فيروس غامض يفتك بأهالي قطاع غزة.. لماذا يعجز الأطباء عن تشخيصه؟

حسن عبود | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

ترقد سالي أحمد، البالغة من العمر 30 عامًا، على فراش مهترئ داخل خيمتها الواقعة غرب مدينة غزة، منذ أكثر من أسبوع، منهكةً بسبب ارتفاع درجات الحرارة التي أفقدتها القدرة على التحرك. 

تعيش سالي مع طفليها في خيمة مزدحمة تتسرب إليها مياه الأمطار، وتلفها الرياح الباردة خلال ليالي "الأربعينية" – وهي فترة أربعين يومًا تُعد ذروة فصل الشتاء في غزة، تشتهر ببرودتها القارسة، وتنتهي مع مطلع فبراير/شباط من كل عام.

تلك الظروف القاسية تزيد من معاناة العائلات الفلسطينية التي تجد نفسها محاصرة بين برودة الشتاء وقسوة الواقع، وسط نقص في الاحتياجات الأساسية، مما يجعل من البقاء على قيد الحياة تحديًا يوميًا.

مرض منتشر

تحكي سالي لـ"الاستقلال" عن إصابتها فجأة بحمى شديدة وصداع حاد، تطور لاحقًا إلى سعال وصعوبة في التنفس. وبسبب ندرة الأدوية واقتصار العلاج على خافضات الحرارة فقط، تدهورت حالتها تدريجيًا.

زوجها حسن يقف عاجزًا، يحاول تخفيف حمى زوجته بكمادات ماء بارد، ويبحث عن مضادات حيوية أو رعاية طبية متقدمة دون جدوى، وسط نقص حاد في المستلزمات الطبية وانهيار المنظومة الصحية إثر سنتين من العدوان الإسرائيلي.

كان الأطباء يوصون فقط بالعزل وتخفيف الأعراض؛ إذ لم يتمكن أحد حتى الآن من تشخيص المرض الذي يفتك بسالي.

في مدرسة مجاورة تحولت إلى مركز إيواء للنازحين، يكابد أسامة خليل (41 عامًا) آلامًا مشابهة. لم يكن يعاني من أي أمراض مزمنة، لكنه بعد أيام من أعراض إنفلونزا بسيطة، تحول إلى جسد منهك.

يروي لـ"الاستقلال" أن المرض بدأ بارتفاع في الحرارة وألم مفاصل شديد، ثم تقيؤ وضيق تنفس حاد استمر 10 أيام تصاعد خلالها المرض تدريجيًا.

أسامة الذي نجا مع أسرته من حرب مدمرة شهدت تدمير منزلهم شمال غزة، يقول: "نجونا من القتل بالصواريخ، لكن التهديد اليوم يأتي على هيئة عدوى قاتلة سريعة الانتشار".

ويضيف: "هذه الإنفلونزا المجهولة تضرب غزة، منتشرة بسبب التلوث، وغياب الأدوية، وتدهور صحة الأهالي جراء نقص الغذاء الصحي".

ويتزامن تفشي الأمراض في غزة مع تدهور الوضع الإنساني الأوسع؛ فقد وجد أكثر من 1.5 مليون فلسطيني أنفسهم مشردين في مراكز إيواء مكتظة وخيام تفتقر لأبسط مقومات الصحة العامة، بعد بدء وقف إطلاق النار الهش في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

كما يعاني أكثر من 77% من سكان غزة من انعدام حاد في الأمن الغذائي بسبب الحصار والحرب، ما أدى إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية والمجاعة، وانهيار المناعة لدى فئات واسعة، خصوصًا الأطفال والمسنين. بحسب الأمم المتحدة.

ويشير خبراء الصحة إلى أن أجساد السكان المنهكة من الجوع أصبحت عاجزة عن مقاومة العدوى كما في الظروف الطبيعية، مما يزيد من خطورة تفشي الأمراض.

