تحالف السعودية وباكستان وتركيا المنتظر.. كيف يؤثر على مخططات إسرائيل؟

"قوة عسكرية تركية متمرّسة ميدانياً، وغطاء مالي سعودي ضخم، وقدرة نووية باكستانية تشكّل عنصر ردع نوعي"
معطيات متداولة في الإعلام الإسرائيلي والغربي تشير إلى أن منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط) قد تكون على أعتاب تحوّل إستراتيجي عميق، تقوده تركيا الساعية للانضمام إلى تحالف أمني جديد يضم السعودية وباكستان.
صحيفة “يني شفق” تقول في مقال للكاتب التركي “بولانت أوراك أوغلو”: إن هذا التحالف الذي وُصف من قبل خبراء إسرائيليين بأنه "ناتو إسلامي"، لا يُنظر إليه بوصفه مجرد إطار تعاون دفاعي، بل كمشروع قادر على إعادة رسم ميزان القوى الإقليمي.
ناتو إسلامي
وأضافت أن اللافت في هذا المسار أن مصدر القلق الرئيس في تل أبيب لا يتمثل فقط في التقارب التركي–السعودي–الباكستاني، بل في طبيعة هذا التحالف المركّب.
فهو قوة عسكرية تركية متمرّسة ميدانياً، وغطاء مالي سعودي ضخم، وقدرة نووية باكستانية تشكّل عنصر ردع نوعي غير مسبوق في هذا السياق الإقليمي.
ويرى الخبير الإسرائيلي شاي إيتان كوهين يانروجاك أن ما يجرى ليس امتدادا طبيعيا لاتفاقيات إقليمية قائمة، بل هو "كسر إستراتيجي" مع روح اتفاقيات أبراهام، التي قامت على إدماج إسرائيل في منظومة التعاون الإقليمي.
فبدل بناء محور يضم تل أبيب، يتجه هذا المسار إلى إنشاء بنية موازنة، وربما مناوئة، تستثني إسرائيل وتحدّ من تفوقها العسكري والسياسي.
ويكتسب هذا التحول أهميته من كونه لا ينطلق من فراغ. فتركيا تعمل منذ سنوات على تطوير نماذج تعاون أمني، خصوصا في الساحة السورية، وتسعى إلى توسيع هذا الإطار ليشمل لاحقا دولا مثل سوريا ولبنان والأردن وربما مصر.
أي أننا أمام مشروع طويل الأمد لبناء شبكة إقليمية تستبدل الترتيبات التي نشأت برعاية أميركية بعد 2020.
ووصف المشروع بأنه "ناتو إسلامي" ليس توصيفا إعلاميا عابرا، بل يعكس إدراكاً إسرائيليا لطبيعة التهديد.
فالناتو ليس مجرد تحالف دفاعي، بل منظومة ردع جماعي تقوم على مبدأ أن الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع.
وإذا ما تم نقل هذا المنطق إلى الشرق الأوسط، فإن إسرائيل ستواجه لأول مرة إطارا إقليميا منظما يملك عناصر الردع التقليدي والنووي في آن واحد.
والأخطر في نظر صانعي القرار في تل أبيب هو أن هذا التحالف سيكون مشروعا دوليّا قانونيّا، وهو ما يقيّد قدرة واشنطن والغرب على تعطيله أو الطعن في شرعيته.

نقطة تحول حاسمة
ولفت الصحيفة التركية إلى أن إدخال باكستان إلى هذا المسار، بما تملكه من قدرة نووية معلنة، يمثل الحلقة الأكثر حساسية وخطورة في معادلة التحالف الناشئ.
وذلك لأن إسرائيل كانت قد بنت طوال عقود جزءاً كبيراً من أمنها على تفوق نووي غير معلن، وهذا قد شكّل الضمانة القصوى لتفوقها الاستراتيجي في الإقليم.
وفي حال قيام تحالف يضم دولة تمتلك سلاحا نوويا معترفا به، فإن ميزان الردع سيتغير بصورة جذرية، ولن تعود إسرائيل الطرف الوحيد الذي يحتكر القدرة على التصعيد النووي أو التهديد به.
هذا التحول هو ما يفسر نبرة القلق الواضحة في الصحافة الإسرائيلية، والتي حذرت من تسارع سباق التسلح في الشرق الأوسط، ومن اضطرار تل أبيب إلى إعادة هيكلة عقيدتها الدفاعية واستعداداتها العسكرية لمواجهة احتمال نشوء "مظلة نووية" تقودها قوى إقليمية منافسة.
بالإضافة إلى ذلك فإنّ البعد الأميركي في هذه المعادلة لا يقل خطورة عن العامل العسكري ذاته؛ إذ تخشى إسرائيل أن يؤدي هذا التحالف إلى تقليص اعتماد السعودية على الولايات المتحدة، وهو ما يفضي إلى إضعاف النفوذ الأميركي في المنطقة.
وفي حال تراجعت المظلة الأميركية، فإن إسرائيل ستخسر أهم عنصر دعم إستراتيجي ضمن منظومة الردع الإقليمي التي اعتمدت عليها لعقود.
من هنا، لا يُنظر إلى هذا التحالف المحتمل بوصفه تهديدا عسكريا مباشرا فحسب، بل يتمّ عده مؤشرا على تحول أعمق في بنية النظام الإقليمي، وانتقال تدريجي من نظام تقوده الولايات المتحدة إلى نظام أكثر تعددية؛ حيث تتقدم فيه قوى إقليمية كبرى لتلعب أدوار القيادة وصناعة القرار.

المحرك الرئيس
وأشارت الصحيفة التركية إلى أن أنقرة تمثل المحرك الرئيس لهذا المشروع لتقديرات متعددة؛ في مقدمتها امتلاكها جيشاً يتمتع بخبرة عملياتية واسعة، كانت قد تراكمت في ساحات سوريا والعراق وليبيا.
إضافة إلى علاقاتها العسكرية العميقة مع باكستان الممتدة منذ عقود، وسعيها المتواصل إلى تكريس موقعها كقوة مركزية مستقلة عن المحاور التقليدية.
وترى تركيا في هذا التحالف فرصة لتعزيز ردعها الإستراتيجي، وتنويع مصادر أمنها القومي، وتقليل اعتمادها على الناتو والولايات المتحدة، في ظل تصاعد الشكوك بشأن موثوقية الغرب وقدرته على الالتزام الطويل الأمد بأمن حلفائه.
وختمت الصحيفة قائلة: تشير المعطيات إلى أننا أمام مسار يتجاوز حدود التحالف الدفاعي التقليدي، ويتجه نحو إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط بصورة أعمق وأكثر شمولاً.
إذ إن نجاح هذا المشروع قد يؤدي إلى تقليص التفوق الإستراتيجي الإسرائيلي، وظهور محور إقليمي جديد يمتلك عناصر الردع التقليدي والنووي في آن واحد.
وذلك بالتوازي مع تراجع نسبي في النفوذ الأميركي، وانتقال المنطقة إلى مرحلة تتعدد فيها مراكز القوة بدل احتكارها من طرف واحد.
في هذا الإطار تبدو عبارة الصحافة الإسرائيلية، وهي "تركيا في الداخل… وإسرائيل في الخارج"، تعبيرا دقيقا عن جوهر القلق الإسرائيلي من مرحلة قد تعيد تعريف من يكتب قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.
















