بين الصين وأميركا وإسرائيل والإمارات.. لماذا أصبح الصومال ساحة صراع جيوسياسي؟

"المرحلة المقبلة ستكشف أي طرف قادر على ضخ المزيد من القوة"
خطة زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى إفريقيا شهدت تغييرا يتعلق بمحطة الصومال، ففي 10 يناير/ كانون الثاني 2026، أكّدت سفارة بكين في مقديشو تأجيل زيارة الوزير المقررة.
وأوضحت السفارة أن السبب يعود إلى تعديلات في جدول الأعمال، مشيرة إلى أن الجانبين ما زالا على تواصل بشأن الترتيبات المقبلة.
وخلال وجوده في دول إفريقية أخرى، أجرى وانغ يي اتصالا هاتفيا مع نظيره الصومالي عبد السلام عبدي علي؛ حيث تبادل الطرفان وجهات النظر، وأكدت الصين مجددا موقفها الداعم لوحدة الصومال وسلامة أراضيه.
وفي هذا السياق، لم يستبعد موقع "سوهو" الصيني أن يكون سبب التأجيل مرتبطا بـ"مخاوف أمنية"، وبالقرارات الأخيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة تجاه مقديشو.

دلالة قوية
وبحسب الموقع، فإن أول جولة خارجية لوزير الخارجية الصيني عام 2026 كانت إلى إفريقيا، وكان من المفترض أن يزور وانغ يي الصومال إلى جانب زيارته إثيوبيا وتنزانيا وليسوتو.
وأشار إلى أن "هذه الزيارة حظيت باهتمام خاص لأنها المرة الأولى منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين التي يدرج فيها وزير خارجية صيني الصومال ضمن جدول زياراته، وهو ما يحمل دلالات رمزية قوية".
ونوَّه إلى أهمية توقيت الزيارة؛ حيث تأتي في ظل اعتراف إسرائيل أخيرا بما يسمى "أرض الصومال"، وترى أنها ليست جزءا من الصومال، وهو ما رفضته بكين بشدة.
ووفقا للموقع، كانت الزيارة الصينية تهدف إلى تأكيد الموقف الداعم لوحدة وسيادة الصومال وسلامة أراضيه.
واللافت -بحسبه- أن "وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قام قبل يومين من الموعد الأصلي للزيارة الصينية بزيارة مفاجئة إلى أرض الصومال، ما أثار استياء شديدا لدى الحكومة الصومالية".
في هذا الإطار، ذكر الموقع أنه "كان من المفترض أن تمنح الزيارة الصينية دعما لمقديشو، وأن تشكل أيضا رسالة تحذير لإسرائيل".
واستدرك: "لكن مع تأجيل الزيارة، بدا أن أرض الصومال استغلت الموقف لصالحها؛ إذ عبّر أحد وزرائها علنا عن سعادته، مدعيا أن التأجيل سببه مخاوف أمنية، وأن الصومال غير قادر على ضمان سلامة ضيوفه".
في المقابل، "سارعت بكين إلى الرد على تلك التصريحات، مؤكدة أن هذه المزاعم مجرد أكاذيب مفبركة، وأنها جزء من حملة تضليل تستهدف العلاقات بين بكين ومقديشو".
كما أكدت السفارة الصينية في بيانها أن "أي تصريحات لن تغير حقيقة أن أرض الصومال جزء لا يتجزأ من الصومال".
التدخل الأميركي
مع ذلك، لم يستبعد موقع "سوهو" وجود مخاوف أمنية بالفعل، وقال: "من المعروف أن الوضع الأمني في الصومال يثير قلقا دائما، بسبب نشاطات الانفصاليين والجماعات المتطرفة".
وأردف: "ولضمان سلامة الزيارة، أغلقت السلطات في مقديشو بعض الطرق الرئيسية بشكل مؤقت".
وفي المقابل، نقل الموقع عن وسائل إعلام صومالية محلية قولها: إن مسؤولين أرجعوا سبب التأجيل إلى "مشكلات تقنية".
من منظور آخر، أفاد التقرير الصيني بأن "التأجيل ربما يرتبط بالموقف الأميركي".
وتابع موضحا: "فقد ذُكر أن الحكومة الصومالية أجرت تعديلات في ترتيبات الاستقبال لتهدئة مخاوف واشنطن".
في هذا السياق، ذكر الموقع أن "السياسة الخارجية للصومال لطالما تأثرت بتوازنات القوى الكبرى، ما جعلها متقلبة، وأدى إلى استمرار ضعف مستوى الحكم والأمن".
واللافت أن "هذا الحدث تزامن مع تدهور ملحوظ في العلاقات بين الصومال والولايات المتحدة، فقد أعلنت واشنطن أخيرا تعليق مساعداتها لمقديشو، بسبب خلاف حول إزالة مستودع تابع لبرنامج الغذاء العالمي في العاصمة".
ونوّه إلى أن "هذا القرار يعد بالغ الخطورة، إذ يعتمد بقاء الحكومة الصومالية بشكل كبير على المساعدات الخارجية، ما يجعل وقفها تهديدا مباشرا لاستقرارها".
وربط "سوهو" بين هذا القرار وبين زيارة وزير الخارجية الصيني التي كانت مقررة: “مثل هذا التزامن يثير تساؤلات حتمية: هل هو مجرد تزامن في التوقيت، أم أنه يُخفي لعبة جيوسياسية أكثر تعقيدا؟”

