عاد لواجهة المشهد.. لماذا يراهن الإسرائيليون مجددا على بيني غانتس؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

"تحتاج إسرائيل إلى قدر من الوحدة، وهو السياسي الذي يجسد هذه التطلعات على أكمل وجه، ولذلك تكتسب حملته زخما متزايدا".. هكذا يفسر أكاديمي إسرائيلي عودة وزير الحرب السابق، بيني غانتس، إلى واجهة المشهد في الكيان الإسرائيلي.

وفي مقال نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، قال "ألون تال"، أستاذ السياسات العامة في جامعة تل أبيب: إن "الساحة السياسية الإسرائيلية شهدت أخيرا أحداثا مثيرة؛ فبعد أن بدا غانتس وحزبه خارج الأضواء إثر تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي، عاد بقوة ليبرز كلاعب سياسي مؤثر".

وتشير استطلاعات جديدة إلى أن حزب "أزرق-أبيض" تجاوز العتبة الانتخابية مجددا، ويكتسب زخما متزايدا. وقد أسهم موقفه الجريء والمثير للجدل والبراغماتي في إعادة غانتس إلى دائرة الضوء، وفق المقال.

إسقاط نتنياهو

والرسالة الأساسية تبدو بسيطة في ظاهرها: لا يزال غانتس ملتزما بإسقاط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ودفع الحكومة المتطرفة الحالية إلى الخروج من المشهد.

لكنه، في المقابل، لا يسعى إلى العودة لمرحلة الائتلافات الضيقة؛ تلك الترتيبات الهشة التي كانت رهينة لأحزاب صغيرة، ومعرّضة للشلل والابتزاز السياسي.

وبدلا من ذلك، يرى أن إسرائيل بحاجة إلى "حكومة معتدلين"، أو بتعبير أدق، حكومة توافق وطني، تستبعد المتطرفين من اليسار واليمين على حد سواء.

وذهب غانتس إلى أبعد من ذلك؛ إذ أصبح أول سياسي في صفوف المعارضة يعلن أنه، إذا أسفرت الانتخابات مجددا عن السيناريو القاتم المتمثل في تمكن نتنياهو من تشكيل ائتلاف ضيق، فإنه سيوافق على الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية، شريطة أن تُستبعد منها القوى المتطرفة.

وكان "حزب أزرق-أبيض" واضحا في شرح ما يعنيه ذلك. فإسرائيل، بحسب الحزب تحتاج إلى حكومة من دون إيتمار بن غفير وحزبه المتطرف "عوتسما يهوديت"، ومن دون الارتهان إلى الحزب الإسلامي "راعام" لتأمين أغلبية برلمانية.

وقد سعى أشد منتقدي غانتس إلى وصمه بـ "العنصرية" بسبب رفضه الاعتماد على الأحزاب العربية.

واستدرك تال، قائلا: "إن التحديات الأمنية التي واجهتها إسرائيل منذ 7 أكتوبر، والحروب متعددة الجبهات التي أعقبت ذلك، تجعل من رهن مصير الحكومة في يد حزب تأسس على أيديولوجية إسلامية، مخاطرة لا يقبلها كثير من الإسرائيليين".

وأضاف أن "منصور عباس، رئيس حزب راعام، شخصية بارزة، فهو نموذج للاعتدال والتعايش. لكن الكثيرين في حزبه لا يشاركونه هذا التوجه، فبعضهم يردد علنا الخطاب الفلسطيني المعادي للصهيونية، وينزع الشرعية عن إسرائيل كدولة يهودية".

وتابع: "لقد تعلمنا -نحن الذين خدمنا في "حكومة التغيير" بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد- هذا الدرس بالطريقة الصعبة. فمرارا وتكرارا، عرقل نواب متطرفون من حزب راعام، تشريعات أساسية للأمن القومي وتماسك النسيج المدني".

"حيث عارضوا تقديم منح دراسية للجنود المسرّحين، وعرقلوا دعوة غانتس إلى إخضاع جميع المواطنين بمن فيهم العرب للخدمة العسكرية أو الوطنية عند سن الثامنة عشرة، بل واعترضوا حتى على مشاريع تشجير ينفذها الصندوق القومي اليهودي (الكيرن كييمت) في النقب".

