بتهم القتل والإخفاء قسرا وجرائم الانقلاب الدموي.. غضب واسع يلاحق السيسي

شدوى الصلاح | منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

كعادته السنوية منذ انقلابه العسكري على الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي، ورفضه المسار الديمقراطي، زعم رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي أن جماعة الإخوان المسلمين تتحمل مسؤولية أحداث عام 2013، في محاولة متجددة للتنصل من مسؤوليته المباشرة عن دماء المصريين.

وقال السيسي، في كلمته السبت بمناسبة عيد الشرطة: إن الإخوان هم من بدأوا أعمال العنف، متسائلًا: "مين ضرب؟ مين ولّع؟"، وأضاف: "لو سكتوا وقالوا نعمل انتخابات، كنا عملنا انتخابات، وينزل فيها الله يرحمه الرئيس مرسي، ولو انتو عاوزينه تاني خلاص، ولو ما نجحش يبقى خلاص، لكن ربنا يكفيكوا شر أعمى البصيرة".

وادعى السيسي أنه لم يستهدف دماء أحد منذ أن كان وزيرًا للدفاع، داعيًا المصريين إلى العودة لقراءة بيان 3 يوليو/تموز 2013، زاعمًا أنه كان بيانًا يتسم بـ"اللطف" ومحاولة التوافق والإصلاح، ومؤكدًا أنه منح فرصة جديدة لدورة انتخابية جديدة.

وأضاف رئيس النظام المصري أن ما جرى في سيناء والقاهرة وبقية المحافظات بدأ –على حد قوله– من جانب الإخوان، متسائلًا مجددًا عن الطرف الذي أطلق النار، مشيرًا إلى أن الدولة "تسع الجميع"، وأنه لم يكن بصدد اتخاذ أي إجراءات قمعية.

وتابع السيسي: "لو كانت الناس سكتت وطالبت بانتخابات –كما كان مقررًا– لكنا أجرينا انتخابات يشارك فيها الرئيس مرسي رحمه الله"، ويرى أن العودة إلى الشعب عند الخلاف هو ما نص عليه بيان 3 يوليو، ومؤكدًا أنه لم يتم القبض على أحد حتى قبل صدور البيان بساعة.

وفي سياق آخر من كلمته، قال السيسي: إن ما تقوم به الشرطة والجيش هو لحماية الدولة والشعب لا النظام، مؤكدًا أن الإجراءات المتخذة لا تهدف لحماية شخص، بل لحماية الدولة من المخاطر والتهديدات التي واجهتها خلال السنوات الماضية، والتي –وفق تعبيره– لم تنتهِ بعد.

وأضاف أن الشباب المشاركين في عرض الاصطفاف يمثلون كل بيت في مصر، وأن وجودهم يأتي من أجل أمن البلاد واستقرارها، واصفًا جهاز الشرطة بأنه يضم أبناء وبنات الشعب المصري، ومؤكدًا أنهم ليسوا مليشيات أو جماعات خارج القانون، بل أبناء مؤسسة وطنية رسمية، داعيًا إلى الحفاظ على الثقة المتبادلة بين مؤسسات الدولة والشعب.

وصبّ ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي جام غضبهم على السيسي، مستنكرين محاولاته المستمرة تحميل الإخوان المسلمين مسؤولية ما آلت إليه أوضاع البلاد، وإصراره المتكرر على غسل يديه من دماء المصريين.

وأكد ناشطون، عبر منصات "إكس" و"فيسبوك"، ومن خلال وسوم عدة أبرزها: #السيسي_عدو_الله، #عزل_السيسي_ومحاكمته، #ارحل_يا_سيسي، أن كثرة تبريرات السيسي وتكرار إنكاره لمسؤوليته عن الجرائم المرتكبة، سواء في المؤتمرات أو الاحتفالات أو عبر الإعلام، تمثل دليل إدانة إضافيًا بحقه.

وذكّر ناشطون السيسي بأوامره بقتل المصريين في رابعة العدوية والنهضة وسموحة ومسجدي القائد إبراهيم والفتح، وبقتل المعذبين في السجون، وتصفية المعارضين، ومن بينهم مصطفى النجار، الذي أعلن إعلام موالٍ للنظام تصفيته، فضلًا عن جرائم أخرى لا تزال حاضرة في الذاكرة المصرية. 

جرائم السيسي

واجه صحفيون وكتاب وناشطون مصريون الرئيس عبد الفتاح السيسي بسجلٍ واسع من الجرائم والانتهاكات، شمل تصفية المعارضين في الميادين، والقتل الجماعي الذي رافق تمرير الانقلاب العسكري، إضافة إلى الإعدامات داخل السجون، وأحكام الإعدام الصادرة عن محاكم وُصفت بأنها مسيّسة. وعدّد هؤلاء ما ارتُكب منذ الإطاحة بالرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي.

