طموح الخليج نحو قمة الذكاء الاصطناعي.. كيف يؤثر على إسرائيل؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تنظر السعودية والإمارات وبدرجة أقل قطر إلى الذكاء الاصطناعي بصفته أصلا إستراتيجيا قادرا على أن يحل مستقبلا محل النفط والغاز كمصدر للنمو الاقتصادي، للاستقرار السياسي وتعزيز القوة العالمية، وتأمين موقع أمني حيوي في النظام الدولي.

ومن خلال إنشاء مراكز حوسبة وبنى تحتية سحابية، وإبرام شراكات مع عمالقة التكنولوجيا العالمية، وتدريب رأس المال البشري؛ تسعى دول الخليج إلى السيطرة على جزء كبير من إنتاج وتشغيل الذكاء الاصطناعي عالميا، جنبا إلى جنب مع القوى الكبرى، مع ترسيخ قدرة تكنولوجية مستقلة.

ويرى معهد إسرائيلي أن "اعتماد دول الخليج على الرقائق الأميركية، إلى جانب حاجة الولايات المتحدة والصين المتزايدة للكهرباء التي يمكن لدول الخليج توفيرها؛ يضعها في قلب المنافسة التكنولوجية والطاقة بين القوتين، مما يسمح لها باستغلال هذه المنافسة لاكتساب التكنولوجيا والسيطرة والنفوذ".

وفيما يتعلق بانعكاسات هذا الطموح الخليجي على التنافس الإقليمي والتماسك الاجتماعي داخل الدول الثلاث، أشار معهد "دراسات الأمن القومي" إلى أن صعود دول الخليج في الذكاء الاصطناعي "يحد بسرعة من المزايا التاريخية التي تمتعت بها إسرائيل، لكنه في المقابل يفتح آفاقا جديدة للتعاون المشترك".

أصل إستراتيجي 

واستهل المعهد الإسرائيلي حديثه قائلا: "في نهاية عام 2025، وافقت الولايات المتحدة لأول مرة على تصدير شرائح ذكاء اصطناعي من النوع الأكثر تقدما لشركة إنفيديا إلى السعودية والإمارات، بكميات أولية بلغت عشرات الآلاف من الشرائح لكل منهما".

وعقّب التقرير: "هذه خطوة تكنولوجية واقتصادية ذات أبعاد تاريخية؛ إذ تخطط الدولتان خلال السنوات المقبلة لاقتناء مئات الآلاف من هذه الشرائح لتشغيل مراكز الحوسبة والبيانات".

وهو حجم، لفت أنه "لا تمتلكه أي دولة سوى الولايات المتحدة والصين، بهدف معلن يتمثل في السيطرة على جزء كبير من قدرة إنتاج وتخزين الذكاء الاصطناعي عالميا".

أما قطر، فأشار إلى أنها "بدأت أيضا تسريع بناء قدراتها في هذا المجال لتضع نفسها كلاعب عالمي مؤثر".

وعزا ذلك الاهتمام إلى "إدراك دول الخليج الثلاث أهمية الذكاء الاصطناعي واعتماده كركيزة أساسية في إستراتيجيات تنويع اقتصاداتها".

وبحسبه، "تستغل الدول الثلاث (النافذة الذهبية) الحالية لارتفاع أسعار النفط والغاز لتمويل قفزة تكنولوجية سريعة قبل الانخفاض المتوقع في الطلب العالمي عليهما".

وكما لخّص وزير المالية السعودي محمد الجدعان الوضع ببساطة: "بدلا من تصدير النفط، سنصدر البيانات".

من منظور أوسع، يقدر المعهد أن "الرياض وأبوظبي والدوحة يرون في الذكاء الاصطناعي بديلا إستراتيجيا طويل الأمد للنفط والغاز في عدة أبعاد".

وتابع: "فإيرادات الطاقة تسمح لها بالحفاظ على نموذج (دولة الريع) التي لا تفرض ضرائب، وتوفر الرفاه والدعم، وتدير قطاع عام متضخمة، مقابل شرعية سياسية دون مشاركة شعبية".

وأردف: "يضع حكام الخليج الذكاء الاصطناعي كوسيلة للحفاظ على هذه الآليات عبر توفير وظائف عالية الأجر وإيرادات بديلة للدولة".

