نطاق واسع.. كيف تستغل إسرائيل النموذج الإيطالي لتحريض أوروبا ضد حماس؟

"الشرطة الإيطالية اعتقلت سبعة أشخاص بتهمة دعم حماس ماليا"
رأى معهد إسرائيلي أن التحقيقات الإيطالية الأخيرة بخصوص شبكة تمويل حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، تسلط الضوء على "تحدٍّ أوروبي أوسع نطاقا يتمثل في ترابط هياكل جمع التبرعات".
جاء ذلك في مقال نشره "معهد القدس للإستراتيجية والأمن"، لبنيامين أميس، وهو -وفق توصيف المعهد له- محللٌ يتمتع بخبرة في تحليل المعلومات الاستخباراتية، ورسم خرائط الشبكات، والتواصل الإستراتيجي.
وفي أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025، اعتقلت الشرطة الإيطالية سبعة أشخاص، وأصدرت أوامر اعتقال دولية بحق اثنين آخرين للاشتباه في أنهم حوّلوا ملايين الدولارات إلى حركة حماس والجمعيات التابعة لها.
وكان من بين المعتقلين محمد حنون، وهو من مواليد رام الله ويخضع لعقوبات أميركية، وينشط في إيطاليا، وهو تحت مراقبة السلطات منذ أوائل التسعينيات.
شبكة واسعة
وقد توسّع نطاق التحقيق من خلال التعاون مع السلطات الهولندية والأوروبية الأخرى، وبدعم من المخابرات الإسرائيلية.
وأفادت التقارير بأن "حنون كان يخطّط لمغادرة إيطاليا إلى تركيا قبل اعتقاله، وأشارت الوثائق الإيطالية إلى تورط وسطاء مقيمين في تركيا في تسهيل عمليات التحويل لشبكة حنون، مما يُظهر النطاق الدولي لأنشطة حماس".
ووفق وصف "أميس"، فإن اعتقال حنون والشبكة المرتبطة به في إيطاليا “هو مجرد عقدة واحدة ضمن شبكة أوسع من ممولي حماس والكيانات المنخرطة في دعمها، والممتدة عبر أوروبا. وقد ورد أن حنون على صلةٍ بهولندا والنمسا وفرنسا وإنجلترا”.
وأردف: "تحت ستار جمع التبرعات للمدنيين الفلسطينيين، يدير حنون عدة منظمات في إيطاليا، منها جمعية الفلسطينيين في إيطاليا (API)، والجمعية الخيرية لمناصرة الشعب الفلسطيني (ABSPP)، ومنظمة القبة الذهبية (La Cupola d’Oro)".
وتعمل هذه الكيانات كواجهات لتحويل الأموال إلى الجناح العسكري لحماس، بحسب زعم المقال.
وفي عام 2024، نشرت "شبكة القيادة الأوروبية" (غير حكومية) سلسلة من التقارير التي كشفت عن شبكة واسعة النطاق تابعة لحماس تعمل في دول مختلفة، من بينها المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا وهولندا.
وتشمل هذه الشبكة أيضا مؤسسة “مؤتمر فلسطينيي أوروبا” الذي عمل كمنصة دورية جامعة لفاعلين مرتبطين بحماس في عدة دول أوروبية.
وكان المؤتمر قد أُسس في الأصل على يد “مركز العودة الفلسطيني” الذي أعلنت إسرائيل تصنيفه منظمة غير قانونية عام 2010 بسبب صلاته بحركة حماس.
وعُقدت فعالية نظمها "مؤتمر فلسطينيي أوروبا" في مدينة مالمو السويدية عام 2023، وجمعت ممثلين عن حماس من دول مختلفة، من بينهم ماجد الزير، أحد قادة الحركة بأوروبا، لا سيما في ألمانيا وبريطانيا، وعادل دغمان، قائد حماس في النمسا، وأمين أبو راشد، قائد حماس في هولندا.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، صنفت وزارة الخزانة الأميركية الزير ودغمان، إلى جانب حنون، على قائمة العقوبات، لدورهم في جمع التبرعات الخارجية لحماس.
كما جرى تصنيف أبو راشد بشكل منفصل في يونيو/حزيران 2025، بسبب أنشطة مماثلة نُفذت تحت غطاء العمل الخيري وأنشطة المجتمع المدني، وفق وصف أميس.
وقبل اعتقاله عام 2023، كان أبو راشد يرأس الجالية الفلسطينية في هولندا (PGNL)، وهي مظلة تنظيمية تضم عددا من المجموعات المؤيدة للفلسطينيين.