فيروس مجهول

بعد أسابيع من تفشّي هذه الحالات المرضية، بدأ المسؤولون الطبيون في غزة يطلقون تحذيرات جدّية من انتشار فيروس غامض لم تُحدد ماهيته بدقة حتى الآن، تسبب في تسجيل وفيات شبه يومية خلال الأسابيع الأخيرة.

وأكد الدكتور محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي في غزة، تفشي هذا الفيروس الذي يصاحبه أعراض تنفسية حادة تستمر لنحو أسبوعين، تشمل ارتفاعا شديدا في الحرارة، وصداعا حادا، وآلاما حادة في المفاصل مع تقيؤ، قبل أن تتطور الحالة سريعاً إلى التهاب رئوي قاتل لدى كثير من المصابين.

وخلال تصريحات أدلى بها في يناير/كانون الثاني 2026، أوضح أبو سلمية أن خطورة الوضع لا تكمن فقط في غموض نوعية الفيروس، بل في شراسته غير المألوفة؛ إذ لم تعد الوفيات محصورة في الفئات الهشة كالرضع وكبار السن، بل شملت أيضا شبانا أصحاء لم يكن لديهم أي أمراض سابقة.

هذه السمة المثيرة للقلق دفعت الأطباء لوصف الفيروس بـ"الخطير والقادر على القتل"، بعدما أودى بحياة مرضى ذوي مناعة ضعيفة وقوية على حد سواء.

وأشار أبو سلمية إلى أن القطاع الصحي يعاني نقصا حادا في أبسط المقومات المخبرية اللازمة لتشخيص الفيروس بدقة، ما يجعل التكهنات هي السبيل الوحيد للأطباء لتحديد ماهيته.

يرجّح بعض الخبراء أن يكون الفيروس المتفشي سلالة متحورة من الإنفلونزا، أو ربما متحورا جديدا من فيروس كورونا ظهر أخيرا، ولكن هذه الاحتمالات لم تؤكدها أي فحوصات مخبرية حتى الآن، وهي مستندة فقط إلى التشابه في الأعراض مع أمراض فيروسية معروفة.

زاد من حالة الهلع التي يعيشها السكان إعلان أبو سلمية أن الفيروس "يفتك بالسكان" ويحصد أرواحهم يوميا. مشيراً إلى أنه "لا يكاد يخلو بيت في غزة من مصاب بهذا المرض سريع الانتشار".

وحذر من أن المجاعة وسوء التغذية قد أضعفا جهاز المناعة لدى أهالي غزة بشكل خطير، ما يفتح الباب أمام مضاعفات خطيرة ووفيات حتى بين مرضى الأمراض المزمنة الذين كانوا في السابق في حالة مستقرة.

وبجانب الجوع، تلعب عوامل بيئية وصحية خطيرة دورها في تفاقم الأزمة، حيث أدى تلوث المياه وسوء الصرف الصحي في مخيمات النازحين إلى انتشار أمراض معوية وتنفسية على حد سواء.

وكشفت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن البرد القارس والعواصف زادت من معاناة الأهالي الصحية؛ حيث لقي ما لا يقل عن عشرة أطفال حتفهم هذا الشتاء بسبب شدة البرد، ونقص وسائل التدفئة المناسبة، بالإضافة إلى انعدام المساكن الآمنة.

وأكد المفوض العام لـ"أونروا"، فيليب لازاريني، أن ظروف المياه والصرف الصحي السيئة داخل مراكز الإيواء المكتظة، إلى جانب انهيار النظام الصحي، تشكل "بيئة خصبة" لانتشار الأمراض بين السكان.

تحت الضغط

تأتي هذه الأزمة الصحية غير المسبوقة في ظل انهيار شامل للنظام الصحي في قطاع غزة، بعد عامين من الحرب التي استهدفت المستشفيات والمؤسسات الطبية بشكل مباشر.

فقد دُمّر أو تضرّر حوالي 90% من البنى التحتية الصحية بفعل القصف الإسرائيلي، مما أدى إلى خروج عدد كبير من المستشفيات والعيادات عن الخدمة أو تقليص قدرتها التشغيلية. حسب المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة.