أما على الصعيد الدولي، قال المعهد: "يشبه الذكاء الاصطناعي النفط والغاز بكونه قطاعا عابرا ومحركا اقتصاديا يؤثر في قطاعات مختلفة مثل المال والصناعة والأمن، لذلك فإن السيطرة على (عنق الزجاجة) لهذا القطاع ستمنح دول الخليج نفوذا واسعا ومستداما على الاقتصاد العالمي".

وأبرز المعهد العبري أهمية البعد الأمني كمحرك لاتجاه دول الخليج نحو السيطرة على مجال الذكاء الاصطناعي مشيرا إلى أنه "على مدى عقود، ارتكز أمن الخليج على معادلة غير رسمية: دول الخليج توفر الطاقة المستقرة، والولايات المتحدة توفر الحماية، كما ظهر في حرب الخليج عام 1991".

واستدرك: "لكن في العقد الأخير تراجعت أهمية نفط الخليج عالميا، وتراجعت معها الالتزامات الأميركية، وهو ما تجلى بوضوح في غياب الرد على الهجوم الإيراني ضد منشآت النفط شرق السعودية عام 2019".

واستطرد: "هذا الحدث أوضح لحكام الخليج أن آبار النفط لم تعد أصولا حيوية بالقدر الحاسم السابق".

لذلك، بدأت الدول الثلاث في بناء أصل إستراتيجي جديد: شبكة من مراكز الحوسبة العملاقة، وهي البنية التحتية التي تُطور وتُخزن فيها نماذج اللغة للذكاء الاصطناعي المستخدمة في كل بيت (مثل شات جي بي تي أو جيمناي)، وذلك بالشراكة مع عمالقة التكنولوجيا الأميركية مثل غوغل، أوبن إيه أي، مايكروسوفت.

وأضاف المعهد: "المنطق بسيط، كما لم يكن الاقتصاد العالمي قادرا في الماضي على تحمل تعطيل إمدادات الطاقة من الخليج، فلن يكون قادرا مستقبلا على تحمل تعطيل عمل هذه المراكز، وبالتالي ستقف واشنطن إلى جانب احتياجات أمن الخليج".

إلى جانب ذلك، يقدر أن "الذكاء الاصطناعي يخدم جهود حكام الخليج في صد الانتقادات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان ومنع المطالب بتغيير سلوكهم، كما فعلوا سابقا بفضل قوة النفط والغاز".

وتابع: "فمن خلال خلق اعتماد الشركات الغربية على البنية التحتية للحوسبة التي يبنونها، وتطوير نماذج لغوية محلية؛ ستتمكن الدول الثلاث من تصفية المحتوى النقدي أو الحساس، وتغذية السردية التي ترغب بها، وتعزيز (القوة الناعمة) داخل تدفق المعلومات العالمي".

تحديات وعقبات

في هذا السياق، أبرز المعهد الإسرائيلي "قدرة دول الخليج على التحول إلى قوى عظمى في الذكاء الاصطناعي".

موضحا أن ذلك "ينبع من مزيج استثنائي من المزايا، أبرزها وفرة السيولة؛ إذ تمتلك الأسر الحاكمة صناديق سيادية تقدر بنحو ثلاثة ونصف تريليون دولار، وهو رأس مال حاسم في سباق الذكاء الاصطناعي؛ حيث لا يستطيع المنافسة إلا من يتحمل تكاليف البحث والبنية التحتية الباهظة".

وأردف: "ثانيا، بوصفها منتجة عملاقة للنفط والغاز، تتمتع هذه الدول بالكهرباء الرخيصة والمتاحة، في حين أن عمليات الذكاء الاصطناعي تستهلك الطاقة بكثافة؛ إذ تستهلك شريحة واحدة من الكهرباء ما يعادل استهلاك منزل في الضواحي".

واستطرد: "بينما يسير معظم العالم نحو أزمة نقص كهرباء لتلبية الطلب المتزايد بسرعة، فإن احتياطيات الكهرباء في الخليج تفوق الاستهلاك المحلي".

"كما أن وفرة الأراضي الصحراوية توفر مساحات ضخمة لتخزين البيانات والنماذج على المدى الطويل، إضافة إلى أنظمة حكم مركزية فعالة، مرنة تنظيميا، بلا بيروقراطية أو قيود ديمقراطية"، بحسب المعهد.

