"أبوظبي" أم الإمارات؟ كيف تفرق السعودية بين المركز والكيان

حين يستخدم مصطلح "أبوظبي" يشير رأسا وبلا مواربة إلى محمد بن زايد
في ظل التوترات المستمرة بين السعودية والإمارات، لا سيما فيما يتعلق بالأوضاع في جنوب اليمن، يبرز في الخطاب السعودي الرسمي وشبه الرسمي قاعدة تفريق متعمدة وواضحة.
هذه القاعدة تقوم على التمييز بين العلاقة التي تربط المملكة بالإمارات كاتحاد وشعب، وبين موقفها من ممارسات أبوظبي بوصفها مركز القرار السيادي والأمني.
وقد صاغ الكاتب السعودي الدكتور أحمد بن عثمان التويجري هذه القاعدة بوضوح في مقاله بصحيفة الجزيرة السعودية بتاريخ 22 يناير 2026؛ حيث أكد على ضرورة التفريق بين موقف المملكة من سياسات أبوظبي وبين علاقات الأخوة والتلاحم التي تجمع الشعبين السعودي والإماراتي.
ولم يكتفِ التويجري بذلك، بل وصف الخلاف مع القيادة السياسية في أبوظبي، ممثلة في رئيس الدولة محمد بن زايد، لا مع الاتحاد الإماراتي أو حكام الإمارات الآخرين، ولا مع المجتمع الإماراتي عامة.
وهذه اللغة ليست مجرد تفاصيل إنشائية أو تعبيرات خاصة بالتويجري، بل هي مفتاح لفهم حدود الأزمة كما تتبناها وسائل الإعلام السعودية، وهي رؤية تعكس موقف الرياض من أزمة مشروع سياسي تقوده أبوظبي ومحمد بن زايد، وليست خصومة شاملة مع دولة اتحادية أو شعبها، ولا رغبة في تفكيك البيت الخليجي، بل محاولة لعزل مشروع أبوظبي وتقليل أثره.

خطاب حاد
في الأسابيع الأخيرة، وبعد أن انتقل الخلاف من الغرف المغلقة إلى الإعلام والمنابر العامة، ركزت التغطيات السعودية على تسمية "أبوظبي" تحديدًا كمصدر السياسات التصعيدية والتآمرية، لا سيما في الملف اليمني.
ورصدت تقارير وتحليلات عدة، أن قناة "الإخبارية السعودية" رفعت من حدة خطابها ووجهت اتهامات صريحة إلى حكومة أبوظبي بالتحريض الإعلامي والاشتباك عبر وكلاء في اليمن، وربطت ذلك مباشرة بأمن السعودية القومي، مع لغة توحي باقتراب اتخاذ إجراءات صارمة.
التفريق الذي تقوم به السعودية ليس مجرد انتقاء كلمات، بل يعكس تصورا واضحا لبنية السلطة داخل الإمارات؛ حيث ترى الرياض أن السياسة الخارجية والقضايا الأمنية الحادة تدار من مركز واحد في أبوظبي، بينما بقية الإمارات ليست صاحبة قرار مستقل في هذه الملفات أو على الأقل ليست القائدة فيها.
وقد ظهر هذا المعنى بوضوح في تقرير نشرته صحيفة "المرصد" الإلكترونية السعودية في 19 يناير 2026، حيث أبرزت الفوارق بين أبوظبي كمركز سياسي ودبي كمركز تجاري، ووصف الخطاب السعودي دبي بأنها قصة نجاح تنموية لا خلاف عليها.
كما تناولت النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي هذا التفريق؛ حيث نقلت مقاطع وتعليقات لكتاب سعوديين يشددون على أن ما يجرى هو تصرف فريق سياسي داخل أبوظبي وليس توجهًا إماراتيًا عامًا، مما يخدم هدفين: تحميل أبوظبي المسؤولية السياسية، وترك الباب مفتوحًا للعلاقة مع بقية الإمارات.
رسالة سياسية
حين تعلن الرياض صراحة أو ضمنيًا عبر وسائل الإعلام، أن المشكلة تكمن في ممارسات أبوظبي، فإنها ترسم خطًا أحمر واضحًا. فهي لا تسعى لتحويل الخلاف إلى عداء بين الشعبين، ولا تريد كسر فكرة مجلس التعاون الخليجي، ولا تضغط على بقية الإمارات للانحياز الإجباري إلى جانب أبوظبي.
