رغم دعم نتنياهو وترامب.. لماذا حلت منظمة "بيتار" الصهيونية الأميركية نفسها؟

إسماعيل يوسف | منذ يومين

12

طباعة

مشاركة

جاء إعلان المدعية العامة الأميركية بولاية نيويورك "ليتيتيا جيمس، حل "بيتار"، وهي منظمة يهودية متطرفة، ليكشف مدى تورط الجماعة في التحريض على العنف ضد المسلمين والعرب وحتى اليهود المؤيدين لفلسطين.

قرار إغلاق المدعية العامة “بيتار”، يوقف عربدة أعضاء هذه المنظمة ويجعلها غير شرعية رسميا، لكنه جاء مخففا ونتيجة "تسوية"، وافقت عليها المنظمة بدل سجن أعضائها، وتضمن حظرًا دائمًا على التحريض أو ممارسة العنف، ومنع الاعتداء على الأفراد أو ممتلكاتهم.

ما قصة "بيتار"؟

تعني كلمة “بيتار” العبرية "الحُصن"، وهي اختصار  لـ"بريت يوسف ترومبلدور" أو (اتحاد يوسف ترومبلدور) تكريما لمقاتل صهيوني روسي هو جوزيف (يوسف) ترومبلدور، الذي شارك مع مليشيات يهودية في الحرب الفلسطينية الأولى سنة 1920، وقُتل، وكرمته إسرائيل عام 1960، باعتباره بطلا للقومية اليهودية في إسرائيل.

و"بيتار" حركة شبابية صهيونية متطرفة تأسست عام 1923، تصف نفسها بأنها "صاخبة، فخورة، وعدوانية وصهيونية بلا اعتذار"، وتعمل كمنظمة تعليمية وسياسية ترتبط بحزب الليكود وتتبنى أفكاراً عسكرية، كما أنها أصل تسمية نادي "بيتار القدس" الرياضي، وتُعرف بتوجهاتها القومية المتشددة.

وقد ركزت أنشطتها على استهداف النشطاء المؤيدين لفلسطين والجاليات اليهودية غير المتوافقة مع توجهها السياسي الداعم لجرائم الاحتلال، وقامت بالعديد من الأعمال العدوانية في الولايات المتحدة ضد المسلمين والعرب وجماعات يهودية تقدمية تعارض إبادة غزة تحت شعار "ليس بأسمنا".

وأسسها "زئيف فلاديمير جابوتنسكي"، وهو قيادي في الحركة الصهيونية ولد في أوكرانيا، وبدأ نشاطه الصهيوني عام 1903 بحضور المؤتمر الصهيوني السادس، واستلهام كتابات الصهاينة الأوائل مثل هرتزل وبنسكر.

إذ أراد جابوتنسكي أن يخلد زميله الصهيوني في التاريخ العبري "ترومبلدور" كشخصية مثالية ضحت في سبيل الصهيونية، فاستلهم أسمه وسميت منظمته على اسمه "بيتار" أو "ترومبلدور"، وكانت رؤيته الصهيونية تقوم على إنشاء دولة عبرية على ضفتي نهر الأردن.

ويكرر رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في خطاباته ذكر جابوتنسكي، ويقدمه على أنه ملهمه ومرشده الروحي، وأنه يحتفظ بسيفه ويقرأ أعماله بشكل دائم، ويُخصص يوما في السنة لإحياء ذكراه.

ويرى إرن كابلان، رئيس قسم الدراسات الإسرائيلية في جامعة سان فرانسيسكو في بحث نشره بعنوان "لمحة عن الأيديولوجية التي توجه نتنياهو"، أن الحرب الإسرائيلية المميتة الحالية التي تحولت إلى إبادة للفلسطينيين في غزة تعكس أيديولوجية جابوتنسكي التي يعتنقها نتنياهو.

أوضح، في تقرير نشره بمجلة "ذا كونفرزيشن"، 24 مارس 2024، أن هذه الأيديولوجية تُعرف باسم "الجدار الحديدي"، وأطلقها جابوتنسكي في عشرينيات القرن الماضي، قبل تأسيس إسرائيل، لكنها شكلت الملهم الأساسي لنتنياهو طيلة مسيرته في الحكم على مدى عقدين من الزمن.

ويرى نتنياهو أن قوة إسرائيل نابعة من فكرة لجابوتنسكي تسمى "الجدار الحديدي"، ذلك الجدار الذي يعني قوة عسكرية ساحقة تضمن البقاء للدولة اليهودية وتجبر العرب على قبولها.

لذا يرى نتنياهو أن الحل الوحيد وفقا لجابوتنسكي هو دولة يهودية قوية ترفض أي تنازلات، وتحدد التهديدات التي يواجهها الشعب اليهودي وتتصدى لها باستعراض ساحق للقوة.