شريان أساسي
وأجاب الموقع على هذا السؤال: "تتضح حساسية الموقف عند النظر إلى موقع الصومال الإستراتيجي، فهي تقع قرب دولة جيبوتي؛ حيث تمتلك الصين أول قاعدة عسكرية خارجية، وتشارك شركاتها الكبرى في تشغيل الميناء، ما يجعله شريانا أساسيا في (طريق الحرير البحري)".
واستطرد: “وبالتالي، يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال تهديدا مباشر على مصالح بكين”.
وأوضح التقرير هذا التهديد قائلا إن "موقع ميناء بربرة الإستراتيجي، الواقع شمال غرب الصومال على الساحل الجنوبي لخليج عدن، يضعه ضمن نطاق ما يعرف بـ(أرض الصومال)، وفي مواجهة مباشرة لمدخل البحر الأحمر، ما يجعله نقطة وصل محورية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط".
وأضاف أن "دخول رؤوس الأموال الغربية، خاصة الإسرائيلية، بكثافة إلى هذا الميناء قد يجعله بديلا لميناء جيبوتي الذي يمثل بالنسبة للصين أهم قاعدة بحرية في شرق إفريقيا".
واسترسل: "إذا تحول ميناء بربرة إلى نقطة نفوذ غربية، وربما إلى مركز استخباراتي أو لوجستي إسرائيلي، فإن جيبوتي ستواجه مخاطر مزدوجة، تتمثل في خسارة جزء من نشاطها التجاري، والتعرض لاحتمال حصار إستراتيجي".
وتابع: "ففي حال تصاعد التوتر الإقليمي، قد تُمنع السفن الصينية من الرسو، أو تُراقب تحركاتها عبر وسائل الاستطلاع الإلكتروني".
بناء عليه، رجح التقرير أن "قرار الصومال في 11 يناير/ كانون الثاني 2026 إلغاء جميع الاتفاقيات الموقعة مع الإمارات بشكل مفاجئ، استند إلى الغطاء السياسي الذي وفرته بكين، خصوصا في مواجهة محاولات إسرائيل فتح ثغرة عبر أرض الصومال".
أما عن الإمارات، فيقدر أن "هذه الخطوة أربكت أبوظبي التي بدت وكأنها تدفع ثمن دعمها لأرض الصومال".
وأردف: "خلال السنوات الأخيرة، توسع النفوذ الإماراتي في الصومال بشكل ملحوظ، خاصة استثماراتها في ميناء بربرة، فشركة (دي بي وورلد) الإماراتية تسيطر منذ سنوات على الميناء، وتخطط لتحويله إلى مركز إقليمي للنقل البحري".
علاوة على ذلك، "وجهت مقديشو اتهامات لأبوظبي بالمساعدة في إنشاء منشآت عسكرية، وأدوار في تسهيل إقامة شكل من أشكال العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال، مما أفضى في نهاية المطاف إلى إلغاء جميع الاتفاقيات الثنائية بين البلدين". بحسب الموقع.
في المحصلة، شدد "سوهو" على أن الصين "أعلنت بوضوح دعمها للصومال، ولم تستبعد تقديم مزيد من المساندة في المستقبل".
واختتم حديثه قائلا: "وبذلك يتشكل مشهد مواجهة محتدمة بين بكين من جهة، وإسرائيل والإمارات ممثلتين للغرب من جهة أخرى".
واستطرد: "المرحلة المقبلة ستكشف أي طرف قادر على ضخ المزيد من القوة والنفوذ في هذه الساحة شديدة الحساسية".