وهذا المنطق استوعبته صحيفة "فايننشال تايمز" الأميركية في تقريرها بتاريخ 21 يناير التي أشارت إلى أن حدة التراشق غير المألوفة خليجيا تأتي مع محاولات واضحة لتجنب تعميم الاتهام على كل الإمارات، عبر التفريق بين مراكز القرار داخل الدولة الاتحادية.
ومن منظور سعودي، يصبح هذا التفريق أداة لعزل السياسات التي تعدّ مهددة لمصالح الرياض في اليمن وما بعده، من دون دفع ثمن إستراتيجي باهظ يتمثل في تفجير البيت الخليجي من الداخل.
وهذا يتماشى مع تحليل صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية التي رأت أن جوهر الخلاف ليس صراع هيمنة بقدر ما هو تصادم مقاربتين؛ السعودية تراهن على الدولة الوطنية المركزية، بينما تعتمد أبوظبي على شبكات نفوذ ووكلاء محليين حتى لو أدى ذلك إلى تقويض تماسك الدول.
بحسب "فايننشال تايمز"، فإن الملف اليمني هو المسرح الرئيس الذي وضح من خلاله هذا التفريق.
ركزت الاتهامات السعودية الأخيرة على دعم أبوظبي لفصائل انفصالية في الجنوب، خصوصًا المجلس الانتقالي الجنوبي، الأمر الذي تعده الرياض تهديدا مباشرا لأمنها ومصالحها على الحدود وفي محافظات حضرموت والمهرة.
وعندما بثّت "الإخبارية السعودية" تقارير عن سجون سرية وانتهاكات في حضرموت، صيغ الخطاب بشكل يحمّل أبوظبي المسؤولية كداعم ومشغل لهذه الممارسات، مما حول الخلاف من مسألة سياسية إلى قضية أمن قومي.
ومنذ بداية التوترات الفعلية بين السعودية والإمارات عام 2019، مع تباين المواقف حول اليمن، حرص الإعلام السعودي والكتاب على استخدام تعبيرات مثل "ممارسات أبوظبي" أو "سياسات أبوظبي" أو "فريق أبوظبي السياسي"، متجنبين عمدا وصف الإمارات ككيان سيادي موحد.
هذا التفريق يعكس إدراكا سعوديا عميقا بأن مركز القرار السيادي والأمني في الإمارات يتمركز فعليًا في أبوظبي، في حين أن بقية الإمارات، خاصة الشارقة ورأس الخيمة والفجيرة وعجمان وأم القيوين، ليست طرفًا في السياسات التصعيدية والتدخلية الصادرة عن أبوظبي.
فعلى سبيل المثال، قال الكاتب السعودي جاسر الجاسر في برنامج "نشرة الرابعة" على قناة "العربية" في 18 يناير 2026: "دبي مدينة اقتصادية رائعة، قامت بخطوات تنموية ممتازة، ولا إشكال فيها، لكن في أبوظبي هناك فريق سياسي، وليس توجهًا إماراتيًا، يدعم عيدروس الزبيدي لإثارة الفوضى".
وفي سياق مماثل، قال الصحفي السعودي خالد آل جميح في منشور على منصة "إكس" في 19 ديسمبر 2025: "خلافنا تحديدًا مع سياسات أبوظبي ودبي، أما الشارقة ورأس الخيمة فمواقف وحكام يختلفون اختلافا جوهريا عن هذا النهج".
بينما وصف الكاتب السعودي عشق بن سعيدان الخلاف في تصريح لقناة "يمن شباب" في 19 يناير 2026 بقوله: "الخلاف بين الرياض وأبوظبي تجاوز حدود التباين السياسي؛ حيث طعنت أبوظبي المملكة غدرًا عبر إثارة القلاقل والتدخل السلبي السافر في اليمن وعدد من الدول العربية".
سردية تاريخية
ومع ذلك، لا يكتفي التويجري وغيره من الكتاب الذين يتبنّون هذه الرؤية بتوصيف الخلاف الحالي، بل يؤسسون له تاريخيًا؛ حيث يشير التويجري إلى الدور المبكر الذي لعبته المملكة في تشجيع إمارات الخليج على الاتحاد والاستقلال بعد الانسحاب البريطاني، وهو دور يمنح الرياض معرفة دقيقة ببنية الحكم الاتحادي وتباينات الإمارات السبع.
