كيف يهدد التحالف المحتمل بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد التفوق الجوي لإسرائيل؟

"الانضمام للتحالف يعكس إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة"
"من كان يتصور أن المشهد الجيوسياسي لعام 2026 سيبدأ بتأسيس تحالف عسكري عابر للأقاليم"، بهذه العبارة استهل موقع صيني حديثه عن الأنباء المتداولة في الإعلام الغربي حول سعي تركيا للانضمام إلى التحالف الدفاعي الإستراتيجي الموقع بين السعودية وباكستان في سبتمبر/ أيلول 2025.
وشدد موقع “سوهو” على أهمية هذا التحالف قائلا: "إذا ما اجتمعت هذه الدول الثلاث في نهاية المطاف، فإنها ستشكل عملاقا عسكريا إسلاميا يمتد عبر جنوب آسيا والشرق الأوسط، بل وعبر القارات، بما يشبه ولادة (ناتو) جديد في الشرق الأوسط".
ولفت إلى أن "الأمر ليس مجرد توقيع اتفاقية دفاعية، بل هو إشارة إلى نهاية حقبة، أي انهيار بنية الأمن التي يقودها حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة".
وفي خضم هذه اللعبة الكبرى، أشار إلى "متغير حاسم يطفو بهدوء على السطح، يتمثل في مقاتلة الشبح الصينية (J-35) التي تمتلكها باكستان، وهو ما يعني نهاية التفوق الجوي الإسرائيلي في الشرق الأوسط".
التكامل الذهبي
وأشار التقرير إلى أن قوة هذا التحالف المحتمل "تكمن في قدرته على تحقيق تكامل مثالي للموارد، مما يخلق دائرة مغلقة يصعب على أي خصم تجاهلها".
وتابع: "فالسعودية تملك المال؛ إذ تعد أكبر مصدر للنفط في العالم، وتتمتع بقدرة مالية شبه غير محدودة على التعبئة، وفي زمن الحروب عالية التقنية، يعني توفر التمويل الضخم القدرة على خوض حروب استنزاف طويلة الأمد وشراء أحدث التجهيزات العسكرية".
أما تركيا، فأشار إلى أنها "تمتلك القوة العسكرية، فهي صاحبة ثاني أكبر جيش نظامي داخل الناتو، وقد أظهرت خلال سنوات القتال الفعلي الأخيرة -سواء في الحرب السورية أو في نزاع إقليم قره باغ- تفوقا لافتا في تكتيكات الطائرات المسيرة، إضافة إلى امتلاكها منظومة صناعات دفاعية ناضجة وفعالة".
"وأخيرا، تمتلك باكستان التكنولوجيا، فهي دولة تمتلك الردع النووي وتكنولوجيا صاروخية متطورة، ما يجعلها قادرة على الاكتفاء الذاتي عسكريا، والأكثر أهمية من ذلك أنها تمثل البوابة الأولى لتصدير التكنولوجيا العسكرية الصينية المتقدمة إلى العالم"، بحسب التقرير.
في مثل هذا الوضع، "يشكل اجتماع هذه الدول الثلاث حلا عمليا لمعضلة التشرذم التي يعاني منها العالم الإسلامي".
وأبرز الموقع قوة اصطفاف هذه الدول الثلاث معا، مشيرا إلى أن هذا التحالف "ليس مجرد خطوة عابرة أو مناورة محدودة، بل هو مشروع ضخم وصفته بعض وسائل الإعلام بـ (الناتو الإسلامي)، لما يتمتع به من مقومات قوة ملموسة".
وأوضح هذه المقومات قائلا: إن المعطيات الديموغرافية والاقتصادية وحدها تكشف حجمه، فعدد سكانه نحو 370 مليون نسمة، مع ناتج محلي إجمالي يقارب 3.2 تريليونات دولار، ما يمنحه وزنا وتأثيرا بارزا على الساحة الدولية".
“باختصار، يمكن القول إن هذا التحالف يقوم على ما يشبه (التكامل الذهبي) بين عناصر القوة الأساسية”. وفق وصفه.
من جانب آخر، لفت الموقع إلى أن هذا التحالف "يُعد نتيجة حتمية لتحسن العلاقات بين تركيا والسعودية".
وتابع موضحا: "فبعد أن كانت الدولتان خصمين يتنافسان على النفوذ السني، اختارت الدولتان طي صفحة الخلاف، وعقدتا الاجتماع التنسيقي الأول للتعاون بين القوات البحرية التركية والسعودية بأنقرة في يناير/ كانون الثاني 2026، ما يُظهر تعميق الثقة العسكرية المتبادلة بينهما".
