زيارة ما بعد الأسد.. لماذا يراهن الشرع على موسكو؟

"العسكريون الروس قد ينفذون، عمليات دورية في جنوب سوريا، ما يسمح لدمشق بتثبيت الاستقرار في مناطق تجمع الدروز"
أجرى الرئيس السوري، أحمد الشرع، زيارة إلى موسكو في 28 يناير/كانون الثاني 2026، وتعد هذه الزيارة الثانية للشرع إلى العاصمة الروسية منذ إسقاط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وتأتي المباحثات الثنائية بين الشرع ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، على خلفية الأزمة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية المتمردة (قسد) في شمال شرق سوريا، إضافة إلى عملية إجلاء القوات الروسية من هناك، وتحديدا من مطار مدينة القامشلي في محافظة الحسكة.
وكان الشرع قد أجرى خلال زيارته السابقة إلى روسيا محادثات مع بوتين يوم 15 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وفي تعليقها على الزيارة، قالت صحيفة "فيدوموستي" الروسية: إن موسكو أكدت لدمشق موقفها بشأن ضرورة الحفاظ على سيادة سوريا ووحدة أراضيها، كما تعهدت بالمشاركة في إعادة إعمار البلاد.
من جانبه، تعهد الزعيم السوري بالالتزام بجميع الاتفاقيات الروسية السورية القائمة، لا سيما ما يتعلق بالحفاظ على الوجود العسكري الروسي في قاعدة البحرية الروسية في طرطوس، وفي قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية على ساحل البحر المتوسط.

علاقات هادئة
وذكرت الصحيفة أنه "قبيل تلك الزيارة بفترة وجيزة، قال الشرع في مقابلة مع شبكة (سي بي أس) الأميركية: إن دمشق أقامت في الوقت الراهن (علاقات هادئة) مع موسكو، تقوم على مصالح إستراتيجية ولا تتعارض مع تفاعل سوريا مع الدول الغربية".
وأضافت: "وبعد ذلك بشهر واحد فقط، صرح في حديث مع صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية بأن سوريا بحاجة إلى دعم روسيا، على تقدير أنها عضو دائم في مجلس الأمن الدولي".
أما عن الزيارة الأخيرة، فهي تكتسب أهمية مضاعفة؛ إذ تزامنت مع العملية التي أطلقها الجيش السوري في شمال شرق سوريا ضد قسد، تهدف إلى بسط سيطرة الدولة على كامل التراب السوري.
في هذا السياق، قالت صحيفة "إزفيستيا" الروسية: إن "عمليات الجيش السوري ضد الأكراد أثرت على مصالح موسكو في المنطقة".
وتابعت موضحة أن "تقارير إعلامية كشفت في يناير/كانون الثاني عن انسحاب القوات الروسية من مطار القامشلي؛ حيث كانت متمركزة منذ عام 2019".
ووفقا لها، "فقد استخدمت موسكو المطار سابقا في إطار مهمة حفظ السلام والفصل بين الفصائل الكردية والقوات الموالية لتركيا على امتداد الحدود السورية التركية، وذلك خلال فترة حكم بشار الأسد".
بدورها، أفادت قناة "Kurdistan24" الكردية، في 26 يناير/كانون الأول، ببدء هذه العملية، وعرضت لقطات تظهر الاستعداد لنقل مروحية من طراز (مي-8).
وبحسب الصحيفة، فقد "جرى نقل جزء من الأفراد العسكريين إضافة إلى المعدات الثقيلة والأسلحة إلى قاعدة حميميم الجوية".
في هذا الصدد، نوهت "إزفيستيا" إلى أن "حجم الوجود العسكري في القامشلي كان محدودا مقارنة بالقواعد الروسية في طرطوس وحميميم".
التعافي والتعاون
ويرجح مدير البرامج في المجلس الروسي للشؤون الدولية، إيفان بوتشاروف، أن زيارة الشرع لموسكو "هدفت بالدرجة الأولى إلى تأمين دعم سياسي من القيادة الروسية في ضوء التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا".
وقال: "تقليديا، تتعامل روسيا بمسؤولية عالية للغاية مع قضايا الأقليات العرقية والطائفية في دول الشرق الأوسط، ولذلك من المرجح أن تحاول دمشق الاستفادة من الخبرة والقدرات الروسية لتحقيق الاستقرار في بلادها".
وأضاف الخبير أن "العسكريين الروس قد ينفذون، نظريا، عمليات دورية في جنوب سوريا، ما يسمح لدمشق بتثبيت الاستقرار في مناطق تجمع الدروز، وكذلك تخفيف التوتر مع إسرائيل".
