زيارة ثانية لبولس بشأن الصحراء.. واشنطن تضغط على الجزائر أم المغرب؟

"عقب نشوة المغرب، قرار مجلس الأمن لم يفضِ إلى أي تقدم فعلي، وملف الصحراء الغربية ما يزال متوقفا في مكانه"
تواصل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساعيها الدبلوماسية للتأثير في قضايا المنطقة المغاربية والإفريقية، ومنها النزاع القائم حول قضية الصحراء الغربية بين المغرب وجبهة البوليساريو الانفصالية.
وفي هذا الصدد، حل مستشار الرئيس الأميركي لشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، مسعد بولس، في 26 يناير/كانون الثاني 2026 بالجزائر، من أجل بحث أهم الملفات الإقليمية العالقة وتطورات ملف نزاع الصحراء الغربية.
ويقترح المغرب حكما ذاتيا موسعا في الإقليم تحت سيادته، بينما تدعو جبهة "البوليساريو" إلى استفتاء لتقرير المصير، وهو طرح تدعمه الجزائر التي تستضيف لاجئين من الإقليم.
وفي 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، صوت مجلس الأمن الدولي لصالح قرار أميركي يدعم مبادرة الرباط للحكم الذاتي في إقليم الصحراء.
زيارة ثانية
وأعلنت السفارة الأميركية في الجزائر عن هذه الزيارة الثانية التي يقوم بها بولس منذ تعيينه عقب إعادة انتخاب دونالد ترامب، مؤكدة أنّ الزيارة تندرج في إطار تعزيز الشراكة الثنائية والعمل المشترك من أجل السلام والازدهار في المنطقة.
فيما أعلنت وزارة الخارجية الجزائرية في 27 يناير، عن استقبال بولس من قبل وزير الشؤون الخارجية أحمد عطاف، وعقدهما للقاء منفرد تلاه اجتماع موسع بين وفدي البلدين.
وذكرت الخارجية أن هذا اللقاء شكّل فرصة لاستعراض مختلف جوانب العلاقات الجزائرية-الأميركية، والتباحث حول السبل الكفيلة بتعزيزها والارتقاء بها إلى أعلى المستويات الممكنة.
وأضافت "كما تبادل الطرفان وجهات النظر بشأن أبرز القضايا الراهنة في العالم العربي والقارة الإفريقية، لا سيما تطورات الأوضاع في كل من ليبيا، الساحل والصحراء، وكذا الصحراء الغربية".
وفي اليوم نفسه، أعلنت الرئاسة الجزائرية عن استقبال الرئيس عبد المجيد تبون لمستشار الرئيس الأميركي.
وأعلنت إدارة ترامب رغبتها في إنهاء النزاع حول الصحراء الغربية، مؤكدة اعترافها بمغربية الإقليم وسيادة الرباط عليه ودعمها لمقترح الحكم الذاتي.
في المقابل، تطالب جبهة البوليساريو بحق تقرير المصير، والتي تحظى بدعم سياسي ومالي وعسكري من قبل الجزائر، كما تحتضن الأخيرة مخيمات اللاجئين الصحراويين بمنطقة تندوف جنوب البلاد.
وتأتي هذه التطورات في سياق تنفيذ مضامين القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن الدولي شهر أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي جدد التأكيد على أولوية التوصل إلى حل سياسي واقعي وعملي ودائم وقائم على التوافق بخصوص نزاع الصحراء.
ودعا جميع الأطراف إلى الانخراط بحسن نية في العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة، كما شدد القرار على الدور المركزي للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة في تيسير المفاوضات، وعلى أهمية مشاركة جميع الأطراف المعنية، بما فيها الدول المجاورة، بما يعكس الطابع الإقليمي للنزاع.
وتعد الجولة المرتقبة من المفاوضات محطة أساسية قبل جلسة مجلس الأمن المنتظرة في أبريل/نيسان 2026، والتي يفترض أن تشكل موعدا لتقييم مدى التقدم المحرز في العملية السياسية، استنادا إلى التقرير الدوري للأمين العام للأمم المتحدة، وإحاطة المبعوث الشخصي حول نتائج المشاورات واللقاءات التمهيدية.