وبالتالي، يقدر أن "انضمام أنقرة لهذا التحالف خطوة حاسمة في انتقال هذه العلاقة من مرحلة الانفراج الدبلوماسي إلى مرحلة التماسك العسكري".
وحول تداعيات هذا التحالف المحتمل على استقرار الشرق الأوسط ومنطقة جنوب آسيا، توقع التقرير أنه "إذا ما تشكل التحالف الثلاثي بشكل رسمي، فسيترك أثرا مزلزلا على المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط".
وفي الوقت نفسه، أشار إلى أن "هذه التطورات تأتي بينما توصلت باكستان والهند حديثا إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، في حين لا تزال العلاقات بين باكستان وأفغانستان مشوبة بالتوتر".
وفي هذا السياق، لفت إلى أن "وجود هذا التحالف سيجعل الأمن في جنوب آسيا والشرق الأوسط مترابطا بشكل غير مسبوق، الأمر الذي يزيد من عوامل عدم الاستقرار الإقليمي ويضاعف تعقيدات المشهد الأمني".

استقلال إستراتيجي
وحمّل الموقع واشنطن مآلات هذا الواقع الجديد الذي يتشكل، قائلا: إن "السياسات الخارجية للرئيس دونالد ترامب، وما أحدثته من اهتزاز في موقع الولايات المتحدة كقوة مهيمنة عالميا؛ دفعت دولا إقليمية إلى البدء بتجميع قواها والسعي بشكل أكثر استقلالية لموازنة النفوذ الأميركي والإسرائيلي".
"وهكذا، يبدو أن المكانة الأميركية التقليدية لم تعد قابلة للاستمرار بالزخم ذاته، في وقت تمضي فيه دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها السعودية وتركيا وباكستان، بخطوات ثابتة نحو صياغة أجندتها الأمنية الخاصة، والتقدم نحو مستقبل أكثر استقلالا عن الهيمنة الخارجية"، وفقا له.
وكما أشار الخبير التركي مصطفى أوزجان، فإن "انحياز الولايات المتحدة المتزايد لمصالحها الخاصة ولإسرائيل في قضايا المنطقة دفع هذه الدول إلى إدراك حقيقة أساسية: لا سبيل لضمان الأمن سوى عبر بناء آلية دفاعية خاصة بهم، تحدد بوضوح من هو الصديق ومن هو العدو".
وتوسع الموقع في الحديث عن سياسات ترامب التي أفضت في نهاية المطاف لإعادة تشكيل التحالف في الشرق الأوسط.
وقال: "بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، باتت التزاماته العسكرية تجاه حلف الناتو أكثر غموضا واضطرابا".
وأضاف: "كما أن حديثه عن الاستيلاء على جزيرة غرينلاند شكّلت عاملا إضافيا قد يسرع من تفكك الحلف، وهو ما جعل حالة عدم اليقين هذه بمثابة محفز مباشر لولادة التحالف الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان".
"فتركيا، بوصفها عضوا في الناتو، حين تسعى علنا للانضمام إلى تحالف عسكري خارج إطار الحلف، فإنها في الواقع تكتب شهادة وفاة الناتو بيدها"، وفق تعبيره.
"أما موقف ترامب من تصدير مقاتلات (F-35) إلى السعودية وتركيا، فلا يزال محكوما بالمنطق التجاري ذاته: تريدون الطائرات؟ لا مانع، لكن مقابل رسوم جمركية مرتفعة، وتنازلات دبلوماسية، وولاء غير مشروط"، يقول الموقع.
وتابع: "هذه الضبابية في السياسة الخارجية، هي التي فتحت على نحو مفارق المجال أمام (J-35)، فعندما ترى السعودية وتركيا أن باكستان قادرة على الحصول على أحدث تقنيات التخفي دون عوائق سياسية، تصبح باكستان بلا شك مصدر الإشعاع التكنولوجي داخل هذا التحالف".
ومن هنا، يرى أن "النواة الأولى لتحالف الدفاع التركي الباكستاني السعودي قد تشكلت داخل فراغ القوة الذي نشأ في مرحلة (ما بعد الناتو)".
![]()
منطق المرحلة
وتطرق الموقع الصيني للحديث عن موقع أنقرة في الشرق الأوسط حال إنشاء التحالف الثلاثي، قائلا "مع اتحاد هذه القوى، ستحتل تركيا موقع القيادة في مجال الصناعات الدفاعية، وستكون قادرة على دمج القوى السنية في الشرق الأوسط بصورة أوسع".