ويضاف إلى ذلك، "الموقع الجغرافي المثالي على المسار الرئيس لكابلات الألياف البصرية البحرية التي تربط أوروبا وآسيا وإفريقيا، حيث يتدفق معظم المعلومات العالمية، ما يتيح وقت استجابة منخفضا للغاية".

وهكذا، "منحت هذه المزايا الخليج قدرة على بناء مراكز بيانات بسرعة وبأحجام أكبر من الولايات المتحدة أو أوروبا، وبكلفة تشغيل أقل للشركات المستفيدة".

مع ذلك، ينوه إلى أن "طريق الخليج نحو قمة الذكاء الاصطناعي ليس خاليا من العقبات".

فوفقا له، "هناك نقص حاد في رأس المال البشري، ما يضطره لاستقدام خبراء من الخارج، وهو ما يؤدي إلى تبني سريع للتكنولوجيا دون قاعدة علمية صلبة، ويعرض الصناعة لخطر الانهيار عند الأزمات".

ولهذا السبب، تطلق دول الخليج برامج تدريب محلية للمهندسين وعلماء البيانات والمطورين والباحثين وغيرهم من أصحاب المهن الحيوية لصناعة الذكاء الاصطناعي. 

وذكر أن "هذه البرامج ضخمة الحجم في السعودية والإمارات؛ إذ أعلنت الرياض نيتها تدريب مئة ألف متخصص في هذه المجالات بحلول 2030، أما قطر فوصف برنامجها بـ (المتواضع)".

وتابع: "تستقطب المؤسسات المعنية في الدول الثلاث أساتذة من الصف الأول عالميا في مجال الذكاء الاصطناعي، وتتعاون مع شركات أميركية مثل مايكروسوفت وإنفيديا وغوغل في التدريب العملي".

وأشار المعهد إلى أن "مبادرات التدريب المشتركة لدول الخليج تسهم في توفير تدفق متزايد من الكوادر الماهرة لقطاعات الذكاء الاصطناعي المحلية، مع الحفاظ على المعارف والبيانات والتطورات المتراكمة داخل الدول الثلاث وتحت سيطرة حكوماتها".

وأضاف: "الطموح البعيد المدى للخليج لا يقتصر على اللحاق بالمعرفة الموجودة في الغرب والصين، بل أن يكون هو من يطور التكنولوجيا والمعدات المستقبلية".

فضلا عن عقبة العناصر البشرية، أبرز المعهد عقبات أخرى "كالاعتماد الكبير على استيراد المعدات الأجنبية، كما أن المناخ الصحراوي يفرض حاجة ماسة إلى تبريد مراكز البيانات، وهو ما يستهلك كميات متزايدة من المياه (التي تعتمد على التحلية، وهي بدورها تستهلك الطاقة)".

الأمر الذي أشار المعهد إلى أنه "يخلق حلقة مفرغة قد تزيد من انبعاثات الكربون وحرارة المنطقة، بل قد تعطل إمدادات الطاقة والمياه للسكان".

من زاوية أخرى، لفت التقرير إلى أن "الطبيعة السلطوية لدول الخليج تجعل آليات حماية الخصوصية والأخلاقيات والرقابة على الاستخدام المزدوج (العسكري والمدني) أضعف بكثير مما هي عليه في الديمقراطيات".

وهنا تحديدا تبرز الإمارات، فبحسب التقرير العبري: "يظهر غياب الفصل بين البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي وبين أجهزة الأمن والاستخبارات بشكل خاص في الإمارات، حيث يتولى طحنون بن زايد، شقيق الرئيس النافذ، الإشراف على المجالين معا".

"والخطير أنه سبق وكُشف عن استخدام الإمارات لتطبيق رسائل شعبي كأداة تجسس حكومية، لذلك، يتزايد في الغرب القلق من أن تُستغل النماذج والبيانات لأغراض قمع داخلي، وهو ما قد يردع الشركات عن تخزين نماذجها هناك". وفقا له.