كما يُتوقع أن تنظر هذه الجلسة فيما إذا كانت الدينامية الجديدة قد أسهمت في كسر حالة الجمود التي وسمت الملف خلال السنوات الأخيرة، أو أنها ستعيد إنتاج نفس المعادلات السابقة.
“موافقة مبدئية”
شكل لقاء المسؤول الأميركي مادة خصبة لتفاعلات واسعة بشأن توقيتها ورسائل واشنطن منها، لا سيما ما تعلق بملف الصحراء، والإدارة الأميركية لإنهاء الملف.
وفي هذا الصدد، قال الناشط السياسي الجزائري وليد كبير: إن مصادر موثوقة أكدت أن الاجتماع الذي جرى بين أحمد عطاف ومسعد بولس حمل تغييرا في موقف الجزائر بشأن الصحراء.
وأضاف وليد في تدوينة عبر فيسبوك في 27 يناير، أن المصادر شددت أن "الجزائر أبدت موافقة مبدئية على المشاركة في اللقاء التمهيدي الأول برعاية أميركية، والذي سيجمع الأطراف على أساس الحكم الذاتي بالصحراء تحت السيادة المغربية مثلما نص عليه قرار مجلس الأمن رقم 2797".
بدوره، نشر موقع "أخبار الجزائر" تحليلا في 27 يناير، حول خلفيات عودة "مبعوث ترامب" إلى الجزائر، مشددا على أن الزيارة الثانية تناولت "ملفات ثقيلة"، وأنها تأتي في "توقيت سياسي حساس".
وذكر المصدر ذاته أن السفارة الأميركية أعلنت أن الزيارة تأتي تحت عنوان "الشراكة والازدهار"، لكن الكواليس تشير إلى ما هو أعمق من ذلك، ومنها مساعي واشنطن لـ"تطبيع العلاقات بين الجزائر والرباط".
ورأى الموقع أن الولايات المتحدة تبعث برسالة مفادها، أن الباب ما يزال مفتوحا لحوار يرضي الأطراف في نزاع الصحراء الغربية، بغية إيجاد صيغة توافقية لهذا النزاع الذي قارب عمره نصف قرن.
في المقابل، يردف الموقع "تواصل الجزائر التمسك بموقفها التاريخي: القضية هي تصفية استعمار، والحل يمر حصرا عبر تمكين الشعب الصحراوي من حقه المشروع في تقرير المصير، بعيدا عن أي صفقات سياسية لا تحترم الشرعية الدولية".
قراءة مغربية
من جهته، يرى رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، عبد الفتاح البلعمشي، أن مباحثات بولس مع المسؤولين الجزائريين تندرج ضمن السياق الطبيعي للعلاقات الدبلوماسية التي انتهجتها السياسة الخارجية الأميركية أخيرا في منطقة شمال إفريقيا.
وأبرز البلعمشي لـ "الاستقلال" أنه "لا يمكن فصل هذه التحركات عن الموقف الأميركي الثابت من قضية الصحراء والإقرار الصريح بمغربية الصحراء".
ويعزي المتحدث ذاته هذا القول إلى "كون مستشار الرئيس الأميركي سبق أن حدّد، في تصريحات سابقة، سقوفا واضحة للتفاهم مع الجزائر وضبط مسار العلاقات الجزائرية-الأميركية انطلاقا من تسوية ملف الصحراء، بوصفه مدخلا أساسيا نحو الطي النهائي لهذا النزاع الإقليمي".
وعرج البلعمشي على ذكر أن هذا التوجه الأميركي تجلى بشكل واضح في قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي دفعت في اتجاهه الولايات المتحدة بوصفها صاحبة القلم، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، "تطورا نوعيا وهاما في موقف واشنطن من نزاع الصحراء".
وفي السياق ذاته، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض أن تداعيات هذا الموقف الأميركي ستظل حاضرة بقوة ضمن أولويات المباحثات الجارية مع الجزائر، خاصة في ظل غياب التجاوب الكافي من الطرف الجزائري مع السقوف التي وضعتها الإدارة الأميركية إلى حدود الساعة.