ولفت إلى أنه "إذا ما أضيف إلى ذلك الدعم الذي تحظى به تركيا من الحكومة الليبية، ومن نظام أحمد الشرع في سوريا، إضافة إلى أذربيجان وغيرها من الدول، فإن نطاق النفوذ التركي سيغدو واسعا على نحو استثنائي، بما يكفي لتشكيل ركيزة إستراتيجية كبرى في الشرق الأوسط".
من منظور آخر، قدر الموقع أن تركيا "تطمح إلى استغلال هذه الفرصة للتحرر من اعتمادها على الناتو".
وعزا ذلك قائلا: "فالحلف، في صورته الحالية، فقد الكثير من حيويته السابقة، كما أن تركيا أصبحت منذ وقت طويل دولة مهمشة داخل بنيته".
في هذا الصدد، أوضح الموقع أنه "مع تقدم تركيا على طريق الهيمنة الإقليمية، فإن خصمها الأكبر يبقى إسرائيل دون شك".
وتابع: "العالم كله يدرك أنه في حال اندلاع مواجهة بين تركيا وإسرائيل، فإن الناتو لن يقف إلى جانب أنقرة".
بل إن الموقع يعتقد أن "الولايات المتحدة لن تكتفي بعدم دعم تركيا، وإنما قد تميل إلى مساندة إسرائيل".
في هذا السياق، يذّكر أنه "سبق لإسرائيل أن وجهت تحذيرات علنية مفادها أنها، بعد الانتهاء من التعامل مع إيران، ستضع تركيا على قائمة أهدافها التالية".
ومن هنا، "تجد تركيا نفسها مضطرة إلى البحث عن حلفاء جدد أقوياء، ويأتي الانضمام إلى تحالف السعودية وباكستان بوصفه الخيار الذي يفرضه منطق المرحلة".
إذ يقدر أنه "في حال اندلاع صدام مستقبلي بين تركيا وإسرائيل، فإن دعم هذا التحالف سيحول دون وقوع تركيا في عزلة كاملة".
ويرى الموقع الصيني أن "هذا الصدام آت لا محالة: مع استمرار إسرائيل في إزاحة خصوم محتملين واحدا تلو الآخر، يبدو أن المواجهة بينها وبين تركيا باتت مسألة وقت".
ولذلك، لفت إلى أنه "خلال الاضطرابات الداخلية في إيران، قامت إسرائيل بدعم تسلل جماعات كردية مسلحة إلى الداخل الإيراني، في حين اختارت تركيا أن تقدم معلومات استخباراتية لإيران، ساعدتها على القضاء على تلك الجماعات الكردية بشكل كامل".
واستطرد: "لماذا فعلت تركيا ذلك، لأن الجميع يدرك أن سقوط إيران سيجعل تركيا الهدف التالي بلا أدنى شك".
في المحصلة، فإن "سعي تركيا للانضمام إلى تحالف الدفاع الباكستاني السعودي يعكس إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة".
وفي ختام تقريره، تحدث "سوهو" عن أبرز التحديات التي تواجه عملية تشكيل التحالف، وقال: "رغم أن مصالح الدول الثلاث تبدو مترابطة بشكل متين، إلا أن التحالف لا يزال في مرحلة المشاورات، ما يعني أن أمامه عقبات عديدة تتعلق بتنسيق المصالح الداخلية والتعامل مع تدخلات القوى الخارجية".
وتابع: "يواجه هذا التحالف تحديات واقعية معقدة، فأنظمة التسليح لدى الدول الثلاث متنوعة؛ حيث تجمع بين الأسلحة الصينية والأميركية".
وبحسبه، فإن "هذا الأمر الذي يجعل مسألة التنسيق في التدريبات المشتركة مستقبلا، إضافة إلى تحقيق التوازن بين المصالح الصينية والأميركية؛ اختبارا صعبا لحكمة هذه الدول في إدارة دبلوماسيتها وتنسيقها العسكري".
واستطرد: "وأي خطأ في هذا المجال قد يفتح الباب أمام خلافات داخلية تهدد تماسك التحالف".
مع ذلك، وبغض النظر عن النتيجة النهائية، يقدر الموقع أن "الاتجاه العام بات واضحا؛ إذ إن بنية الأمن في الشرق الأوسط تودع حقبة الهيمنة الأميركية، وتتجه نحو مرحلة جديدة تقوم على التعددية وتوازنات القوى المتداخلة".