سيادة الذكاء الاصطناعي

وبحسب المعهد، "يتمثل الهدف الرئيسي لدول الخليج الثلاث في تحقيق ما يسمى سيادة الذكاء الاصطناعي، أي السيطرة على كامل السلسلة من التمويل والخبرة والمعالجة، وصولا إلى التدريب وتطوير النماذج والتخزين، بما يضمن بقاء المعرفة والنتائج المتراكمة تحت أيديها ويقلل إلى الحد الأدنى اعتمادها على دول أو شركات أجنبية".

لذلك، أوضح التقرير أنه "وبخلاف النمط التقليدي السائد في الخليج والقائم على شراء المنتجات والخدمات جاهزة (من الرف)، فإن الدول الثلاث تنتج بياناتها بنفسها وتخزنها في سحابة محلية ذات سيادة".

بل إنه أشار إلى "تطوير السعودية والإمارات نماذج لغوية مفتوحة المصدر قائمة على هذه البيانات، بما يضمن أن المزودين الأجانب لن تكون لهم سيطرة على الشيفرة أو على طريقة تشغيلها".

وذكر أن وزير الاقتصاد الإماراتي، عبد الله بن طوق المري، أوضح هذه الأهمية حين صرح عام 2025: "الذكاء الاصطناعي عنصر من عناصر السيادة. كما تُخصص ميزانيات للأمن وللأمن السيبراني، يجب أن يُستثمر أيضا في الذكاء الاصطناعي. إنه سيادة كل دولة".

مع ذلك، ورغم كل هذا الاستثمار المكثف في المعرفة المحلية، يقدر المعهد أن "صناعات الذكاء الاصطناعي في الخليج ستظل في المستقبل المنظور معتمدة على العناصر المستوردة التي تُنتج حصريا في الولايات المتحدة والصين".

وعزا ذلك قائلا: "تمتلك واشنطن حاليا تفوقا تقنيا واضحا، إذ إن شركتي (إنفيديا) و(AMD) الأميركتين هما الوحيدتان القادرتان على تصنيع الشرائح والمعالجات الرسومية المتقدمة اللازمة لتدريب النماذج الضخمة".

"في هذا السياق، عمدت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إلى تبني سياسة (الاحتواء)، أي تقييد تصدير الشرائح إلى (دول وسيطة) غير مرتبطة بالكامل بالولايات المتحدة، ومنها دول الخليج، خشية تسرب التكنولوجيا إلى الصين"، يقول المعهد.

ويتابع: "أما الإدارة الحالية برئاسة دونالد ترامب، وبدفع من صناعة التكنولوجيا، فتتبنى سياسة (الانتشار)، أي تسريع توزيع الشرائح الأميركية على هذه الدول، لمنع الشركات الصينية من ملء الفراغ".

وإلى جانب البعد الاقتصادي، نوه المعهد إلى أن "سياسة (الانتشار) تشكل جزءا من التنافس بين القوتين على القدرة الكهربائية العالمية، التي يُتوقع ألا تكفي الطلب المتزايد على الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة".

واستطرد: "الولايات المتحدة تريد أن يُستخدم فائض الكهرباء الخليجي لخدمة معداتها وشركاتها، لا لصالح الصين".

وعليه، يرى المؤيدون لسياسة (الانتشار) أنها "ستؤسس على المدى الطويل لاعتماد أعمق من جانب الدول المستوردة على الولايات المتحدة، نظرا لتفوقها التكنولوجي".

وبحسبهم، "ظهر ذلك بوضوح في حالة الإمارات التي أثبتت استعدادها للابتعاد نسبيا عن الصين مقابل التكنولوجيا الأميركية".

"ففي عام 2022، حين اكتشفت واشنطن أن شركة G42 الإماراتية نقلت تكنولوجيا إلى هواوي الصينية، المرتبطة بالاستخبارات والجيش في بكين، واستخدمتها الصين لتطوير قدرات صاروخية تهدد الطائرات الأميركية؛ رضخت أبوظبي للضغط الأميركي وقطعت علاقاتها مع هواوي لتواصل الحصول على التكنولوجيا المتقدمة من الولايات المتحدة"، وفقا لهم.

وأردف المعهد: "مسؤولون إماراتيون قالوا إن أبوظبي اتخذت حينها قرارا إستراتيجيا (بالذهاب حتى النهاية) مع التكنولوجيا الأميركية لتحقيق طموحاتها في الذكاء الاصطناعي".