وقد ربط الكاتب الأميركي المختص في الشؤون الدولية "زاك بوشامب" نتنياهو أيضا بالصهيوني جابوتنسكي، مؤكدا أن مواقف رئيس الوزراء المتشددة التي تقوده أحيانا إلى خلافات مع أقرب حلفائه مثل الأميركيين، "سببها انتماؤه إلى التيار الصهيوني الأقدم والأكثر تشددا الذي نشأ على يد جابوتنسكي".

أوضح في مقال نشره بعنوان "الأفكار التي تحدد شخصية بنيامين نتنياهو" بمجلة "فوكس"، 16 مارس/ آذار 2025، أن جابوتنسكي أنتج رؤية فكرية تمخضت فولدت في نهاية المطاف حزب الليكود والسياسات المتشددة التي ينتهجها حتى الآن.

والتي تقوم على الضغط العسكري والسحق والتدمير وسيلة وحيدة لتحقيق الأمن لإسرائيل، هي تجسيد حرفي لأفكار مرجعه الصهيوني زئيف جابوتنسكي.

وكان جابوتنسكي يعتقد أن الحركة الصهيونية لا ينبغي أن تُهدر مواردها على أحلام اقتصادية واجتماعية طوباوية، بل يجب أن ينصب تركيزها حصراً على بناء قوة عسكرية يهودية، أشبه بجدار حديدي، يُجبر العرب على قبول قيام دولة يهودية على أرضهم، وفق "كابلان".

وكتب جابوتنسكي (أبو حركة بيتار) عام 1923 يقول: "الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يوافق بموجبها العرب على دولة يهودية في فلسطين هي القوة التي تسحقهم وتذعنهم".

وكان يرى أيضا أنه يجب أن تمتد الدولة اليهودية إلى حدودها التوراتية، وهو صاحب المقولة "لنهرِ الأردن ضفتان، هذه لنا، وتلك أيضا".

والمفارقة أن الصهاينة والخارجية الإسرائيلية تصف جابوتنسكي بأنه "من قادة الحركة التصحيحية الصهيونية"، لكن مصطلح "التصحيحية" لا يعني هنا مراجعة للأفكار والميل نحو المرونة والاعتدال، بل تدل على صهيونية أكثر تشددا، 

أي انتهاج خط أكثر تشددا يوسع دائرة الخصوم والأعداء، وفق محللين للفكر الصهيوني.

ولا يعني غلق فرعها في نيويورك وفق التسوية غلق كل فروعها، فقد كشف الأستاذ الجامعي الأميركي "ديفيد ميلر" أن جماعة بيتار الإرهابية اليهودية المتطرفة لها فرع فرنسي عنيف أيضاً، ونشر فيديو لهم.

وتقول المجموعة، التي تدعي أن لها فروعاً في 10 دول، على الإنترنت: إن مهمتها هي "تمكين اليهود من الوقوف بقوة، والتحدث علناً، والدفاع عن تراثهم وإسرائيل ضد جميع التهديدات"، وفقاً لصحيفة “نيويورك تايمز” في 13 يناير/ كانون الثاني 2026.

وأقامت "بيتار" فروعاً لها في أنحاء مختلفة في أوروبا والولايات المتحدة وفلسطين، وانخرط أعضاؤها في الأعمال الإرهابية في فلسطين في الثلاثينيات من القرن الماضي، وكان أعضائها يرتدون القمصان البنية اللون كجزء من الصبغة الفاشية التي تحلت بها الحركة.

وأنشات (بيتار) أيضاً مركزاً لتدريب البحارة اليهود في ايطاليا، ثم مركزاً لتدريب الطيران في باريس العام 1934 ثم في اللد العام 1938 وجنوب إفريقيا ونيويورك، استعداداً لخوض معارك حرب 1948.

وتحولت (بيتار) بعد قيام إسرائيل إلى حركة (حيروت)، وأعضاؤها انضموا إلى كتيبة (الناحال) في الجيش الإسرائيلي، لكن نشاطها استمر في أميركا ودول غربية.

لماذا تم حظرها؟

يوم 14 يناير 2026، قررت حركة "بيتار" في الولايات المتحدة حل نفسها رسميًا، عقب توصلها إلى تسوية مع المدعية العامة لولاية نيويورك، التي كانت تحقق مع الحركة بشبهات قيامها بأعمال عنف وإرهاب ضد مسلمين وعرب ويهود معتدلين مؤيدين للفلسطينيين.

وقالت المدعية العامة للولاية ليتيتيا جيمس: "لن تتسامح نيويورك مع المنظمات التي تستخدم الخوف والعنف والترهيب لإسكات حرية التعبير"، بحسب مجلة “انترسيبت”.

قال مكتب المدعية العامة في نيويورك إنه "توصل إلى تسوية مع بيتار من شأنها إنهاء عملياتها في نيويورك"، بعدما خلص تحقيق ‌إلى ‌أن الجماعة الصهيونية اليمينية المتطرفة ضالعة في ترهيب نشطاء مؤيدين للفلسطينيين.

