هروب من المحاسبة.. هل خرج أخنوش من الباب الضيق للسياسة في المغرب؟

“صورة أخنوش فقدت بريقها"
محمد بن هيبة
في خطوة مفاجئة أثارت جدلا واسعا بالمغرب، أعلن رئيس حزب “التجمع الوطني للأحرار” ورئيس الحكومة، عزيز أخنوش، تنحيه عن قيادة “حزب الحمامة” خلال الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026.
وأكد أخنوش، خلال لقاء صحفي في 11 يناير/ كانون الثاني 2026، أنه قرر عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب خلال المؤتمر الوطني الثامن المرتقب تنظيمه في 7 فبراير/ شباط المقبل.
وقال أخنوش: "لقد أديت واجبي، والحزب يشهد تطورا عميقا، والجميع يعترف بأنه يهيمن على المشهد السياسي الوطني. هذه قناعة شخصية، لن أترشح لولاية ثالثة".
وقاد أخنوش حزبه لتصدُّر الانتخابات البرلمانية عام 2021، وعُين بعدها رئيسا للحكومة، ثم أعيد انتخابه على رأس الحزب لولاية ثانية عام 2022.

قرار مفاجئ
وتعددت قراءات المتابعين لقرار أخنوش مغادرة قيادة سفينة حزب "الحمامة" قائد التحالف الحكومي؛ حيث هناك من يرى أن الجهة التي أحضرته سنة 2016، هي التي طلبت منه التنحي من رئاسة الحزب وبالتالي من رئاسة الحكومة المقبلة إذا تمكن حزبه من تصدر نتائج انتخابات 2026، على تقدير أنه أصبح "ورقة محروقة".
وتولى أخنوش الرئاسة لأول مرة، خلال المؤتمر الاستثنائي للحزب عام 2016 بعد استقالة صلاح الدين مزوار، إثر النتائج السلبية التي حصل عليها خلال الانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2016.
وهناك من ربط هذا الانسحاب بأنه محاولة لإنقاذ صورة الحزب التي تضرّرت من الاحتجاجات المتتالية ضد سياساته وأيضا لاقتناع أخنوش بأنه لن يستطيع تحقيق ولاية ثانية على رأس الحكومة.
أستاذ العلوم السياسية، إسماعيل حمودي، رأى أن قرار أخنوش جاء مفاجئا، خصوصا أنه قبل يوم واحد من إعلان تخليه عن رئاسة حزبه خلال الانتخابات المقبلة، كان يترأس المجلس الوطني (برلمان الحزب)، ولم يصدر عنه خلال أشغال المجلس ما يفيد أنه يفكر في "الاستقالة".
وأضاف حمودي لـ"الاستقلال"، أنه لم يصدر عن أعضاء برلمان حزبه سواء وزراء أو قيادات أو غيرهم، ما يفيد أن هناك قرارا بالاستقالة، بل تحدث عن إمكانية التمديد للهيئات ومؤسسات الحزب إلى ما بعد الانتخابات المقبلة المرتقبة خلال الربع الأخير من 2026.
وفي 10 يناير 2026، أعلن أخنوش، عن تفعيل بنود في قانون حزبه تتيح تمديد انتدابات الأجهزة والهياكل الحزبية المنتهية صلاحيتها خلال السنة التي تُجرى فيها الانتخابات بغية ضمان استمرارية العمل الحزبي وعدم تعطّل آلياته التقريرية والتنظيمية بينما تنتهي مدتها في مارس/آذار المقبل بما فيها ولاية رئيس الحزب نفسه.
وأشار حمودي إلى أن فجائية القرار تظهر من خلال عدم تعيين اللجنة التحضيرية للمؤتمر، إضافة إلى أنه لم يتم بعد إطلاق مؤتمرات محلية وجهوية انتدابية لانتخاب المؤتمرين وهي محطات تنظيمية كان ينبغي أن تنطلق منذ مدة خاصة أنه تمّ تحديد موعد المؤتمر شهر فبراير 2026.
ولفت إلى أن قرار أخنوش وضع حزب التجمع الوطني للأحرار ككل في حالة صدمة، خصوصا أنه كان يحدثهم قبل يوم واحد فقط في دورة المجلس الوطني عن النجاحات والاستعداد للفوز في الانتخابات المقبلة.
وسجل حمودي، أن أخنوش حرص بـ"إعلان استقالته المفاجئة على صنع حدث سياسي يوثق به رحيلا كان منتظرا ومتوقعا في السياق الجاري، لو نظم حزب الأحرار مؤتمره الوطني العادي في موعده المرتقب خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، ما دام قد أنهى ولايته الثانية على رأس الحزب".