وفي السياق نفسه، أشار بوتشاروف إلى أن القيادة السورية "لا تزال تراهن أيضا على تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية مع روسيا، وعلى حصولها على دعم موسكو في إعادة إحياء الاقتصاد السوري الذي دمرته الحرب".
من جهته، يرى الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، كيريل سيمينوف، أن "الزيارة الثانية للشرع إلى روسيا تدل على عودة العلاقات الروسية-السورية إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية".
مضيفا أن "هذه العملية انطلقت خلال المباحثات السابقة في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2025، أعقبتها عدة اجتماعات مشتركة للجان الحكومية الثنائية".
وأردف الخبير في شؤون الشرق الأوسط: "المناقشات الحالية تغطي طيفا واسعا من القضايا، ولم تعد تقتصر على مسألة الحفاظ على الوجود العسكري الروسي في سوريا".
واستطرد: "من شأن المفاوضات السورية-الروسية المقررة أن تمنح زخما إضافيا لتعميق التعاون في مجالات الأمن، والتعاون العسكري التقني، والتعاون الثقافي والاقتصادي".
ووفقا لسيمينوف، فإن "القمة الروسية-السورية في موسكو كانت مخططة مسبقا، ولا ترتبط بسحب العسكريين الروس من مطار القامشلي".
من جانبه، أكد الخبير في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية، دينيس دينيسوف، أن الشرع والسلطات السورية الحالية "بحاجة ماسة إلى شرعية خارجية، وفي هذا الإطار، فإن أي زيارة رسمية، خصوصا إلى دولة مثل روسيا، تعد مكسبا سياسيا هاما وتشكل دليلا على الاعتراف الدولي".
ومع ذلك، نوه إلى أن "هناك مجموعة من القضايا العالقة في العلاقات بين دمشق وموسكو بعد تغيير النظام في سوريا".
لافتا إلى أن "هذه الملفات تتطلب نقاشا وحلولا على أعلى مستوى، وتشمل ليس فقط مسألة القواعد العسكرية، بل أيضا العلاقات الثنائية بشكل عام، بما في ذلك التعاون الاقتصادي وقضايا التسوية الإقليمية".
بدوره، يرى الباحث كبير الباحثين في مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، نيكولاي سوخوف، أن "الزيارة تمثل محاولة لتثبيت "هندسة جديدة" لسوريا تقوم على سيادة أكثر صرامة، مع تقليص الوجود الروسي لكن الإبقاء عليه، إلى جانب معالجة الملف الكردي الذي يتطلب من موسكو الاعتراف بالواقع ودعم دمشق".

محل تساؤل
في سياق متصل، يرى الخبير غير المقيم في مجلس الشؤون الدولية الروسي والباحث غير المقيم في برنامج سوريا التابع لمعهد الشرق الأوسط، أنطون مارداسوف، أن "مصير الوجود العسكري الروسي المستقبلي في سوريا يبقى محل تساؤل".
وأضاف: "فإذا كانت قاعدة حميميم لا تزال تحتفظ بأهميتها كمركز لوجستي رئيس لإمداد ما يسمى (الفيلق الإفريقي) الروسي، فإن نقطة الدعم اللوجستي في طرطوس، بعد تغيير السلطة في سوريا، لم تعد تستخدم فعليا بالحجم نفسه الذي كانت عليه سابقا".
بناء عليه، يعتقد الخبير في الشأن الروسي أن "مستقبل القواعد الروسية في حميميم وطرطوس كان في صدارة جدول أعمال المباحثات".
واستدرك: "أما القضايا التكتيكية مثل الانسحاب من مطار القامشلي أو تفاصيل تسوية العلاقات مع الأكراد، فهي لا تتناسب مع مستوى المحادثات الرئاسية".
ويضيف مارداسوف أنه "لو كان ملف الأكراد يمثل أولوية قصوى، لكانت القوات الروسية أبقت على وجودها في القامشلي لممارسة دور الوسيط وتنفيذ مهام الدوريات".
"لكن في الظروف الراهنة، يظل التركيز منصبا على كيفية استمرار عمل القواعد في حميميم وطرطوس، إضافة إلى احتمالات إعادة هيكلة أنشطتها"، وفق قوله.
ويقدر موقع "آر تي في" (RTVI) الروسي أن انسحاب موسكو من مطار القامشلي يرتبط بعاملين أساسيين: الأول يتعلق بصعوبة ضمان أمن الجنود الروس في بيئة معادية، حيث يسيطر على الجيش السوري الجديد عناصر من جماعات متشددة سابقة".