ووفقاً لتقرير حديث للأمم المتحدة، لم يعد النظام الصحي قادراً على توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وذلك بعد مرور أكثر من مئة يوم على بدء سريان وقف إطلاق النار.

وتعاني مستشفيات غزة حالياً من ضغط يفوق قدرتها الاستيعابية، نتيجة تدفق أعداد هائلة من المرضى يومياً خلال الأسابيع الأخيرة.

وأوضح الدكتور محمد أبو سلمية أن حالات الدخول الطارئة ارتفعت بنحو 200% مقارنة بالمعدلات السابقة. مشيرا إلى أن نسبة إشغال أسرّة المستشفيات تجاوزت 150% وبلغت أحياناً 200%، في ظل الأعداد المتزايدة من المصابين الذين يحتاجون إلى رعاية طبية عاجلة.

من جانبه، أكد الدكتور معتز حرارة، رئيس قسم الاستقبال والطوارئ في مستشفى الشفاء، أن القسم يستقبل يومياً أكثر من 500 مريض خلال الأسبوعين الماضيين، بينهم نحو 200 حالة تعاني أمراضاً تنفسية حادة.

وفي محاولة للتعامل مع هذه الموجة المتصاعدة من المرضى، تم إعادة توظيف بعض المستشفيات المتخصصة لعلاج حالات التنفس والهضم، ومنها إعادة افتتاح مستشفى الرنتيسي للأطفال شمال غزة، رغم الأضرار التي لحقت به، لاستقبال مرضى الجهاز التنفسي بعد تدمير معظم المرافق المتخصصة الأخرى.

ورغم هذه الجهود، يعترف الأطباء بأن العديد من المرضى لا يجدون أسرة أو أماكن مناسبة للعلاج، ما يضطر بعضهم لتلقي الرعاية على أرضيات الممرات المزدحمة، في ظل النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وانقطاع الإمدادات.

تشير بيانات وزارة الصحة في غزة إلى أن أكثر من 55% من الأدوية الأساسية غير متوفرة في المخازن، فضلاً عن نفاد حوالي 71% من المستلزمات الطبية الضرورية للرعاية اليومية.

كما أن الأدوية الحيوية مثل المضادات الحيوية، وأدوية الأمراض المزمنة كارتفاع الضغط والسكري وأمراض القلب، بالإضافة إلى أدوية السرطان وغسيل الكلى وبعض المسكنات الأساسية، شحيحة أو منعدمة في معظم المستشفيات.

وتؤكد الطواقم الطبية أن العلاجات المتوفرة لديهم تقتصر على الرعاية الداعمة الأولية فقط، مثل الأكسجين وخافضات الحرارة، في ظل غياب الأدوية النوعية ووسائل التشخيص الحديثة.

وعلى الرغم من سريان الهدنة الهشة، تستمر سلطات الاحتلال في منع دخول العديد من المستلزمات الطبية الحيوية والأجهزة الضرورية لإعادة بناء المرافق الصحية.

ووفق وزارة الصحة في غزة، فإن إسرائيل قلّصت دخول الشاحنات المحملة بالإمدادات الطبية إلى أقل من 30% من الاحتياجات الشهرية للقطاع، مما زاد من تفاقم الأزمة الصحية.

كما يفرض الحصار المستمر قيوداً على إدخال مولدات الكهرباء اللازمة لتشغيل المستشفيات، ومواد البناء لترميمها، بالإضافة إلى نقص حاد في الوقود يعرقل تشغيل المولدات القائمة.

ويشكل هذا الوضع الصحي الكارثي تهديداً مباشراً بارتفاع عدد الوفيات التي كان بالإمكان تفاديها؛ حيث يؤكد أبو سلمية أن "الكثيرين فقدوا حياتهم لأسباب كان من الممكن علاجها لو توفرت الإمكانات اللازمة".