ليبيا على وقع اغتيال سيف الإسلام القذافي.. تحقيقات وأسئلة مفتوحة

شدوى الصلاح | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

في تحوّل مفاجئ هزّ الأوساط الليبية، لقي سيف الإسلام، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، مصرعه في مقر إقامته بمدينة الزنتان جنوب غربي العاصمة طرابلس، إثر عملية إطلاق نار غامضة لم تُكشف بعد الجهة التي تقف خلفها.

ونقلت وكالة الأنباء الليبية، في 3 فبراير/شباط 2026، تدوينة نشرها عبد الله عثمان، مستشار ورئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي والمقرّب منه، أكد فيها مقتل القذافي الابن، واصفًا عملية الاغتيال بأنها «غادرة وجبانة نفذتها أيدٍ آثمة».

وأفادت وسائل إعلام بأن المعلومات المتوفرة تؤكد مقتل سيف الإسلام جراء إطلاق نار في مدينة الزنتان، حيث كان يقيم منذ نحو عشرة أعوام.

وكشف رئيس الفريق السياسي لسيف الإسلام، في بيان لاحق، أن عملية الاغتيال نُفذت باقتحام أربعة مسلحين مجهولين لمنزله في مدينة الزنتان (نحو 200 كيلومتر جنوب غربي العاصمة طرابلس)، ظهر يوم 3 فبراير.

وأضاف البيان أن أربعة ملثمين «غادرين» اقتحموا مقر إقامته، وعمدوا إلى إطفاء كاميرات المراقبة «في محاولة بائسة لطمس معالم الجريمة»، مشيرًا إلى أن سيف الإسلام دخل معهم في اشتباك مباشر «مقبلًا غير مدبر، حتى اختاره الله إلى جواره».

من جهته، وصف محامي سيف الإسلام، الفرنسي مارسيل سيكالدي، عملية القتل بأنها نفذت على يد «فرقة كوماندوز من أربعة أفراد» داخل منزله في الزنتان، موضحًا لوكالة الصحافة الفرنسية أنه علم، قبل نحو عشرة أيام، من أحد المقربين من سيف الإسلام، بوجود «مشاكل تتعلق بأمنه».

كما ندّد موسى إبراهيم، المتحدث السابق باسم نظام القذافي، بالعملية واصفًا إياها بـ«الفعل الغادر»، مشيرًا إلى أنه تحدث إلى سيف الإسلام قبل يومين من مقتله. وكتب إبراهيم على منصة «إكس» أن سيف الإسلام «كان يريد ليبيا موحّدة وذات سيادة وآمنة لجميع سكانها، لقد اغتالوا الأمل والمستقبل وزرعوا الكراهية».

تبرؤ وتنصل

وعقب استكمال الفحص الأولي للجثمان، أكد مكتب النائب العام الليبي أن وفاة سيف الإسلام نتجت عن إصابات مباشرة بأعيرة نارية قاتلة.

وأعلن المكتب استمرار الجهود «للبحث عن أدلة الواقعة، وحصر دائرة المشتبه بارتكابهم الجريمة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإقامة الدعوى العمومية بحقهم».

وفي ردٍّ على ما جرى تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، نفى اللواء 444 قتال، التابع لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية ومقرها طرابلس، أي صلة له بمقتل سيف الإسلام القذافي.

وأعلن اللواء، في بيان، نفيه «القاطع» علاقته بالاشتباكات التي شهدتها مدينة الزنتان، وما رافقها من أنباء عن مقتل سيف الإسلام، مشددًا على أنه لم تصدر أي تعليمات رسمية بشأن ملاحقته، وأن هذا الأمر «ليس ضمن مهامه الأمنية أو العسكرية».

وأضاف البيان أن اللواء لا يملك أي قوة عسكرية أو انتشار ميداني داخل مدينة الزنتان أو في نطاقها الجغرافي، ولم يتلقَّ أي أوامر تتعلق بملاحقة سيف الإسلام القذافي.

في المقابل، لم تصدر أي جهة حكومية أو قضائية في شرق البلاد أو جنوبها روايات مؤكدة أو نهائية بشأن ملابسات مقتله، لا سيما أن مكان وجوده لم يكن معلومًا إلى حين الإعلان عن وفاته.

وسيف الإسلام هو النجل الثاني لمعمر القذافي، وُلد عام 1972، وتلقى تعليمه داخل ليبيا، وتخصص في الهندسة والعلوم السياسية، وحصل على درجة الدكتوراه من إحدى الجامعات الدولية. ويُعد من أكثر أبناء القذافي انخراطًا في العمل السياسي، وقدم نفسه لسنوات بوصفه شخصية إصلاحية داخل نظام والده.

وكان سيف الإسلام الوحيد من أبناء القذافي الذي سعى للعودة إلى المشهد السياسي، بعدما قُتل ثلاثة من أشقائه خلال ثورة فبراير/شباط 2011، بينهم المعتصم بالله، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي.