واستدرك، ورغم ذلك، تمتلك واشنطن أوراقا وملفات متعددة للضغط، من شأنها دفع الجزائر نحو تفعيل المواقف الأميركية المعلنة. مشددا على أن "مقاربة الولايات المتحدة لا تقتصر على ملف الصحراء فقط، بل تقوم على ربطه بملفات اقتصادية وأمنية وجيوسياسية أوسع".
بدوره، يرى الكاتب السياسي المهتم بقضية الصحراء، عبد القادر بريهما، أن وصول بولس إلى الجزائر يأتي في سياق إقليمي بالغ الحساسية، يعكس عودة الزخم الأميركي لملفات شمال إفريقيا وإعادة ترتيب أولويات الشراكات الإستراتيجية بالمنطقة.
ورأى بريهما، وهو ناشط سياسي بمدينة العيون، عاصمة الأقاليم الجنوبية للمغرب، أن الطابع الرسمي الهادئ للزيارة لا ينفي أن توقيتها كفيل بإعطائها حمولة سياسية واضحة تتجاوز المجاملات الدبلوماسية المعتادة.
وأشار الكاتب في مقال رأي نشره موقع "العمق المغربي" بتاريخ 27 يناير 2026، أن التعاطي الإعلامي الجزائري اتسم بالتحفظ الشديد والصمت المريب تجاه الزيارة. وفق قوله.
ويرى بريهما أن "هذا البرود يوحي بوجود حرج سياسي إزاء مضامين الزيارة، خاصة في ظل تراكم مؤشرات سابقة تجعل من الصعب فصلها عن ملف الصحراء المغربية ومساراته داخل المؤسسات الدولية".
وأكد الناشط السياسي أن الزيارة تبدو قرب إلى مهمة سياسية واضحة المعالم تهدف إلى إبلاغ مراكز القرار في الجزائر، بأن هامش المناورة حول هذا الملف يضيق، وأن الأفق العملي للتسوية يمر عبر الانخراط الجدي في مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفها الصيغة الوحيدة القابلة للتطبيق والمدعومة دوليا.
وشدد بريهما أن "الرسالة هنا موجهة بالأساس إلى الجزائر بوصفها الطرف المؤثر في توجيه مواقف الجبهة، وليس امتدادا لنقاش تفاوضي مفتوح".
وخلص الكاتب إلى أن "الرسالة الأساسية للزيارة هي أن زمن الشعارات قد ولى، وأن المطلوب اليوم مقاربة واقعية تعطي الأولوية للاستقرار والتنمية، وتضع حدا لنزاع طال أمده على حساب شعوب المنطقة، وعلى رأس ذلك المجتمع الصحراوي الحقيقي شرق الجدار بالأراضي الجزائرية".

"طاولة مستديرة أولية"
تشير معطيات متقاطعة إلى تحركات دبلوماسية تقودها الولايات المتحدة لإطلاق مشاورات تمهيدية حول ملف الصحراء، في إطار غير رسمي وخارج العواصم التقليدية، وبعيدا في هذه المرحلة عن مظلة الأمم المتحدة، بحسب ما أفاد به موقع "أفريك إنتلجنس".
وذكر الموقع في تحليل بتاريخ 23 يناير 2026، أن اللقاء المرتقب بين أطراف القضية يُصمَّم كـ "طاولة مستديرة أولية" لن يُعقد لا في نيويورك ولا في واشنطن، بل في موقع آخر يضمن قدرا أكبر من السرية والتحكم في شكل النقاشات.
ورأى أنه في حال أفضت هذه المشاورات إلى نتائج إيجابية، قد يتسارع الإيقاع الدبلوماسي، مع اعتماد رعاية أميركية مباشرة، على أن يُنظر في إشراك الأمم المتحدة في مرحلة لاحقة من المسار.
وتأتي هذه المقاربة، وفق "أفريك انتلجانس"، في انسجام مع النهج الذي يفضله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والقائم على تحقيق نتائج سريعة وملموسة، مقابل المسار الأممي التقليدي الذي يشرف عليه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا.
وأشار إلى أن مستشار ترامب للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، يتولى إدارة هذا المسار، مع اعتماد موقف وسطي بين الرباط والجزائر.

رد البوليساريو
على الجهة الأخرى، قال ممثل جبهة البوليساريو في إسبانيا، عبد الله العرابي: إن ما أعقب "نشوة المغرب" بقرار مجلس الأمن الأخير، "لم يفضِ إلى أي تقدم فعلي". مؤكدا أن "ملف الصحراء الغربية ما يزال متوقفا في مكانه دون أي تغير".
