هندسة جديدة.. كيف تعيد زيارة أردوغان إلى السعودية رسم معادلة الأمن الإقليمي؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية في 3 فبراير/ شباط 2026، تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية؛ حيث تتقاطع فيها التحولات الجيوسياسية مع تصاعد الأزمات الأمنية وتبدّل أولويات التحالفات.

ونشر مركز "أورسام” التركي مقالا للكاتب حسين بحري كورت، ذكر فيه أن “المنطقة تمرّ بمرحلة انتقالية غير مستقرة؛ حيث تتزايد فيها احتمالات المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران”. 

وتابع: “وتتواصل فيها الحرب الأهلية في السودان، وتتعقد ملفات وحدة الأراضي السورية، فيما يثير اعتراف إسرائيل بأرض الصومال توترات إضافية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي”. 

إلى جانب ذلك، عاد التنافس الإقليمي بين السعودية والإمارات إلى الواجهة بصورة أكثر حدّة، وهو ما يضاعف من هشاشة البيئة الإستراتيجية المحيطة.

محطة إستراتيجية

وفي ظل هذه المعطيات، وفق الكاتب التركي، لا يمكن النظر إلى زيارة أردوغان بوصفها مجرد لقاء ثنائي اعتيادي بين دولتين حليفتين، بل تمثل محطة إستراتيجية تهدف إلى بلورة نمط جديد من التعاون المؤسسي القائم على إدارة المخاطر المشتركة وتعزيز الاستقرار الإقليمي. 

بصورة خاصة، يبرز الملف السوري بوصفه ساحة اختبار لهذا النوع من التنسيق؛ حيث تتزايد الحاجة إلى توافقات إقليمية قادرة على منع الانزلاق نحو مزيد من الفوضى.

وقال الكاتب التركي: إن "أحد أهم محاور الزيارة يتمثل في مشروع اتفاق دفاعي ثلاثي يجمع تركيا والسعودية وباكستان، ويُنظر إلى هذا الترتيب بوصفه خطوة تأسيسية نحو بناء هندسة أمنية جديدة في المنطقة، تتجاوز أنماط التعاون التقليدية إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد".

ورأى أن "انضمام تركيا إلى الإطار الإستراتيجي الذي كانت السعودية وباكستان قد وضعاه سابقا لا يعكس مجرد توسيع دائرة التعاون، بل يشير إلى سعي واعٍ لتجميع القدرات التكاملية للدول الثلاث". 

وأوضح بحري كورت أن “السعودية توفر العمق المالي والقدرة التمويلية اللازمة لضمان استدامة المشروعات الدفاعية الكبرى، بينما تقدم تركيا خبرتها التقنية والصناعية المتقدمة في مجالات الطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والتقنيات العسكرية الحديثة”. 

واستطرد: “في حين تضيف باكستان عنصر الردع الإستراتيجي بفضل مكانتها كالقوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي”.

ويمثل هذا المزيج من التمويل والتكنولوجيا والقدرة الردعية نموذجا يمكن وصفه بـ"الردع التعاوني"؛ حيث لا تقوم القوة على عنصر واحد بل على تكامل منظومات متعددة. 

كما أن نقل التعاون من المستوى الدبلوماسي إلى العسكري، كما ظهر في الاجتماعات المشتركة للقوات البحرية التركية والسعودية، يعكس تحوّلا عمليا من التنسيق النظري إلى التنفيذ الميداني.

تغيير جذري

وأردف الكاتب بأن "هذا التقارب لا ينفصل عن التحولات العميقة في بيئة التهديدات الإقليمية، فبعد أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وما تلاها/ تراجعت فعالية الشبكات الإقليمية التي كانت إيران تديرها عبر وكلائها، في وقت أظهرت فيه إسرائيل استعدادا لتوسيع عملياتها العسكرية خارج نطاق غزة، بما في ذلك استهداف الدوحة مباشرة". 

وأكد أن “هذه التطورات أدت إلى تغيير جذري في أولويات الأمن لدى دول الخليج، فبدل أن تكون إيران التهديد الأول، بدأت تبدو إسرائيل في بعض العواصم العربية بأنّها مصدر خطر أكثر إلحاحا، خاصة في ظل تصاعد سلوكياتها العسكرية التوسعية”. 

كما أسهمت هذه البيئة الجديدة في تقويض الثقة المطلقة في الضمانات الأمنية الأميركية، ما دفع دول المنطقة إلى البحث عن بدائل وتحالفات أكثر تنوعا واستقلالية.