وقال تال: "يُصارح غانتس الإسرائيليين بحقيقةٍ قد تزعجهم. ورغم الهجوم الشرس الذي شنّه اليسار على رسالته، إلا أن صراحته تلقى صدىً لدى غالبية الشعب. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 80 بالمئة من الإسرائيليين سئموا من نظام سياسي يُكافئ الاستقطاب والانقسام".

وتابع: "ينبغي تقييم هذا الموقف إلى جانب سجل غانتس في مجال الحقوق المدنية. فقد دافع هو وحزبه بقوة عن المواطنين العرب وحقهم في المساواة، ونددوا بضعف أداء الشرطة والفجوات في البنية التحتية والتعليم والفرص والرعاية الصحية بين الإسرائيليين اليهود والعرب".

واستطرد بأن "غانتس هو السياسي البارز الوحيد الذي يُصرّ على إلحاق المواطنين العرب بالخدمة الوطنية عند بلوغهم سن الثامنة عشرة، وهي سياسة من شأنها تفكيك بعض ما تبقى من ممارسات التمييز.

وبمجرد تشكيل ائتلاف حكومي من 61 مقعدا قائم على أغلبية صهيونية، لا يوجد مبرر لاستبعاد حزب راعام من المشاركة في الحكومة، وفق المقال.

الإسرائيليون سئموا

وقال تال: إن "الحقيقة الأعمق هي أن الحكومة المتطرفة الحالية تفقد شعبيتها لأن الإسرائيليين سئموا من سياسة الانقسام".

"ومع ذلك، فإن العشرة مقاعد أو أكثر التي انتقلت من الائتلاف إلى المعارضة لا يمكن عدها مضمونة. فقد تتبخر هذه الأصوات إذا خشي ناخبو اليمين المعتدلون العودة للاعتماد على حزب "راعام" من جديد".

وأكد أن "هذا الخطأ في التقدير من جانب سياسيين مثل زعيم حزب "يشار" غادي آيزنكوت، قد يدفع الناخبين للعودة إلى الليكود ويؤدي إلى استمرار الديناميكية المدمرة الحالية".

وشدد على أن "الوقت قد حان لأن يغيّر الإسرائيليون خيارهم"، قائلا: "نحتاج إلى حكومة واسعة من المعتدلين لمواجهة التحديات الملحّة: الخدمة الوطنية الشاملة؛ واستعادة احترام الفصل بين السلطات والثقة في القضاء؛ وإعادة بناء الجليل والمستوطنات الحدودية مع غزة".

وأضاف: "هذا فضلا عن عقد لجنة تحقيق في أحداث 7 أكتوبر؛ واستعادة المكانة الدولية لإسرائيل؛ ومواجهة الجريمة، لا سيما في المجتمعات العربية"، مؤكدا أن "التجربة تعلمنا أن ائتلافا ضيّقا لا يمكنه إنجاز ذلك".

وأردف: "يتفق غالبية الإسرائيليين على القضايا السابق ذكرها. لكن إذا فاز نتنياهو مجددا، ستتعزز سلطة بن غفير، ومن المرجح أن يطالب بوزارة الدفاع، وغالبا سيستجيب نتنياهو".

وقال: "لا يمكن للبلاد أن تتحمل أربع سنوات أخرى من سياسات تُفرق بين الإسرائيليين وتحول الدولة اليهودية إلى دولة منبوذة دوليا"، ولذلك يرى أن "إسرائيل بحاجة إلى الوحدة وتجديد الهدف المشترك، وأن غانتس هو السياسي الذي يجسد هذا التطلع على أكمل وجه، ولذلك تكتسب حملته زخما متزايدا".

وأضاف: "ليست هذه المرة الأولى التي يثبت فيها غانتس قدرته على العودة إلى المشهد بقوة، فغريزته في فعل ما هو صواب للبلاد، حتى وإن كان ذلك مكلفا سياسيا، قد أضرت به سابقا. ومع ذلك، لا يزال أحد أكثر قادة إسرائيل الموثوق فيهم، ولديه قدرة على التواصل مع مختلف الأحزاب".

وأوضح تال أن "إسرائيل تقف عند مفترق طرق، وأنه في مجتمع ممزق يواجه تهديدات وجودية، لا يمكن لإصلاحات صعبة وضرورية أن ترى النور إلا من خلال ائتلاف واسع يستمد قوته من رؤية غانتس وحكمته السياسية".

وختم بالقول: "قد يعلو صوت المتطرفين، لكنهم عاجزون عن قيادة دولة في صدمة، أو جمع شتات الشعب الإسرائيلي المتنوع".