عبر الأقليات.. هكذا تسعى إسرائيل إلى إعادة تشكيل دول الشرق الأوسط

"سياسة التحالف مع الأقليات لم تعد مجرد إرث تاريخي، بل تحولت إلى أداة حيوية في الاستراتيجية الإسرائيلية المعاصرة"
في المشهد السياسي المعقد للشرق الأوسط، يتبنى الكيان الإسرائيلي نهجا يقوم على بناء تحالفات مع الأقليات العرقية والدينية.
هذا التوجه المتجذر في تقديراتها الأمنية والجيوسياسية، يهدف إلى تعزيز النفوذ الإقليمي عبر دعم جماعات تشعر بالتهميش في الدول المحيطة بإسرائيل.
وقد تجلى هذا النهج أخيرا في اعتراف الكيان، بإقليم أرض الصومال الانفصالي، إلى جانب تدخلاته لدعم الطائفة الدرزية في سوريا، وعلاقاته المعروفة مع الأكراد العراقيين.
في هذا السياق، رجح موقع "الدبلوماسية الإيرانية" أن يمتد هذا المسار إلى دول أخرى، بما فيها إيران.
خطة بن غوريون
وأشار الموقع الإيراني إلى أن "جذور هذه السياسة تعود إلى ما يُعرف بـ (مبدأ الأطراف)، الذي صاغه ديفيد بن غوريون في العقود الأولى لتأسيس الدولة".
وكان الهدف من هذا المبدأ كسر العزلة الجيوسياسية لإسرائيل بين الدول العربية المعادية، عبر إقامة تحالفات مع دول غير عربية وأقليات تقع على أطراف العالم العربي.
وتابع: "في ذلك الوقت، شملت هذه التحالفات إيران في عهد الشاه، وتركيا، وإثيوبيا، إضافة إلى أقليات مثل الأكراد في العراق والموارنة في لبنان (أكبر طائفة مسيحية داخل البلاد)".
ولفت إلى أنه "مع تغير المشهد السياسي في المنطقة، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحرب الأيام الاثني عشر، شهدت هذه العقيدة تحولا ملحوظا".
وأوضح مقصده: "فقد برزت (عقيدة إقليمية جديدة) تهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني وحلفائه، حيث يُنظر إلى التعاون مع الأقليات كأداة لتعزيز النفوذ، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وزعزعة استقرار الخصوم".
ويقدر أن "الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال يأتي ليشكل أحد أبرز تجليات هذا التوجه الجديد".
فأرض الصومال الواقعة شمال الصومال، أعلنت انفصالها من جانب واحد عام 1991، لكنها ظلت طوال أكثر من ثلاثة عقود خارج دائرة الاعتراف الدولي.
ثم وفي خطوة غير مسبوقة، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بها رسميا كدولة مستقلة، عبر بيان مشترك وقعه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر ورئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله.
ولا يمثل هذا الاعتراف مكسبا دبلوماسيا لأرض الصومال فحسب، لكنه يندرج ضمن إستراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى توسيع شبكة تحالفاتها في القرن الإفريقي، مستفيدة من الموقع الجغرافي الحساس للمنطقة على البحر الأحمر وبالقرب من ممرات الملاحة الدولية.
في سياق أوسع، يشدد على أن "الاعتراف يعكس استعداد إسرائيل لدعم كيانات تتمتع بحكم ذاتي أو استقلال فعلي، متى ما انسجم ذلك مع مصالحها الأمنية والاقتصادية".
ولفت إلى أن "معطيات متعددة تشير إلى أن علاقات أمنية سرية، خاصة عبر جهاز الموساد، مهدت الطريق لهذا الاعتراف خلال السنوات الماضية".

سوريا والعراق واليمن
"على الجبهة السورية، يقدم دعم إسرائيل للطائفة الدرزية نموذجا آخر لتطبيق هذه السياسة"، يقول الموقع الإيراني.
ويتابع: "فبعد سقوط نظام بشار الأسد، كثفت إسرائيل، وفق تقارير متعددة، مساعداتها للدروز في جنوب سوريا، في سياق أمني واضح".
وبحسبه، "شمل هذا الدعم إرسال أسلحة ومساعدات مدنية عبر عمليات إنزال جوي إلى جانب تقديم رواتب شهرية للمقاتلين الدروز، ومعدات عسكرية وذخيرة، فضلا عن مساعدات طبية".
ونوه إلى أن "هذه الإجراءات تزامنت مع تصاعد الهجمات التي استهدفت الدروز، ما وفر لإسرائيل مبررا إضافيا للتحرك تحت ذريعة حماية الأقليات ومنع تسلل الجماعات المتطرفة، مثل تنظيم القاعدة، إلى مناطق قريبة من حدودها".
وأردف: "ترافقت المطالبات المتزايدة بالحكم الذاتي أو الاستقلال في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية مع دعم إسرائيلي ضمني، يعكس رغبة في خلق منطقة عازلة مستقرة نسبيا تخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية".