وعُدّ لفترة طويلة الخليفة المحتمل لوالده قبل سقوط النظام عام 2011، وكان الشخصية الثانية في هرم السلطة، وظهر مرارًا على شاشات التلفزيون مدافعًا عن النظام، ومهددًا منتقديه من الثوار.

ومثل سيف الإسلام أمام القضاء الليبي بين عامي 2012 و2013، وصدر بحقه حكم بالإعدام رميًا بالرصاص عام 2015 بتهم تتعلق بقمع متظاهري الثورة، كما أنه مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتوجد بحقه مذكرة توقيف دولية عبر «الإنتربول».

وكان قد اعتُقل في جنوب ليبيا واحتُجز لفترة طويلة لدى مجموعة مسلحة في مدينة الزنتان، التي رفضت تسليمه للقضاء، قبل أن تفرج عنه عام 2017. ومنذ ذلك الحين عاش في الزنتان وسط حراسة مشددة، مع ظهور إعلامي محدود خشية الاعتقال أو الاستهداف.

وعاد اسمه إلى الواجهة السياسية عندما أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية الليبية عام 2021، وقدّم أوراق ترشحه في مدينة سبها جنوبي البلاد، وسط إجراءات أمنية مشددة، معتمدًا على دعم أنصار النظام السابق، غير أن الاستحقاق الانتخابي تأجل.

 ملابسات الجريمة

في غضون ذلك، استنكر ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي اغتيال سيف الإسلام القذافي، عبر تغريداتهم وتدويناتهم على منصتي «إكس» و«فيسبوك»، مستخدمين وسومًا عدة أبرزها: #سيف_الإسلام_القذافي، #ليبيا، #طرابلس، #الزنتان، ويرون أن الحادثة تأتي في ظل تعقيدات المشهدين الأمني والسياسي في البلاد.

وعدّ أكاديميون وناشطون اغتيال سيف الإسلام القذافي جريمة نكراء لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، وانتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان، بغضّ النظر عن طبيعة الخلاف السياسي أو الخصومة معه. وقدّموا تعازيهم لذويه وأنصاره، مطالبين بفتح تحقيق عاجل وشامل لكشف ملابسات الجريمة، وتحديد الجناة، ومحاسبتهم وفق القانون.

من المستفيد؟

وفي موازاة الإدانات، برزت تساؤلات حول الجهة المستفيدة من تغييب نجل القذافي عن المشهد السياسي، وإضعاف التيار الموالي للنظام السابق. 

وحذّر مراقبون من أن إزاحة سيف الإسلام، ولا سيما في هذا التوقيت الحساس، قد تسهم في تعميق حالة عدم الاستقرار، وتفاقم الانقسام السياسي في البلاد.

 

المصالحة الوطنية

وتحدّث ناشطون عن المكانة الرمزية والسياسية التي كان يتمتع بها سيف الإسلام القذافي، ودوره في محاولات الدفع باتجاه المصالحة الوطنية. وأشاروا إلى أن اغتياله يُفقد المشهد الليبي أحد أبرز الوجوه القادرة على إعادة إنتاج شرعية سياسية لأنصار النظام السابق، ويرون أن الخاسر الأكبر من هذه الجريمة هو الشعب الليبي.

أصابع اتهام

في المقابل، وجّه صحفيون وإعلاميون اتهامات متباينة لجهات داخلية وخارجية بالضلوع في عملية الاغتيال. وبينما حمّل بعضهم مسؤولية الجريمة لأجهزة أمنية وميليشيات مسلحة، ذهب آخرون إلى اتهام أطراف إقليمية بالتدخل في الشأن الليبي، وسط ترقّب لإعلان رسمي يكشف الجهة المنفذة والدوافع الحقيقية للعملية.

حفتر الإمارات

واتهمت أصوات إعلامية وناشطة المشير خليفة حفتر، المدعوم إماراتيًا، بالاستفادة من إقصاء سيف الإسلام عن المشهد، وترى أن غيابه يعزز فرص حفتر السياسية في ظل تراجع عدد المنافسين المحتملين.

ورأى هؤلاء أن الاغتيال يخدم إعادة رسم موازين القوى، ويقوّي نفوذ معسكر بعينه على حساب مسارات التوافق الوطني.

سلسال القذافي

ورأى محللون أن اغتيال سيف الإسلام القذافي قد يمثّل نهاية فعلية لحضور عائلة القذافي في الحياة السياسية الليبية، وإغلاقًا لصفحة امتدت لعقود.

ويرى هؤلاء أن مقتله يبدّد آمال عودة أبناء النظام السابق إلى السلطة، ويُنهي سيناريو كان حاضرًا في حسابات التوازنات السياسية الليبية.