وتابع: "وبالمثل، كجزء من صفقة بيع شرائح (بلاكويل) المتقدمة من إنفيديا، التي أُقرت عام 2025 للسعودية والإمارات، التزمت الدولتان بالفصل المادي والتقني بين البنى التحتية المعتمدة على هذه الشرائح وبين الأنظمة التي تستخدم تكنولوجيا هواوي".

مع ذلك، ورغم الانفتاح الكبير على التكنولوجيا الأميركية، أفاد المعهد بأن "دول الخليج تواصل اتباع إستراتيجية (الموازنة) بين القوتين العالميتين، في الذكاء الاصطناعي كما في مجالات أخرى".

وعزا ذلك لجملة من الأسباب، "فأولا، إن إمدادات الشرائح الأميركية معرضة دائما لتغير السياسات أو الأولويات في واشنطن، خاصة مع احتمال تغير الإدارة مستقبلا".

إضافة إلى ذلك، "تحتاج هذه الدول -بسبب النمو السريع لصناعاتها- إلى مواصلة شراء المعدات والخدمات من الصين، التي تقل أسعارها عشرات في المئة عن نظيراتها الأميركية، وتخلو من شروط تنظيمية تتعلق بحقوق الإنسان أو الاستخدامات المزدوجة".

في المحصلة، "توفر شركات صينية مثل هواوي وعلي بابا وتينسنت لدول الخليج بنى تحتية للبيانات والسحابة، وتتعاون معها في التدريب والمعرفة مثل نظيراتها الأميركية".

واستطرد التقرير: "وبذلك تصبح صناعات الذكاء الاصطناعي في الخليج الأولى عالميا التي تتعايش فيها التكنولوجيا الأميركية والصينية جنبا إلى جنب".

واسترسل: "هكذا، تتحول دول الخليج إلى ساحة مركزية في الصراع بين القوى الكبرى على النظام التكنولوجي للقرن الحادي والعشرين".

خصوصا بين مشروع IMEC "الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا" بقيادة الولايات المتحدة و"طريق الحرير الرقمي" الصيني، الذراع التكنولوجية لمبادرة "الحزام والطريق"، اللذين يتنافسان على ربط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا ماديا ورقميا.

في المقابل، "تستغل دول الخليج ثروتها ومزاياها الأولية في الذكاء الاصطناعي للحصول على تنازلات من الصين والولايات المتحدة، ليس فقط في مجال التكنولوجيا بل أيضا في السياسة"، بحسب المعهد.

والأكثر أهمية -وفقا له- أن حكام الخليج "يأملون أن تؤدي الوعود التي قدموها عام 2025  للرئيس ترامب بالاستثمار بأكثر من ثلاثة تريليونات دولار في السوق الأميركية خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على شراكات في الذكاء الاصطناعي؛ إلى تحفيز الإدارات القادمة في واشنطن على مواصلة تزويدهم بالشرائح المتقدمة وبالحماية العسكرية المنشودة".

تداعيات داخلية

من منظور التنافس الإقليمي بين الدول الثلاث، يرى المعهد أن "مجال الذكاء الاصطناعي يضيف ساحة جديدة إلى المنافسة الصامتة لكنها المستمرة بينها، سواء في المجال الاقتصادي -حيث تتسابق على جذب الاستثمارات والشركات والعمالة المتعلمة- أو في الساحات الجيوسياسية مثل السودان واليمن، اللتين شهدتا تصعيدا أخيرا".

وأضاف أن "استضافة بنى تحتية حساسة للحوسبة يعزز الحاجة المتأصلة لدى هذه الدول إلى حماية أراضيها من التهديدات الخارجية والصراعات الإقليمية".

على الصعيد الداخلي، لفت إلى أن "الرهان الضخم الذي تضعه السعودية والإمارات على الذكاء الاصطناعي سيُختبر أمام احتمال تشكّل (فقاعة) تكنولوجية في هذا المجال".

وتابع موضحا: "التوقعات المفرطة قد تنفجر في قطاع لا يزال يتغير بسرعة، ما قد يترك الاستثمارات والبنى التحتية التي أُقيمت من دون العوائد التي تطمح إليها".