ولا تختلف سياسة تل أبيب في العراق عن سياستها في سوريا، حيث تعود علاقات إسرائيل مع الأكراد العراقيين إلى ستينيات القرن العشرين، حين كانت الدولة الوحيدة التي قدمت مساعدات للأكراد في مواجهة الحكومات المركزية في بغداد.
وأوضح الموقع أن "هذا الدعم بلغ ذروته عام 2017، عندما كانت إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي أيدت علنا استفتاء استقلال كردستان العراق".
ويرى أن "هذا التحالف يشكل جزءا من إستراتيجية إسرائيل الأشمل في دعم الأقليات، والتي تهدف إلى مواجهة تهديدات مشتركة مثل إيران والعراق، وتوفير أوراق نفوذ إستراتيجية في المنطقة".
ويعتقد أنه "مع التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط، بما في ذلك حرب 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ازدادت التوقعات بتعزيز العلاقات مع الأكراد، فضلا عن دراسة إسرائيل إمكانية دعم الأكراد السوريين".
وهو توجه، يقدر أنه "يمكن أن يُستغل كورقة ضغط إضافية ضد تركيا وإيران في سياق التوازنات الإقليمية".
في السياق ذاته، تبرز اليمن كساحة جديدة للتحالفات الإسرائيلية مع الأقليات والجماعات ذات الحكم الذاتي.
وتابع: "ففي جنوب اليمن، وأثناء سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيا، على مساحات واسعة من جنوب اليمن، أشارت التقارير إلى أنه، وفي إطار سعيه للاستقلال، كان يسعى للحصول على دعم إسرائيلي رسمي للاعتراف بجنوب اليمن المستقل".
حيث اقترح رئيس المجلس، عيدروس الزبيدي، الانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم وإقامة علاقات رسمية مع إسرائيل.
وعقّب الموقع: "يبدو هذا التوجه منطقيا بالنظر إلى الروابط الوثيقة بين الإمارات وإسرائيل، بما يشمل الدعم العسكري والمالي، إضافة إلى إنشاء منشآت مشتركة في جزيرة سقطرى اليمنية".
وبحسبه، "سبق وأفادت تقارير بأن وفدا من المجلس التقى مسؤولين إسرائيليين، مؤكدين على مصالح مشتركة في مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران".
"في هذا السياق، تعهد المجلس بالاعتراف الفوري بإسرائيل عند إعلان الاستقلال، ما يمنح الكيان موقعا إستراتيجيا في خليج عدن"، وفق الموقع.
مع ذلك، نوه إلى أن "هذا الدعم لم يتحول بعد إلى تعاون رسمي كامل، وقد رافقه توترات، مثل الغارات الجوية السعودية على مواقع المجلس واستعادة قوات الحكومة اليمنية -المدعومة من الرياض- السيطرة على الجنوب اليمني بالكامل مطلع يناير/ كانون الثاني 2026، مما يعكس وجود تنافسات إقليمية متشابكة".

تحديات وقيود
وحول إمكانية استخدام ورقة الأقليات في الجمهورية الإسلامية، قال الموقع الإيراني: "تعد إيران، بتنوعها العرقي والديني الكبير، هدفا محتملا لتوسيع إستراتيجية التحالف مع الأقليات".
وأضاف أن إسرائيل "تسعى لاستغلال الانقسامات الداخلية لإضعاف طهران، عبر دعم النزعات الانفصالية لدى الأكراد والأذريين والبلوش والعرب وغيرهم".
في هذا الإطار، أشار إلى أن "بعض الدراسات والمقترحات الإسرائيلية كانت قد اقترحت تقسيم إيران إلى عدة كيانات عرقية، في إطار سياسة الضغط على طهران وإضعاف استقرارها الداخلي".
من المنظور العملي، ذكر أنه "في السنوات الأخيرة، كثفت إسرائيل اتصالاتها مع هذه الأقليات، مستفيدة من التوترات المستمرة، بما في ذلك الهجمات الإسرائيلية الأخيرة خلال حرب الأيام الاثني عشر".
واستطرد: "تشير استطلاعات الرأي في إسرائيل إلى أن التأييد الشعبي للإجراءات ضد إيران مرتفع، ما يعزز احتمالية استمرار دعم الأقليات داخليا، بما يشمل توفير الدعم الاستخباراتي والعسكري، وربما تقديم أسلحة لجماعات المعارضة".
ويرى الموقع أنه "رغم المخاطر الدبلوماسية الواضحة، بما فيها المعارضة الدولية ووحدة الداخل الإيراني؛ يُمكن لهذا النهج أن يمنح إسرائيل عمقا إستراتيجيا عبر تحويل موارد طهران واهتمامها عن أنشطتها الإقليمية".
وأوضح أن "ذلك يتماشى مع منطق (مبدأ المحيط الجديد)، الذي يركز على احتواء إيران وزعزعة استقرار خصومها الإقليميين من خلال استثمار الانقسامات العرقية والدينية".
ومع ذلك، يقدر أن تطبيق مثل هذه السياسة "يواجه تحديات وقيودا كبيرة تجعل من تطبيقها أمرا معقدا".