روابط عميقة
ويعود التنسيق بين هذه الشخصيات إلى فترة زمنية طويلة، ففي عام 2012، لوحظت مشاركة حنون وأبو راشد في زيارة إلى قطاع غزة نظمتها "حملة الوفاء الأوروبية".
وتظهر صور من تلك الزيارة أبو راشد وحنون ودغمان إلى جانب القيادي الراحل في حماس، إسماعيل هنية، بما يبرز عمق الروابط الشخصية والعملياتية الممتدة، بحسب المقال.
وفي وقت أسبق، عام 2009، كان "مؤتمر فلسطينيي أوروبا" نشطا في إيطاليا؛ حيث عقد فعالية في ميلانو، وفي ذلك الحدث، عرّف الزير ودغمان نفسيهما بوصفهما ممثلين للمؤتمر، بينما ظهر حنون بصفته رئيسا لتجمع الفلسطينيين في إيطاليا.
وقد جمعت الفعالية ممثلين عن عدد من المنظمات المتحالفة مع حماس، إلى جانب أعضاء في البرلمان الأوروبي، والشيخ رائد صلاح.
وقال الباحث: "يظهر التقاء القيادات البارزة المرتبطة بحماس، والمنتمية إلى منظمات مختلفة، بشكل متكرر في منصات أوروبية مشتركة، كيف تتفاعل هذه الكيانات عبر أطر جامعة واحدة، بما يعزز منظومة تمويل عابرة للحدود على المستوى الأوروبي".
وأردف بأن "أفرادا داخل هذه الشبكة، مثل حنون، أمضوا عقودا في ترسيخ حضورهم داخل هياكل المجتمع المدني الأوروبي لخدمة المصالح الخارجية لحماس".
وبالإضافة إلى إيطاليا، اتخذت بعض الدول الأوروبية "خطوات حاسمة لمواجهة هذا التهديد". وفق وصف المقال.
ففي مايو/أيار 2025، بادرت سويسرا إلى فرض حظر لمدة خمس سنوات على حماس والكيانات الواجهة التابعة لها داخل أراضيها، في خطوة هدفت إلى الحد من تمويل الحركة وتعزيز تبادل المعلومات مع الشركاء الدوليين.
ومع ذلك، يرى أميس أنه “لا تزال دول أوروبية عديدة بطيئة في مواكبة هذا المسار، ولم تتعامل بعد بشكل جدي وفعلي مع البنية التحتية لتمويل حماس”.

تعاون استخباري
وبحسب المقال، "يتمتع كل من إسرائيل وأوروبا بتاريخ من التعاون الاستخباراتي الذي ظل في معظمه غير رسمي ومحدود النطاق، غالبا بسبب قيود سياسية ومؤسسية".
ففي عام 1969، تأسس اتفاق غير رسمي لتبادل المعلومات الاستخبارية عُرف باسم "نادي برن"، وضَمّ أجهزة استخبارات من ثماني دول في أوروبا الغربية.
وأسفر هذا الإطار عن إنشاء قناة اتصال حملت اسم "كيلوواط" (Kilowatt)، التي أصبحت أداة محورية لتبادل المعلومات حول الهجمات الفلسطينية المخطط لها داخل أوروبا.
وفي عام 1971، أُضيف كل من إسرائيل والولايات المتحدة إلى "كيلوواط" كمشاركين، قبل أن تنضم إليها ثماني دول غربية أخرى تباعا على امتداد عقد السبعينيات.
وشملت الشراكات الأحدث إطار تعاون وُقّع عام 2018 بين "يوروبول" (مكتب الشرطة الأوروبي) وإسرائيل، بهدف توسيع التعاون في مجالات “مكافحة الاحتيال والجرائم السيبرانية والإرهاب”.
ورغم أن هذا الترتيب أتاح لإسرائيل الاحتفاظ بضابط ارتباط لدى "يوروبول"، فإن الوصول إلى أنظمة تبادل المعلومات الأساسية والمنتديات التخصصية ظل محدودا.
وارتقت أطر التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون الإسرائيلية و"يوروبول" إلى مستوى جديد عام 2022، عبر اتفاق يتيح للطرفين تبادل المعلومات الاستخباراتية بصورة آنية.
غير أن هذا الاتفاق لم يدخل حيز التنفيذ في نهاية المطاف، بعدما امتنعت دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي عن المصادقة عليه.
وقال أميس: إن "التحقيقات الإيطالية تُظهر كيف يمكن لقضية بدأت على مستوى وطني، مع تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق العابر للحدود، أن تكشف عن تشابك شبكات تمويل حماس ونشاطها العملياتي الخارجي في أوروبا".
"فبدل التعامل مع هذه الأنشطة بوصفها ظواهر وطنية منفصلة، يبرز النموذج الإيطالي أهمية تتبع الروابط المالية والتنظيمية عبر الحدود". بحسب زعم الباحث.
وأكد أن "هكذا، يغدو تعميم هذا النهج على المستوى الأوروبي ضرورة أساسية للتصدي بفاعلية للبنية التحتية العابرة للدول لتمويل حماس في القارة".
ومع ورود تقارير عن إحباط عمليات لحماس في ألمانيا وهولندا والدنمارك وبلغاريا وبولندا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يعد في وسع أوروبا التعامل مع هذا التهديد بأسلوب مجزأ أو ظرفي، بحسب المقال.
وأفاد بأنه "انطلاقا من ذلك، يمكن لأوروبا أن تحقق فائدة كبيرة من إنشاء آلية تنسيق أوروبية شاملة لمكافحة الإرهاب بالتعاون مع إسرائيل، تستند إلى الدروس التي أفرزها نموذج التحقيق الإيطالي".
وقال: "في أفضل الأحوال، يتيح هذا الإطار للسلطات الإسرائيلية والأوروبية دمج القدرات والكوادر، بما يسمح بالكشف الاستباقي عن شبكات تمويل حماس والتخطيط لهجماتها العاملة داخل أوروبا وإحباطها".
وتابع: "يمكن للاتفاقات الأمنية التي أُبرمت أخيرا بين إسرائيل ويوروبول، مثل عام 2018، أن تشكل لبنات تأسيسية لتعزيز هذا التعاون".
وختم أميس بالقول: "مع إنشاء هذه الآلية، يمكن سد فجوة حرجة في بنية مكافحة الإرهاب الأوروبية، عبر إرساء تعاون مؤسسي ومستدام مع أحد أكثر الشركاء الأمنيين كفاءة".
















