أحد أهم الشركاء التجاريين لطهران، ورغم العقوبات، استمر التبادل التجاري بين البلدين؛ حيث تستورد الصين كميات كبيرة من النفط الخام من إيران، مما يُخفف من أثر العقوبات على الاقتصاد الإيراني. 

إضافة إلى ذلك، تستثمر الصين بشكل كبير في قطاعي البنية التحتية والطاقة في إيران.

وأشار المعهد إلى أنه "مع استئناف الأمم المتحدة للعقوبات المفروضة على إيران، من المرجح أن يتعمق اعتماد إيران على الصين".

ومع ذلك، فإنه يشير أيضا إلى أنه إذا دعمت الصين العقوبات علنا، فقد تُقوّض أمن الطاقة لديها مؤقتا، حيث تستورد الصين 11 بالمئة من إجمالي نفطها من إيران، وهو رقم كبير.

موازنة العلاقات

وفي الوقت نفسه، يُعتقد أن إيران، رغم معارضتها الشديدة للولايات المتحدة، تتوقع قبول الغرب لها، لكن الصين "تَحذر من حلفاء ذوي وجهين كهؤلاء". بحسب تعبير المعهد.

ويرى أن "العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين الصين وإيران ربما تؤثر بشكل غير مباشر على التجارة بين إسرائيل والصين".

فمن جهة، قد تُعطي الصين الأولوية للتعاون مع إيران في إستراتيجيتها الاقتصادية بالشرق الأوسط، مما قد يجعل إسرائيل مترددة في التعاون مع بكين.

ومن جهة أخرى، قد تدفع المصالح الاقتصادية الصينية في إيران إلى لعب دور أكثر أهمية في الشؤون السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط، وهو ما قد يُؤثر إيجابا على البيئة الجيوسياسية لإسرائيل. بحسب التقرير.

علاوة على هذا، قد تُشكّل العقوبات الأميركية المفروضة على إيران وسياساتها التجارية تجاه الصين تحديا لإسرائيل، التي تربطها علاقات تحالف وثيقة مع الولايات المتحدة، فضلا عن علاقات اقتصادية هامة مع الصين.

لذا، تحتاج إسرائيل -وفق المعهد- إلى موازنة علاقاتها مع بكين وواشنطن لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.

علاوة على ذلك، تشهد الحالة الجيوسياسية في الشرق الأوسط تغيرات، حيث تسعى دول المنطقة إلى مزيد من الاستقلالية. 

ومن الناحية الإستراتيجية، قد ترى الصين أن الحفاظ على موقف محايد نسبيا يُحقق مصالحها على المدى البعيد، لا سيما بصفتها "طرفا ثالثا بنّاء" في شؤون الشرق الأوسط.

آثار الإبادة

وأكد المعهد أن “حرب غزة كان لها بعض الآثار السلبية على بعض وسائل الإعلام الصينية، مما أدى إلى تحولات طفيفة في النهج الدبلوماسي والسياسي للجهات الحكومية الصينية المعنية تجاه إسرائيل، وهو ما قد يترك آثارا غير واضحة المعالم على التبادل التجاري بينهما”.

ومن منظور اقتصادي، شهدت المفاوضات الجمركية بين الصين والولايات المتحدة، التي عُقدت في ماليزيا في ظل ظروف استثنائية، تنازلات غير متوقعة من الجانب الصيني عن عدد من المبادئ، بما لبّى توقعات الجانب الأميركي.

وقد عدّ الطرفان نتائج المفاوضات مُرضية، وفق تقرير المعهد. 

ويُرجَّح أن يسهم ذلك في تعزيز فرص التعاون الاقتصادي بين الصين وإسرائيل في مجالات متعددة، مثل التكنولوجيا والخدمات والزراعة وصادرات الطاقة الخضراء إلى الصين، بما يساعد الشركات الإسرائيلية على توسيع أسواقها وتعزيز قدرتها التنافسية.

وقال المعهد: إن وقف الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة "يسهم في تخفيف حدة التوترات في الشرق الأوسط، ويوفر بيئة خارجية أكثر استقرارا للتنمية الاقتصادية”.

وأضاف “في ظل هذا المناخ، تصبح إسرائيل أكثر قدرة على التركيز على تعزيز التعاون التجاري مع الصين، مع تقليص الاضطرابات التجارية ومخاطر عدم اليقين التي تفرضها الصراعات الإقليمية”.

واستدرك المعهد بأنه "لا يزال التأثير المحتمل للعوامل السياسية مصدر قلق، فرغم وقف إطلاق النار في غزة، لا يزال الوضع السياسي في الشرق الأوسط غير مستقر".

وتابع: "قد تؤثر الديناميكيات السياسية الداخلية في إسرائيل وعلاقاتها مع الدول المجاورة على استقرار العلاقات التجارية بين الصين وإسرائيل".

"كما أن التعديلات السياسية التي تُجريها قوى كبرى كالولايات المتحدة في المنطقة قد يكون لها تأثير غير مباشر على التجارة بين البلدين". بحسب المعهد.

ويُشكل الضغط على تعديل هيكل التجارة تحديا آخر، فمع تعافي الاقتصاد الإقليمي بعد وقف إبادة غزة، قد يتغير هيكل الطلب في السوق الإسرائيلية.

ويتعين على الصين -وفق التقرير- تعديل هيكل صادراتها على وجه السرعة بناء على متطلبات السوق الإسرائيلية الجديدة، وتحسين جودة المنتجات ومحتواها التكنولوجي لتلبية هذه المتطلبات بشكل أفضل، ويُمثل هذا التعديل تحديا للشركات الصينية.

كما أن استمرارية واستقرار اتفاق وقف إطلاق النار في غزة غير مؤكد، فإذا لم يُنفذ الاتفاق بفعالية، وتجدد العدوان، فسيكون لذلك تأثير على التجارة بين الصين وإسرائيل، ويتعين على الشركات الاستعداد لمواجهة هذه المخاطر، بحسب توصية المعهد.