فوفق تقييمه، "تعتقد هذه الأقليات أن تحقيق حقوقها يمكن أن يتم ضمن الإطار الإيراني الحالي، من خلال المشاركة المتساوية في السلطة المركزية، وقبول هوية مواطنة مشتركة، وتطبيق مبدأ المساواة لجميع المواطنين بغض النظر عن الاختلافات الدينية أو العرقية".
وأضاف: "كما تعتقد الأقليات أن هذه الحقوق يمكن أن تشمل الاعتراف الرسمي بهم، ومنحهم الحقوق اللغوية مثل تدريس اللغة الأم في المدارس والجامعات، بالإضافة إلى إنشاء نظام فيدرالي جغرافي يحافظ على الوحدة الجيوسياسية لإيران".
نتيجة لذلك، يقدر أن "هذه الأقليات لا تميل بشكل عام إلى النزعات الانفصالية، مما يقلل من جاذبية الدعم الإسرائيلي لمثل هذه الأفكار".
علاوة على ذلك، أشار الموقع إلى أن "هذه القضية تتعقد أكثر بسبب البنية العرقية الإيرانية المتشابكة مع الهوية الوطنية للبلاد".
وأردف: "فالعديد من الأقليات العرقية في إيران لها تاريخ وثقافة عميقان داخل الإطار الإيراني، ولا تمتلك بالضرورة نزعات انفصالية قوية، ما يجعل استغلال هذه القضايا كأداة للضغط على طهران أمرا صعبا من الناحية العملية".
على صعيد آخر، يرى الموقع أن "دعم أي حركات انفصالية في إيران يشكل خطرا على الاستقرار الإقليمي".
مشيرا إلى أن "مثل هذا الدعم قد يؤدي إلى تأجيج النزاعات الداخلية بشكل واسع، وقد تتجاوز تبعاته حدود إيران لتؤثر على المنطقة بأسرها، بما في ذلك مصالح إسرائيل وحلفائها، ما يزيد من حساسية أي تدخل خارجي".
"كما أن أي محاولة لتغيير الخريطة الجيوسياسية الإيرانية تواجه ردود فعل دولية قوية"، يقول الموقع.

ويكمل: "إذ يُنظر إلى انتهاك سيادة الدولة الإيرانية أو التدخل في شؤونها الداخلية على أنه خرق للقوانين الدولية، وهو ما يجعل المجتمع الدولي معارضا لمثل هذه السياسات بشكل عام".
يضاف إلى ذلك "طبيعة جماعات المعارضة العرقية في إيران، التي تتسم بالتنوع في الأهداف والمصالح، وقد لا تتوافق مع الإستراتيجية طويلة المدى لإسرائيل".
رغم ذلك، ذكر الموقع أن "إسرائيل ما زالت تنتهج سياسة عامة تجاه الأقليات في الشرق الأوسط، حيث تقدم نفسها كحامية للأقليات وتسعى للتحالف مع جماعات مثل الأكراد والدروز والمسيحيين لتعزيز قدرتها على مواجهة خصومها الإقليميين".
حيث أكد وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، على ضرورة تحالف إسرائيل -بوصفها أقلية في المنطقة- مع الأقليات الأخرى، مما “يُشير إلى توسّع علاقاتها السرية مع الأقليات العرقية والدينية في الشرق الأوسط”.
في المحصلة، يقدر الموقع أن "دعم إسرائيل للأقليات العرقية من أرض الصومال إلى جنوب اليمن يعكس نمطا استراتيجيا قد يعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، ويشمل ذلك الجوانب الأمنية والدبلوماسية على حد سواء".
وتابع: "تتسم سياسة إسرائيل تجاه الأقليات بالمرونة والبراغماتية، حيث تتراوح بين التعاون الإستراتيجي العميق، كما في حالة الأكراد، إلى التدخلات المحدودة كما في حالة الدروز، وصولا إلى الاعتراف بصوماليلاند".
ومع أنه يعتقد أن "استغلال القضايا العرقية الإيرانية كأداة ضغط على طهران يبقى احتمالا قائما في نظريات السياسة الخارجية الإسرائيلية، إلا أنه لا يوجد دليل على وجود سياسة رسمية وفعالة لدعم استقلال الأقليات الإيرانية".
ليخلص إلى أن "العقبات العملية والمخاطر الجيوسياسية الكبيرة ستظل سببا في اعتماد إسرائيل نهجا حذرا يركز حاليا على مواجهة البرامج النووية والصاروخية الإيرانية ونفوذها الإقليمي، بدلا من التدخل المباشر في البنية الداخلية والعرقية لإيران".
واختتم قائلا: "وهكذا، بات يتضح أن سياسة التحالف مع الأقليات لم تعد مجرد إرث تاريخي، بل تحولت إلى أداة حيوية في الإستراتيجية الإسرائيلية المعاصرة، تُوظف بمرونة وفق تغير السياقات، وتستهدف إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط ومحيطه".