وأوضح الممثل في منشور لصفحة "نشطاء" عبر فيسبوك في 27 يناير، أن "المغرب لم يقدم أي مقترح حقيقي للحل، ويراهن على كسب الوقت وتكريس الأمر الواقع على الأرض من أجل القفز على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير".
وأكد العرابي أن "حل قضية الصحراء الغربية لا يمكن أن يتجاوز القانون الدولي من خلال إتاحة الفرصة للصحراويين في استفتاء حر و نزيه يقرر من خلاله الشعب الصحراوي مصيره".
بدوره، ذكر المستشار الخاص لدى رئيس جبهة البوليساريو، أبي بشرايا البشير، أن "الولايات المتحدة تبدي اهتماما خاصا في مرافقة طرفي النزاع للوصول إلى حل نهائي على أساس قرار مجلس الأمن الدولي الأخير وكذا المواثيق الدولية".
وقال البشير خلال حوار عبر قناة "فرانس24" في 28 يناير 2026: الإدارة الأميركية تقود العديد من التحركات غير المعلنة بشأن النزاع لتحقيق نتائج عملية.
وشدد القيادي بالجبهة أن "البوليساريو ترفض مقترح الحكم الذاتي المقدم من المغرب، وذلك على أساس مبدئي وقانوني"، ويرى أن المقترح المغربي هو تكريس لسيادة الرباط على المنطقة المتنازع عليها وليس حلا وسطا بين الأطراف.
مرحلة الحسم
يرى الكاتب السياسي عثمان بنطالب، أن "ملف الصحراء المغربية دخل مرحلة العدّ التنازلي، في ظل تحولات دولية متسارعة تؤكد أن مقترح الحكم الذاتي المغربي، في إطار السيادة الوطنية، بات الحل الواقعي والوحيد القابل للتطبيق، بينما تجد جبهة بوليساريو نفسها في مأزق سياسي وقانوني غير مسبوق".
وشدد بنطالب في مقال رأي نشره موقع "الجزائر تايمز" بتاريخ 29 يناير 2026، أن التحول الحالي في القضية "لم يعد مجرد موقف سياسي ظرفي، بل أصبح اتجاها دوليا ثابتا يستند إلى الشرعية القانونية، والمرجعية التاريخية، والواقعية الجيوسياسية، في مقابل تراجع أطروحة الانفصال وانكشاف خلفياتها الإقليمية".
وأشار الكاتب إلى أن وفدا من جبهة البوليساريو قام يومي 22 و23 يناير 2026 بزيارة إلى واشنطن، لكن نتائجها كانت مخيبة للآمال بالنسبة للوفد؛ حيث جدد الجانب الأميركي تأكيد موقفه بشأن حل النزاع على أساس مقترح الحكم الذاتي.
واسترسل، "اللافت أن هذه الزيارة عكست تحولا نوعيا في طريقة التعاطي الدولي مع الجبهة التي لم تعد ينظر إليها كطرف سياسي، بل بات يُنظر إليها كـميليشيا مسلحة تثير مخاوف أمنية وحقوقية متزايدة...".
وشدد بنطالب على أن زيارة بولس تؤكد وفق المعطيات المتوفرة، أن "الجزائر اليوم أمام أمر واقع دولي، وضغوط متزايدة للالتزام بتعهداتها تجاه الولايات المتحدة التي منحتها، وفق تسريبات متطابقة، آجالا محدودة للمساهمة الجدية في إنهاء هذا النزاع المفتعل الذي طال أمده".
وأردف: "تشير المعطيات إلى أن الجزائر وافقت على فتح قنوات تشاور حول هذا الملف، لكنها تفعل ذلك من موقع الإكراه السياسي وليس القناعة".
وخلص إلى أننا أمام لحظة مفصلية في تاريخ هذا النزاع، حيث ينتصر منطق الدولة والاستقرار، وتسقط أوهام الانفصال، ويصبح الحكم الذاتي، في إطار السيادة المغربية، حقيقة سياسية وقانونية لا رجعة فيها.
