وفي رواية التويجري، برز الملك السعودي الراحل فيصل بن عبد العزيز كفاعل محوري في تلك المرحلة، وهو ما تدعمه وثائق ومراسلات ومحاضر اجتماعات، فضلا عن مراجع تاريخية تتناول نهاية الوجود البريطاني في الخليج والتحول من الإمارات المتصالحة إلى دولة اتحادية.
ومن هنا يبرز التويجري بشكل واضح أن الإمارات ليست أبوظبي فقط، بل تضم رموزًا تمثل في المخيال الخليجي والعربي صورة مختلفة، وعلى رأسها حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، الذي يعدّ رمزًا ثقافيًا وإنسانيًا، ويدعم مشروعات معرفية عابرة للحدود.
وعلى صعيد الواقع، لا تقتصر علاقة الشارقة بالسعودية على مجاملات سياسية، بل هناك محطات موثقة تكرس مكانة الشيخ سلطان في الفضاء السعودي، منها حصوله على جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام عام 2002، وهو تكريم يحمل رمزية كبيرة داخل السعودية وخارجها، ويعكس احترامًا متبادلًا يتجاوز السياسة اليومية.
كما يظهر حضور الشارقة الثقافي في السعودية من خلال مشاركاتها في منصات مثل معرض الرياض الدولي للكتاب؛ حيث تسجل مشاركات مرتبطة بإصدارات الشيخ سلطان القاسمي ومؤسساته، مما يعزز وجود قناة ثقافية مستقرة بين الرياض والشارقة، بعيدة عن صراعات الملفات السياسية مع أبوظبي.
وبالتالي، يمثل نموذج الشارقة مساحة تواصل تفسر كيف يمكن للخطاب السعودي أن يقول: خلافنا مع سياسة أبوظبي، لكن الاحترام قائم مع بقية الإمارات وحكامها، ومع النخب الثقافية والاجتماعية فيها.

كسر التوازنات
من جهته، قال الباحث في العلوم السياسية أحمد ياووز من جامعة "آيدن" التركية: إن السعودية تتصرف اليوم من موقع الدولة المحورية الأولى في مجلس التعاون الخليجي، لذلك فإنها لا تدير خلافاتها بمنطق الانفعال أو القطيعة الفورية، بل بمنطق كسر التوازنات التي تعدها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
وأوضح ياووز في تصريح لـ"الاستقلال" أن الرياض لا ترغب في تدمير العلاقة مع الإمارات كدولة، لكنها قررت الانتقال من مرحلة الصمت إلى المواجهة السياسية المباشرة مع مركز القرار في أبوظبي، والشخص الذي يمثّل نقطة التوتر، وهو محمد بن زايد.
وأكد أن الصراع الحقيقي ليس بين دولتين فقط، بل بين مشروعين متعارضين في المنطقة؛ حيث يدور التوتر حول صراع نفوذ بين محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، على شكل النظام الإقليمي ومن يملك الكلمة العليا في الخليج والعالم العربي.
وأشار ياووز إلى أن الإعلام السعودي حين يذكر "أبوظبي" بشكل مباشر، فإنه يرسل رسالة واضحة إلى رأس السلطة الفعلية وصانع القرار، محاولًا تسمية الخصم بدقة ومنع تضليل المسؤولية داخل كيان أوسع.
وشدّد على أن استخدام مصطلح "أبوظبي" يقصد به محمد بن زايد مباشرة، بعدها صاحب السياسات التي تتصادم مع مصالح السعودية في اليمن والمنطقة.
وبيّن أن هذا الاستخدام اللغوي والسياسي مقصود ومتعمد، مشيرًا إلى أن الرياض لا ترى مصلحتها في دفع بقية الإمارات وحكام الشمال إلى معركة لا تعنيهم، ولا تريد تحويل الخلاف مع محمد بن زايد إلى مواجهة شاملة مع المجتمع الإماراتي أو إمارات أخرى لا تملك قرار التصعيد.
وختم ياووز تصريحه بأنّ السعودية ترسم خطوط صراع واضحة: من يهدد أمنها سيواجه، ومن لا يتورط في هذا المسار لن يكون جزءًا من المواجهة.
وأضاف أن هذا الأسلوب يضع القيادة في أبوظبي، خاصة محمد بن زايد، أمام اختبار داخلي صعب؛ إذ أصبح مكشوفًا ولا يمكن له الاختباء وراء الاتحاد أو شعارات الوحدة الخليجية.