وسخر الصحفي قطب العربي من تصريحات السيسي التي نفى فيها مسؤوليته عن القتل، متسائلًا:
“ماذا عن أحكام الإعدام التي صدرت دون أدلة ضد معارضيك؟ وماذا عن تصفية مواطنين أبرياء دون جرم، مثل المتهمين في قضية مقتل ريجيني وغيرهم؟”

من جانبه، أكد الصحفي علي بكري أن السيسي هو من أعطى أوامر إطلاق النار على المتظاهرين الرافضين للانقلاب، وهو من “أشعل البلاد، وحرق جثث الناس، وفتح المعتقلات، واعتقل الآلاف، وأخفى المئات قسريًا، وأضاع أحلام المصريين، وضيّق عليهم حق العيش بحرية وكرامة في وطنهم”.

وخاطب بكري السيسي قائلًا إن من ضيّق البلاد حتى لم تعد تتسع إلا للفاسدين والبلطجية هو شخصه، مضيفًا أن محاولاته المتكررة لغسل يديه من الدماء لن تُغيّر من حقيقته بوصفه مسؤولًا عن القتل، ومؤكدًا أن هذه الحقيقة ستظل تلاحقه مهما حاول الهروب منها.

بدوره، استنكر الناشط صلاح الدين ادعاء السيسي أنه لم يقتل أحدًا، معتبرًا أنه مسؤول عن وفاة الرئيس محمد مرسي، ونجله عبد الله، وسجن ابنه الآخر، بينما اضطر الثالث إلى الهرب. واتهمه بسجن نحو 120 ألف مصري، وقتل الآلاف، وتهجير الملايين، في حصيلة وصفها بأنها “ثلاثة عشر عامًا من الخراب”.

أسير الماضي

وأعرب ناشطون عن غضبهم من إصرار السيسي، بعد مرور 13 عامًا على الانقلاب، على استحضار أحداثه في كل مناسبة، ومواصلة تحميل جماعة الإخوان المسلمين مسؤولية الأزمات، في محاولة دائمة للتنصل من الانقلاب ذاته ومن دماء المصريين التي سُفكت لتمريره.

وأشاروا إلى أنه، بدل الحديث عن ثورة يناير التي أطاحت بحسني مبارك، يواصل السيسي الحديث عن انقلابه، مبررًا، ومقسمًا على براءته، في وقت يعجز فيه عن النسيان أو التعايش مع الماضي.

كما استنكروا تجاهله المتعمد للأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تثقل كاهل المواطنين، من ضرائب ورسوم وجمارك باهظة، وغلاء معيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وغيرها من الأزمات اليومية التي يعاني منها المصريون.

لغة الجسد

وبالتوازي مع السجال السياسي، برزت على منصات التواصل الاجتماعي تحليلات نفسية لشخصية السيسي، تناولت أسلوبه في الخطاب، ولغة جسده، وحالة التوتر الظاهرة عليه، إلى جانب تفكيك تلميحاته المتكررة عن طفولته، ومحاولات تفسير ما وراء إنكاره الدائم لأي اتهام.

ورأى بعض المعلقين أن نفيه المتكرر لاتهامات لم تُطرح عليه أصلًا يعكس، وفق علم النفس، أحداثًا عالقة في لاوعيه تركت أثرًا عميقًا في شخصيته وسلوكه السياسي.

لغز مصطفى النجار!

وبينما يحاول السيسي غسل يديه من دماء المصريين، عادت إلى الواجهة قضية السياسي والنائب البرلماني السابق مصطفى النجار، أحد رموز ثورة يناير، المختفي قسريًا منذ نهاية عام 2018، وذلك عقب إعلان الصحفي المقرب من النظام محمد الباز مقتل النجار على الحدود المصرية السودانية أثناء محاولته الهروب.

ومصطفى النجار طبيب أسنان وناشط سياسي، وأحد الوجوه البارزة التي ظهرت بعد ثورة 25 يناير، حيث فاز بعضوية مجلس الشعب في انتخابات عام 2012 عن دائرة مدينة نصر، ضمن أول برلمان منتخب بعد الثورة، قبل أن يُحل المجلس بقرار من المحكمة الدستورية العليا في يونيو من العام نفسه.

وفي عام 2015، ترشح النجار لانتخابات مجلس النواب دون أن ينجح، وفي 28 سبتمبر/أيلول 2018 اختفى في ظروف غامضة، قبيل تنفيذ حكم قضائي صادر بحقه في قضية تتعلق بـ"إهانة القضاء".