في هذا السياق، تتلاقى أنقرة والرياض على رؤية تضع "الدولة المركزية" واستقرار مؤسساتها في قلب المعادلة الأمنية، على خلاف بعض الفاعلين الذين اعتمدوا سياسات التدخل غير المباشر أو دعم الفواعل غير الحكومية. 

ويشير التوتر بين السعودية والإمارات في بعض الساحات، مثل اليمن، إلى هشاشة التحالفات التقليدية وإعادة ترتيب الأولويات الإستراتيجية، وذلك يمنح الشراكة التركية–السعودية وزنا متزايدا.

ويرى الكاتب التركي أن "أجندة الزيارة لا تقتصر على القضايا الدفاعية، بل تمتد إلى ملفات سياسية واقتصادية واسعة". 

ففي ظل التوتر الأميركي–الإيراني، تتفق أنقرة والرياض على رفض أي تدخل عسكري مباشر ضد طهران، وذلك نظرا لما قد يترتب عليه من فوضى إقليمية شاملة، بدلا من ذلك، تدعم الدولتان مسارا دبلوماسيا يحدّ من التصعيد ويحافظ على الاستقرار.

وفي موازاة البعد السياسي، يبرز التعاون الدفاعي الصناعي كمجال رئيسي للتقارب. فقد أظهرت السعودية اهتماما متزايدا بالتكنولوجيا العسكرية التركية، لا سيما المقاتلة الوطنية من الجيل الخامس "قان" وأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة. 

ومن المرجح أن يتحول هذا الاهتمام إلى عقود وشراكات إستراتيجية طويلة الأمد.

وأضاف بحري كورت: “من الناحية الاقتصادية يسعى الطرفان إلى رفع حجم التبادل التجاري، وتعزيز الاستثمارات المتبادلة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص”. 

وتابع: "تشمل هذه الخطط إدماج الشركات التركية في مشاريع السعودية للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، إلى جانب زيادة حضور الشركات التركية في قطاعات السياحة والبناء والبنية التحتية داخل المملكة".

نظام جديد

وقال بحري كورت "من المتوقع أن يتحول هذا التعاون الاقتصادي إلى رافعة إضافية تعزز الاستقرار السياسي والأمني.

وذكر أن “المباحثات تتعدى كذلك القضايا الثنائية لتشمل أزمات إقليمية أوسع، مثل الحرب في السودان، ومسارات التسوية في ليبيا، وإعادة إعمار سوريا، فضلا عن التنسيق الدبلوماسي لمواجهة التحركات الإسرائيلية في أرض الصومال”. 

وشدد الكاتب على أن “هذا الاتساع في جدول الأعمال يعكس إدراكا مشتركا بأن الأمن لا ينفصل عن التنمية، وأن الاستقرار الإقليمي يتطلب مقاربة شاملة تتداخل فيها الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية”.

واسترسل: "يمكن القول إن هذه الزيارة تمثل حلقة متقدمة، في مسار كان قد بدأ قبل سنوات مع توسع التعاون الصناعي والعسكري بين تركيا والسعودية، غير أنه اليوم ينتقل إلى مستوى (السياسة العليا) وبناء التحالفات المؤسسية". 

ومع إدماج شركاء آخرين مثل مصر وباكستان، تبدو أنقرة وكأنها تسعى إلى تشكيل شبكة تحالفات إقليمية قائمة على الثقة المتبادلة وتكامل المصالح. وفق بحري كورت.

وقال: “رغم أن هذه البنية الجديدة ستظل عرضة لاختبارات الواقع الجيوسياسي وتقلباته، فإن لها هدفين واضحين؛ الأول، إضفاء طابع دائم ومؤسسي على التعاون الاقتصادي والعسكري”. 

وتابع: “الثاني، خلق مظلة ردع جماعي تسهم في كبح السياسات التوسعية والمزعزعة للاستقرار، وتعزز في الوقت نفسه قدرة دول المنطقة على إدارة شؤونها بعيدا عن الاعتماد الكامل على القوى الخارجية”.

وختم الكاتب التركي مقاله قائلا: "تعكس زيارة أردوغان إلى السعودية إدراكا مشتركا بأن مرحلة الاعتماد الأحادي على الضمانات الدولية قد انتهت، وأن مستقبل المنطقة سيتحدد بقدرة دولها على بناء شراكات ذاتية، قادرة على تحقيق التوازن والردع والاستقرار". 

وتابع: “من هذا المنطلق، تبدو هذه الزيارة خطوة عملية نحو إعادة تشكيل معادلات القوى والتحالفات في الشرق الأوسط”.