من جهته، يرى مدير الأخبار بموقع "صوت المغرب"، يونس مسكين، أن "الدولة اضطرت إلى إخراج الورقة الحمراء لحمل أخنوش على الانزياح من طريق ترتيباتها للمرحلة المقبلة".
وأضاف مسكين، في افتتاحية تحت عنوان “أخنوش مطرود”، أن "الرجل تلقى ما يشبه الطرد المبكّر، ساعات قليلة بعدما وقف أمام المجلس الوطني للحزب. مبشرا بالتمديد لمختلف هيئات الحزب.
وأكد أنه في الديمقراطيات التي تُحسن احترام قواعدها، يدخل زعيم الحزب "الحاكم" الانتخابات وهو في الواجهة، حيث يقدّم حصيلته، ويسمع حكم الناس، ثم يُعيد ترتيب موقعه وفق اختيار الصندوق.
ورأى أن إعلانه الانسحاب قبل الاستحقاق، وبصيغة مُستعجلة، لا يعني بأنه رسالة "تواضع" و"تنازل"، بل بوصفها رغبة في الإفلات من لحظة الحساب، يقول مسكين.
وخلص إلى أن "ما وقع هو طرد مكتمل الشروط: زعيم كان يتحدث زوال السبت بثقة التمديد، ويعد ببلاغ يكرّس الاستمرارية، ليستيقظ صباح الأحد على ضرورة أن يمحو كلامه بكلام معاكس، وأن يمرّ فوق مؤسسته الحزبية ليفتح، على عجل، باب مؤتمر استثنائي قبل موعد المؤتمر العادي".
غضب شعبي
الرحيل المفاجئ لأخنوش أثار عدة تساؤلات عن خلفيات هذا القرار الذي لم تسبقه أي مقدمات، ذلك أن كل التوقعات وتصريحات أخنوش تشير إلى أن الحزب الحاكم ماضٍ إلى الفوز خلال الانتخابات المقبلة.
مدير نشر موقع "ثقة تي في" المحلي، حسن بويخف، أرجع القرار إلى أن "صورة أخنوش فقدت الكثير من بريقها السياسي خلال ولايته الحكومية، بعد أن أصبح عنوان الغضب الشعبي، سواء على مستوى موجة الاحتجاجات الأخيرة التي تنظمها حركة جيل زد، أو على مستوى مختلف الاحتجاجات التي شهدها المغرب".
وأضاف بويخف، في افتتاحية تحت عنوان: “أخنوش عنوان وليس الموضوع”، أن “صورة أخنوش فقدت بريقها أيضا بسبب ارتباطها بملفات أثارت جدلا سياسيا قويا على رأسها قضية تضارب المصالح والتي تتمحور حول فوز شركات يملكها أو يرتبط بها بصفقات حكومية ضخمة”.
وأثار سياسيون ومراقبون ما يعتبرونه تنازعا للمصالح في صفقة مشروع إحداث محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، التي فاز بها تحالف يضمّ شركة أكسيونا الإسبانية، وشركة كرين أوف أفريكا، وشركة إفريقيا غاز التابعة لمجموعة أكوا، المملوكة لرئيس الحكومة أخنوش.
ورأى بويخف، أنه "نتيجة لذلك سيكون من الخطأ الفظيع أن تتم المراهنة على أخنوش كرمز وكقوة وقاطرة تواصلية خلال الحملات الانتخابية، بل وأيضا كمرشح لرئاسة حكومة 2026-2030".
ويرى أن "تواري أخنوش عن المشهد الحزبي، وتخفيف الغضب من الحكومة عن حزب الحمامة، قد يكون من أهداف التدبير التنظيمي الذي دخل فيه الحزب".
على نفس المنوال، رأى الصحفي مراد بورجي، أن تنحي أخنوش أبعد من مجرد قرار تنظيمي اعتيادي، أو خطوة شخصية نابعة من "حكمة سياسية" أو "رغبة في التجديد"، كما يحاول بعض "المتعاطفين" تسويقه.
وشدد بورجى على أن "قرار أخنوش، أول اعتراف صريح، رغم كونه جاء متأخرا ومرتبكا، بفشل نموذج كامل من الحكم قُدِّم للمغاربة سنة 2021 بوصفه الخلاص: نموذج "رجل الأعمال الناجح"، الذي سيدير الحكومة كما تُدار الشركات، بالأرقام لا بالسياسة، وبالتسيير لا بالصراع الاجتماعي، تحت مسمى حكومة الكفاءات...".
وأوضح عبر تدوينة على فيسبوك في 16 يناير، أن "الانسحاب هو محاولة لتخفيف الضغط عن واجهة استُهلكت بالكامل وهي حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي لم يكن يوما حزبا بالمعنى السياسي للكلمة، بل أداة انتخابية-تدبيرية، أدّى وظيفته ثم بدأ يفقدها".