وتشمل التسوية التي وافقت عليها الجماعة حظرًا دائمًا على التحريض أو ممارسة العنف، ومنع الاعتداء على الأفراد أو ممتلكاتهم، بالإضافة إلى حل المؤسسة غير الربحية التابعة لها، وتقديم تقارير امتثال سنوية على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وفق صحيفة “نيويورك تايمز”.

وجاء في البيان أنه بعد التحقيق في قضية بيتار، وجد المكتب أن الجماعة "استهدفت مرارا أفرادا على أساس الدين وبلد المنشأ"، ونفت بيتار في بيان ارتكاب أي مخالفات وزعمت إنها تهدف إلى القضاء على معاداة السامية.

وفي ردها على اتفاق التسوية، قالت منظمة بيتار في بيان إنها "أميركية ومقرها الرئيس في إسرائيل".

وزعمت أنها ستوقف عملها في نيويورك لأن "عمدة ولاية نيويورك (المسلم زهرن ممداني)، والمدعي العام لولاية نيويورك، ورئيس بلدية مدينة نيويورك يقفون مع فلسطين"، وفق زعمها.

وقالت لأنصارها: "إذا كنت تُؤيد الجيش الإسرائيلي ونتنياهو في ولاية نيويورك، فأنت مُجرم إرهابي، ونحث الصهاينة على إخلاء مدينة نيويورك. عودوا إلى إسرائيل".

ورد عليهم عمدة نيويورك عبر "أكس" مؤكدا إن بيتار قامت لسنوات "ببث حملة كراهية في جميع أنحاء نيويورك، والترويج للتطرف المعادي للإسلام ومضايقة أولئك الذين اختلفوا معها".

وقال: "لا مكان لتعصبهم في سياستنا"، مضيفاً أنه "ممتن" للمدعية العامة لولاية نيويورك لـ "سعيها الدؤوب لتحقيق العدالة".

وكان رئيس تحرير موقع "غري زون"، ماكس بلومنتال، فضح نية المنظمة قتل عمدة نيويورك، وكشف في فيلم وثائقي الذي بثته قناة غراي زون" عن حقيقة الجماعة الصهيونية من الداخل، كيف كان قادتها يتناقشون في تهديد عمدة مدينة نيويورك، زهران محمداني، بتفجير سيارته.

وسبق أن أعلنت الجماعة، المتهمة بالارتباط بحركة كاهانا اليمينية المتطرفة المحظورة في إسرائيل، بفخر عن دورها في اعتقال طلاب مؤيدين للفلسطينيين العام الماضي من قبل مسؤولي الهجرة. 

وهدد أعضاؤها المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين بالعنف بشكل متكرر، وهددوا بتفجيرهم بأجهزة نداء يرسلونها لهم، في إشارة إلى استخدام إسرائيل عام 2024 أجهزة مفخخة لاغتيال عناصر من حزب الله في لبنان، ما أسفر عن مقتل مدنيين.

واشتهرت المنظمة الصهيونية المتطرفة، بنشر معلومات شخصية عن طلاب جامعيين مؤيدين لفلسطين وتقديم قوائم بأسماء منتقدين لإسرائيل لإدارة ترامب، لمعاقبتهم.

وبعد تولي دونالد ترامب منصبه وتوقيعه على أوامر تنفيذية تستهدف المتظاهرين والنشطاء المؤيدين للفلسطينيين، قالت بيتار إنها قدمت له أسماء طلاب وأعضاء هيئة تدريس أجانب إلى لترحيلهم، لكن محاولات ترامب للترحيل ووجهت بانتكاسات قانونية.

ومع أن التحقيق الذي بدأ في مارس 2025، بعد أن تلقى مكتب الادعاء العام شكاوى رسمية بشأن مضايقات من قبل الجماعة، انتهي يناير 2026، لحظر المنظمة الصهيونية، وأكد أنه إذا استمرت في أنشطتها، فإنها ستواجه غرامة 80 ألف دولار أميركي، وعواقب أخرى محتملة، فقد استمرت أنشطة المنظمة.

إذ أعلنت عبر حسابها على "إكس" إن معهد جابوتنسكي سوف محاضرته السنوية تحت عنوان أن "الصهيونية أخلاقية وعادلة"، تكريماً للإرهابي زئيف جابوتنسكي يوم 26 يناير 2026

واستمرت في التحريض ضد الأميركيين المؤيدين للفلسطينيين.

وخلص التحقيق الذي أجراه مكتب المدعي العام إلى أنه بالإضافة إلى انتهاك قوانين الحقوق المدنية للولاية التي تحظر العنف والمضايقة بدافع التحيز، فإن "بيتار" تجمع أموال بينما هي غير مسجلة لدى مكتب الجمعيات الخيرية على مستوى الولاية.