ومنذ ذلك الحين، لا يزال مصيره مجهولًا، وسط مطالبات حقوقية متواصلة بالكشف عن مكان احتجازه وتحميل السلطات المصرية المسؤولية القانونية الكاملة عن سلامته. وقد تقدمت أسرته على مدار السنوات الماضية بعدة بلاغات رسمية إلى النائب العام ووزارة الداخلية، دون تلقي أي معلومات رسمية عن مصيره.

وأثار محمد الباز جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والحقوقية بعد إعلانه أن النجار قُتل على الحدود المصرية السودانية أثناء محاولته مغادرة البلاد، قبل أن يتراجع عن روايته ويزعم أنه قُتل على يد عصابات تهريب، في محاولة واضحة لنفي مسؤولية الدولة عن الواقعة.

من جانبها، طالبت أسرة مصطفى النجار، على لسان شقيقته إيمان النجار، بفتح تحقيق عاجل في تصريحات الباز، والكشف عن مصدر معلوماته، مؤكدة أن الدولة المصرية أعلنت رسميًا، على مدار السنوات الماضية، عدم معرفتها بمصير النجار.

وقالت إيمان النجار، في بيان نشرته عبر حسابها على فيسبوك، إن ما طرحه الباز يتعارض مع روايات إعلامية سابقة لوسائل إعلام مقربة من السلطة تحدثت عن إلقاء القبض على مصطفى النجار في محافظة أسوان، مؤكدة أن تداول روايات غير موثقة يزيد من معاناة الأسرة ويعمّق الغموض بدلًا من كشف الحقيقة.

وطالبت الأسرة النائب العام بإصدار بيان رسمي واضح بشأن مصير النائب السابق، مشددة على أنه لا توجد أي مستندات رسمية أو محاضر أو تقارير طبية أو جثمان يثبت صحة الادعاءات المتداولة، مؤكدة أن مصطفى النجار لا يزال مختفيًا قسريًا، وأن الدولة تتحمل المسؤولية القانونية الكاملة عن سلامته.

كما نفت الأسرة ما ورد في تصريحات الباز بشأن حصول حزب "العدل"، الذي كان النجار أحد مؤسسيه، على أموال من المجلس العسكري، مؤكدة أن النجار قدم إقرار ذمة مالية رسميًا عند دخوله البرلمان، وكان يعيش حياة مادية عادية كطبيب أسنان شاب.

وتساءل صحفيون وكتاب عن أسباب صمت النظام المصري لسنوات طويلة إذا كان يمتلك –كما يُزعم الآن– معلومات مؤكدة عن مقتل النائب السابق مصطفى النجار، ولماذا جرى الحديث عن الأمر في هذا التوقيت تحديدًا.

واستنكروا تجاهل النيابة العامة والقضاء التحقيق في قضية اختفاء النجار طوال أكثر من ثماني سنوات، عادين ذلك تواطؤًا وصمتًا مريبًا تجاه جريمة اختفاء قسري بحق مواطن ونائب برلماني سابق.

وحملت أحزاب معارضة وناشطون أجهزة الدولة المسؤولية الكاملة عن تصفية مصطفى النجار، وعدوا الإعلان عن مقتله عبر أحد الأصوات الإعلامية الموالية للنظام، ودون تسليم جثمانه، إمعانًا في الإهانة والاستخفاف بحقوق أسرته وبسيادة القانون.

وأكدوا أن الإعلان يمثل اعترافًا غير مباشر بجريمة قتل خارج إطار القانون، بعد سنوات من الإنكار والمراوغة.

مطالبات بالتحقيق

وطالب قانونيون وحقوقيون بفتح تحقيق فوري مع الصحفي محمد الباز بشأن تصريحاته حول مقتل مصطفى النجار، للكشف عن مصدر معلوماته، وما إذا كانت صادرة عن وزارة الداخلية أو أي جهة رسمية أخرى، والتحقيق مع جميع من يثبت تورطهم في تداول أو تسريب هذه الروايات.

كما دعوا النيابة العامة إلى التحرك العاجل، وتسليم جثمان النجار إلى أسرته في حال ثبوت مقتله، وتقديم أدلة موثقة على ما جرى، مؤكدين قناعتهم بأن النجار قُتل خارج إطار القانون.

وشددوا على أن قضية مصطفى النجار لم تعد مجرد ملف سياسي، بل جرح إنساني مفتوح في الوجدان المصري، ورمز لملف الاختفاء القسري الذي لا يزال يطارد النظام، ويطرح أسئلة كبرى عن العدالة، والمسؤولية، والمحاسبة.