وأكد على أنه “حين تفقد الأداة نجاعتها، لا يجري إعادة ترميمها أخلاقيا، وإنما يجرى البحث عن بديل أقل كلفة”.
ويرى بورجى، أن "قرار أخنوش لم يولد في فراغ، بل جاء في سياق اجتماعي وسياسي مشحون، تَقدّم فيه جيل جديد إلى واجهة الاحتجاج، خارج الأطر التقليدية، وبلغة أكثر مباشرة وجرأة".
وخلص بورجي إلى أنه "حين تتقاطع ثلاثة عناصر، احتقان اجتماعي تقوده فئة شابة خارج السيطرة التقليدية، وانفجار ملف تضارب المصالح بما يحمله من إحراج للدولة، وعجز حكومي واضح عن امتصاص الغضب أو إنتاج أفق، آنذاك يأتي تدخل الدولة من منطق حماية الاستقرار، لا من منطق حماية الأشخاص...".
وكان أخنوش قد عاش في الأشهر الماضية لحظات صعبة، من أبرزها مطالبة شباب "جيل زد"، في رسالة إلى العاهل المغربي محمد السادس، برحيله وإقالة الحكومة التي يقودها، بسبب "فشلها في حماية الحقوق الدستورية للمغاربة والاستجابة لمطالبهم الاجتماعية".

عُرف جديد
وإذا كانت أغلب التحليلات قدر ربطت بين تنحي أخنوش لأنه أصبح "ورقة محروقة" لا تستطيع أن تواصل مهمتها "كرمز وكقوة وقاطرة" للفوز بالانتخابات المقبلة ورئاسة الحكومة لولاية ثانية، فإن أستاذ العلوم السياسية عبد الرحيم العلام، يرى أنه "ربما أصبح عندنا في المغرب عُرف يقضي بأن رئيس الحكومة لا يكرر ولاية ثانية".
وأوضح العلام لـ"الاستقلال"، أنه رغم تصدر حزب الاتحاد الاشتراكي لانتخابات 2002 إلا أن عبدالرحمن اليوسفي لم يترأس الحكومة لولاية ثانية، ونفس الأمر حدث مع عبد الإله ابن كيران بعد تصدر حزب العدالة والتنمية لانتخابات 2016، حيث لم يترأس الحكومة بعد واقعة "البلوكاج".
وفي مارس/آذار 2017، تدخل محمد السادس لإنهاء حالة ما سُمي بـ"البلوكاج" (انسداد) الذي عرفته المفاوضات بين الأحزاب لتشكيل حكومة جديدة برئاسة ابن كيران، عبر تعيين سعد الدين العثماني الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية رئيسا للحكومة خلفا لابن كيران.
وأوضح العلام، أنه "تفاديا لهذا الإحراج، فضّل أخنوش أن يغادر السفينة قبل أن يُطرد منها، هذا مع افتراض أن التجمع الوطني للأحرار سيفوز بالمرتبة الأولى في الانتخابات المقبلة".
وأشار إلى أن "حزب الحمامة" لا يمكنه تصدر الانتخابات المقبلة على تقدير أن الكائنات الحزبية التي كانت مع أخنوش شرعت في حمل حقائبها والبحث عن أحزاب أخرى خاصة بعد إعلانه عدم تشرحه لولاية أخرى.
وبعد أن نبه العلام إلى أن قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار تعيش ما سماه بـ"عملية إنكار للواقع"، أوضح أن أي حزب سياسي ترأس الحكومة يكون عنده إحساس بأنه سيُعيد ولاية أخرى.
وشبّه واقع "حزب أخنوش" بما حدث لحزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021، الذي بقي يعيش "حالة إنكار للواقع" إلى يوم إعلان النتائج رغم أن كل المؤشرات والوقائع كانت تدل على أن الحزب في تراجع.
وفي انتخابات 2021 تراجع حزب العدالة والتنمية تراجعا مهولا من 125 مقعدا برلمانيا بمجلس النواب إلى 13 نائبا برلمانيا فقط.
وفي نفس الاتجاه ذهب الصحفي يونس دافقير الذي قال: إن "القاعدة العامة والمجردة التي تبدو أنها نشأت بالممارسة السياسية هي أن منصب الوزير الأول أو رئيس الحكومة لا يقبل ولايتين متتاليتين".
وأضاف دافقير، في تدوينة عبر "فيسبوك" في 28 يناير، أنه İكيف ما كان رئيس الحكومة سواء من اليسار أو من الإسلاميين أو من (دار المخزن/ الدولة) فإن القاعدة هي نفسها: ولاية واحدة تكفي".