أما العامل الثاني، فيرتبط "بانتهاء مهمة القوات الروسية هناك، والتي كانت تقوم بدعم الدوريات المشتركة مع تركيا للفصل بين الأكراد والفصائل الموالية لأنقرة".
في هذا السياق، يشير سوخوف إلى أن "تركيا تمكنت عبر وكلائها في دمشق من إنهاء مشروع الإدارة الكردية، ما جعل مهمة روسيا في القامشلي بلا جدوى".
واستطرد: "ورغم أهمية المطار لوزارة الدفاع الروسية كحلقة لوجستية على طريق إفريقيا، فإن الاحتفاظ به لم يعد ممكنا".
واختتم الخبير الروسي حديثه قائلا: "مصير نقطة التمركز في مطار القامشلي كان محسوما منذ أن سيطرت القوات السورية الجديدة بسرعة على ما يسمى بمنطقة الجزيرة السورية، ومن الواضح أنهم سيسيطرون على القامشلي خلال الأيام القليلة المقبلة".
في سياق متصل، رجح الموقع الروسي أن الشرع وبوتين "ناقشا مسألة تجهيز الجيش السوري وتزويده بالسلاح، وهو ملف بالغ الأهمية بالنسبة لدمشق التي ترفض الاعتماد على تركيا وتواجه عراقيل من إسرائيل".
على صعيد التبادل التجاري بين الطرفين، ذكر أنطون مارداسوف أن المباحثات "تناولت استمرار توريد المشتقات النفطية والحبوب بمشاركة أطراف خارجية، إلى جانب معالجة مشكلات إعادة تأهيل أنظمة الدفاع الجوي السورية والمدرعات".
كما لفت مرداسوف أيضا إلى "أهمية إعادة بناء البنية التحتية، بما في ذلك محطات الطاقة الكهرومائية، فضلا عن استئناف إنتاج النفط، حيث وقد سبق لدمشق أن أعلنت رغبتها في عودة شركة (تات نفط) الروسية للعمل في سوريا بعد توقفها مع اندلاع الحرب".
ويتفق موقع "آر تي في" مع هذا الطرح، حيث قال: "في الجانب الاقتصادي، تحسن الوضع نسبيا بعد أن استعادت الحكومة السيطرة على حقول النفط والغاز، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس على قطاع الكهرباء".
وأضاف: "يبقى ملف الغذاء والوقود مطروحا على طاولة المناقشات بين الجانبين؛ إذ من المرجح أن تطلب سوريا من روسيا إمدادات من الحبوب والمشتقات النفطية".
وضع معقد
من جهتها، أوضحت ناتاليا يريمينا الأستاذة بجامعة سانت بطرسبورغ الحكومية في حديثها لصحيفة "إزفيستيا"، أن الوضع في سوريا "لا يزال بالغ التعقيد".
وعزت ذلك قائلة: "فبعد الانهيار الفعلي لسلطة الأسد، تقلصت قدرات روسيا بشكل ملحوظ، وباتت موسكو في هذه الظروف تؤدي دور الشريك الساعي إلى الحفاظ على جزء من مواقع نفوذها المتبقية".
وأضافت أن "تراجع النفوذ لم يقتصر على روسيا وحدها، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك مستوى التأثير السابق، كما فقد الاتحاد الأوروبي عمليا قدرته على التأثير في مسار التسوية السورية".
"أما إسرائيل، التي كانت تراهن على تعزيز مواقعها، فقد أسهمت في الواقع في تعزيز نفوذ تركيا، غير أن هذا النجاح يظل ذا طابع ظرفي"، وفقا لها.
وبصورة عامة، تقدر الخبيرة الأكاديمية أن "ذلك القدر من الفوضى لا يزال قائما كما كان من قبل، ومن المستبعد حله في المستقبل المنظور".
وفي المجمل، تشير الصحيفة إلى أن "الشرق الأوسط يظل بؤرة توتر دائم، وأن دور موسكو بوصفها أحد عوامل الردع والاستقرار لا يزال مطلوبا".
في هذا السياق، أوضح مارداسوف أن "استمرار تمركز روسيا في سوريا لا يقتصر على كونه ضرورة لمرور الشحنات المتجهة إلى إفريقيا، بل يمثل أيضا فرصة للإبقاء على حضور فعلي في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث ينظر إلى الوجود الميداني والعسكري بطريقة مختلفة تماما عن الحضور الدبلوماسي وحده".
