في سياق التأثير على بنية المجتمعات الخليجية، قال المعهد: "إن تطوير الذكاء الاصطناعي في المملكتين يتقاطع مع (تجربة) اجتماعية أوسع، تتمثل في تغيير أنماط الحياة والبيئة الاجتماعية مع الإبقاء على النظام القبلي والملكي من دون ديمقراطية أو مساواة".

وتوقع أنه "في الحالة السعودية تحديدا، حيث يقترن التغيير بتهميش المؤسسة الدينية النافذة، يبرز احتمال لرد فعل داخلي، خاصة إذا غابت العوائد الاقتصادية الموعودة".

في هذا السياق، ذكّر المعهد أنه "لدى الخليج خبرة سابقة في مشاريع اتسمت بطموح مفرط واصطدمت بالواقع، مثل مشروع مدينة نيوم في السعودية الذي جرى تقليص خططه الضخمة لصالح تحويل الموارد نحو الذكاء الاصطناعي، وبقي مشروع فاشل غير مكتمل".

وتابع: "إن تنمية كتلة حرجة من السكان ذوي التعليم العالي والمهارات التكنولوجية يضع المملكتين في منطقة غير مألوفة في الخليج، بل وفي العالم العربي عموما".

وأردف: "فالنموذج التقليدي للرعاية -حيث يوفر الحكم الرفاه والخدمات مقابل الولاء السياسي- سيواجه تحديا من طبقة من المتعلمين ذوي الخبرة المطلوبة والمرتبطين بالاقتصاد العالمي".

واستطرد: "إن توسع هذه الطبقة أيضا بين السكان الأجانب في الدول الثلاث -خاصة في الإمارات وقطر حيث عدد المواطنين محدود- قد يغير طبيعة العلاقة بين الحكم والمجتمع، كلما أصبحت (سيادة الذكاء الاصطناعي) المحلية تعتمد فعليا على خدماتهم".

وللحفاظ على الوضع الراهن، يقدر أن "الأسر الحاكمة ستكون مطالبة بمنع هذا التغيير في التوازن السياسي والاجتماعي من التأثير وزعزعة النظام السلطوي القائم، كما فعلت -بصعوبة- عند الانتقال من الاقتصاد التقليدي إلى اقتصاد النفط في القرن العشرين".

تحدٍّ غير مسبوق

وحول موقع إسرائيل من هذا التنافس، قال المعهد الإسرائيلي: "إن الصعود السريع لدول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي يشكل تحديا غير مسبوق لتفوق إسرائيل التكنولوجي الإقليمي، الذي استند لعقود إلى منظومة بحثية محدودة لكنها عالية الجودة".

مشيرا إلى أن "قدرة الخليج على جذب رأس مال بشري عالمي -بما في ذلك من إسرائيل- إلى جانب الوصول إلى الشرائح والبنى التحتية للحوسبة بأحجام غير متاحة في إسرائيل؛ يقلص بسرعة الفجوة في رأس المال البشري في مجالات العلوم والرياضيات والهندسة والتكنولوجيا، ويضعف الميزة النسبية الإسرائيلية".

وحذر من أن "هذه الاتجاهات مرشحة لتحويل تدفق رأس المال من إسرائيل نحو الرياض ودبي، اللتين تتحولان تدريجيا إلى (وادي سيليكون) منافس في الشرق الأوسط".

مضيفا: "إن خطر فقدان التفوق التكنولوجي الإسرائيلي يزداد مع الفجوة بين الإستراتيجيات الوطنية طويلة الأمد التي تبنتها دول الخليج في العقد العشرين، وبين التأخر المستمر في إسرائيل في صياغة إستراتيجية متعددة السنوات للذكاء الاصطناعي".

في هذا الصدد، أشار المعهد إلى تقرير لجنة "ناجل" الذي حذر صراحة من أن "الدول التي لا تنجح في تنظيم وتطوير الذكاء الاصطناعي بسرعة وكفاءة ستجد نفسها متخلفة بشكل لا رجعة فيه".

على المستوى الأمني، يخشى المعهد من أن "البنى التحتية السيادية للذكاء الاصطناعي ستتيح لدول الخليج تطوير قدرات عسكرية واستخباراتية متقدمة كانت حكرا على إسرائيل في المنطقة".

وخص المعهد قطر تحديدا بسبب "موقفها العدائي تجاه إسرائيل الذي يتجلى في دعمها لجماعات مسلحة وفي حملات إعلامية عبر قناة الجزيرة ومنصات أخرى".

وقال: "إن امتلاك الدوحة لذكاء اصطناعي سيادي سيمنحها القدرة على تشغيل أنظمة تأثير أكثر تطورا، ما يستدعي استعداد إسرائيل لمواجهة حرب وعي قائمة على الذكاء الاصطناعي مصدرها الدوحة".

"كما أن هناك بعدا جيوسياسيا أوسع لإسرائيل، فتعاظم الأصول التكنولوجية والبنى التحتية في الخليج، سيشكل وزنا مضادا لمزايا إسرائيل النسبية في الاستخبارات والأمن السيبراني بالنسبة للولايات المتحدة، ما يعزز مكانة الخليج كشريك إستراتيجي مفضل لواشنطن". وفق تقديره.

وفق هذه المعطيات، توقع المعهد أن "يؤدي هذا التوجه إلى تآكل مكانة إسرائيل التاريخية في المنطقة باعتبارها معبرا رئيسا في (الطريق إلى واشنطن)، بل وقد يُلحق الضرر بالعلاقة الخاصة بينها وبين الولايات المتحدة عندما تتعارض مصالحها مع مصالح دول الخليج".

من جانب آخر، لفت إلى أن "السعودية، لتلبية الطلب المتسارع على الكهرباء، يُتوقع أن تسرع تطوير برنامجها النووي لإنتاج الطاقة -وهي قدرة لا تمتلكها حاليا- وهو مسار يستدعي متابعة دقيقة وحوارا مستمرا مع واشنطن بشأن مخاطر الانزلاق نحو الاستخدامات العسكرية".

علاوة على ذلك، توقع أن "تسعى دول الخليج لتطوير مجال الدفاع الجوي، بهدف حماية البنية التحتية الحاسوبية في حال وقوع هجوم خارجي، وفي هذا السياق، تحظى الخبرة الإسرائيلية في هذا المجال بشهرة واسعة في الإمارات والسعودية، مما يُتيح فرصة لتوسيع نطاق التعاون القائم".

وعليه، فإلى جانب التحديات، يعتقد المعهد، "أن يخلق صعود دول الخليج كقوى كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي فرصا لإسرائيل".

وتابع: "فالاندماج الذكي في المنظومة التكنولوجية الإقليمية الناشئة قد يساعد في تعزيز التعاون العلمي والاقتصادي، الذي يمكن أن يعيد إسرائيل إلى مسار تقوية مسار التطبيع".

في هذا المنوال، يرى أن "صناعة التكنولوجيا الفائقة الإسرائيلية تُكمل إلى حد بعيد نظيرتيها السعودية والإماراتية".

وأوضح مقصده: "فهي تفتقر إلى المرونة البيروقراطية والتنظيمية، والإدارة المركزية، والظروف المادية، والاستثمارات الحكومية الضخمة، لكنها تتفوق في ما تفتقر إليه دول الخليج، أي رأس المال البشري، والابتكار، وروح المبادرة، والقدرات البحثية، القادرة على التكامل بشكل متناغم مع القوة المالية والبنيوية للسعودية والإمارات".

في الوقت نفسه، ينوه إلى أن "هذه المعادلة، التي شكلت حتى الآن أساسا متينا لعلاقات إسرائيل مع الخليج، ستصبح أقل صلة كلما تقدم الخليج في تراكم المعرفة السيادية، ما يضع إسرائيل في سباق مع الزمن لاستغلال ميزتها النسبية ما دامت قائمة".

بناء على ذلك، يوصي المعهد إسرائيل "ببلورة إستراتيجية طويلة المدى للذكاء الاصطناعي تركز على تنمية رأس المال البشري والحد من هجرة العقول، واستثمار مزاياها الحالية في البرمجيات والعلوم والتنظيم لبناء أطر تعاون مع الإمارات، وكذلك مع السعودية بقدر الإمكان في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية، وذلك بالتوازي مع مراقبة ومنع نقل المعرفة والتقنيات الإسرائيلية الحساسة إلى قطر".