حفتر أم قوى خارجية.. من المستفيد من تصفية سيف الإسلام القذافي وخلط أوراق ليبيا؟

سيف الإسلام القذافي كان يُنظر إليه، قبل عام 2011، بوصفه الوريث المحتمل لوالده
بدت عملية اغتيال سيف الإسلام، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، التي وقعت في 3 فبراير/شباط 2026 بمدينة الزنتان شمال غربي طرابلس، واحدة من أكثر الأحداث غموضًا وإثارة للريبة في المشهد الليبي المضطرب.
فالزنتان، التي لا تخضع لسيطرة سلطة مركزية فاعلة، شكلت مسرحًا مثاليا لعملية اغتيال بلا بصمات واضحة، في وقت لم يكن فيه سيف الإسلام حاضرًا بقوة على الساحة السياسية، باستثناء محاولته الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2021، وهي انتخابات أُلغيت قبل أن ترى النور.
ورغم محدودية تأثيره السياسي الفعلي، قُتل سيف الإسلام لأنه ظل، في نظر خصومه، “رمزًا” لمرحلة ليبية لم تُغلق بعد؛ مرحلة يرى البعض ضرورة دفنها نهائيًا، بينما يرى آخرون في إحيائها وقودًا محتملا لإشعال صراعات جديدة وخلط أوراق المشهد الهش.
في الداخل الليبي، تبادلت أطراف متصارعة الاتهامات، إذ حمّل خصوم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، لا سيما نجله صدام حفتر الصاعد سياسيًا وعسكريًا، مسؤولية الاغتيال، بوصفه خطوة تهدف إلى إخلاء الساحة من “شبح القذافي”، وتضييق هامش الخيارات أمام أي مسار انتخابي محتمل في المستقبل.
وفي المقابل، وجّهت أصابع اتهام أخرى نحو قوى خارجية يُعتقد أن لها مصلحة مباشرة في استمرار الانقسام والفوضى في ليبيا، وهي ذاتها القوى المتهمة بتغذية النزاعات في ساحات إقليمية أخرى، كالسودان واليمن، ضمن صراع أوسع على النفوذ والموارد.
يُذكر أن سيف الإسلام القذافي كان يُنظر إليه، قبل عام 2011، بوصفه الوريث المحتمل لوالده، في سياق موجة “توريث الجمهوريات” التي شملت آنذاك نجل الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، ونجل الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح، قبل أن تُطيح ثورات الربيع العربي بتلك المشاريع وتعيد خلط الحسابات السياسية في المنطقة.
وأحاط الغموض بعملية اغتيال سيف الإسلام القذافي من جميع جوانبها. فقد كان يقيم في مدينة الزنتان، وهي منطقة تُعد تقليديًا محصّنة أمنيًا، ويخضع لحراسة كتيبة “أبو بكر الصديق” المعروفة بقوتها وتنظيمها، واستقلالها النسبي عن كلٍّ من قوات خليفة حفتر وسلطات حكومة طرابلس، ما يثير تساؤلات جدية حول كيفية اختراق هذا الطوق الأمني وتنفيذ العملية.
وحسب المعطيات المتداولة، نُفذت عملية الاغتيال بواسطة أربعة مسلحين فقط، داخل منزل عجمي العتيري، قائد المليشيا المحلية التي كانت تؤوي سيف الإسلام. وتمت تصفيته بسرعة لافتة، في غياب أي مرافقة أمنية تُذكر باستثناء شخص واحد، مع تعمد إطفاء كاميرات المراقبة، وهو ما زاد من غموض العملية ودوافعها الحقيقية.
كما بدا عرض جثمان سيف الإسلام في مؤخرة سيارة من طراز “تويوتا” وتصويره، وكأنه “توقيع علني” على الجريمة أو رسالة مقصودة، قبل أن يختفي المنفذون دون إصدار أي بيان أو تبنٍّ رسمي، ما فتح الباب أمام جميع السيناريوهات والاتهامات المتبادلة.
ومنذ اعتقاله عام 2011، كان سيف الإسلام يتمتع بحماية كتيبة “أبو بكر الصديق”، التي أعلنت عام 2017 الإفراج عنه وتبرئته من التهم الموجهة إليه، وهو ما يجعل مقتله داخل نطاق نفوذها تطورًا بالغ الحساسية.
حتى الآن، لم يصدر أي تصريح رسمي من جهة ليبية أو دولية يحدد المسؤول عن عملية الاغتيال، كما لم تُعلن نتائج تحقيقات تُدين طرفًا بعينه، في حين بدأت أطراف ليبية متنافسة بتبادل الاتهامات على وقع الحادثة.
وأعلنت النيابة العامة الليبية فتح تحقيق رسمي لكشف ملابسات الاغتيال وتحديد هوية الجناة، دون أن تعلن حتى اللحظة نتائج حاسمة أو أسماء مشتبه بهم بشكل قطعي.
وفي هذا السياق، دعا رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، في بيان رسمي، القوى السياسية إلى “انتظار نتائج التحقيقات الرسمية” التي يجريها مكتب النائب العام بشأن مقتل سيف الإسلام القذافي، مؤكدا متابعته القضية “بدقة لضمان عدم الإفلات من العقاب”، ومقرًّا بوجود “مصادر قلق مشروعة”.
كما دعا المنفي “القوى السياسية والإعلامية والاجتماعية إلى ضبط الخطاب العام، ورفض التحريض”، معتبرًا أن الهدف من الاغتيال هو “ضرب جهود المصالحة الوطنية، وعرقلة إجراء انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب قيادته”.
يُذكر أن سيف الإسلام القذافي نجا من الموت مرتين قبل اغتياله الأخير، الأولى عام 2011، حين قُتل شقيقاه، سيف العرب وخميس، في غارات لحلف شمال الأطلسي (ناتو) استهدفت شخصيات بارزة في نظام العقيد الراحل معمر القذافي.
أما المرة الثانية، فكانت بعد إلقاء مليشيات الزنتان القبض عليه أثناء محاولته الفرار متنكرا بزي بدوي باتجاه النيجر، حيث حُكم عليه حينها بالإعدام رميًا بالرصاص بتهمة التحريض على قتل المتظاهرين.
وقضى القذافي قرابة خمس سنوات في سجن بجبال الزنتان، بعدما رفضت المليشيات تسليمه إلى سلطات طرابلس، في ظل صراع محتدم بين المدن الليبية على النفوذ القضائي والسياسي، والسيطرة على الموارد، وفي مقدمتها النفط، أكبر مصادر إيرادات الدولة. لكنه، انتهى قتيلًا في الزنتان ذاتها التي وفّرت له الحماية لسنوات.

من صاحب المصلحة؟
تمحورت غالبية التحليلات التي تناولت اغتيال سيف الإسلام القذافي حول سؤال المستفيد، انطلاقًا من موقعه بوصفه رمزًا للنظام السابق، وما يمثله من ثقل رمزي قادر على إرباك التوازنات الهشة داخل المشهد الليبي.
فقد نظر إليه خصومه كعامل تهديد محتمل، سواء كمرشح «شعبوي» في أي استحقاق انتخابي مقبل، أو كورقة قد تعيد خلط الأوراق في ظل الانقسام القائم بين الشرق والغرب، وربما كخيار وسطي يلقى قبول شريحة من الليبيين، بحسب ما أوردته وكالة «رويترز» في 3 فبراير/شباط 2026.
ورغم غيابه الطويل عن الأضواء، لم يتراجع حضوره السياسي أو الرمزي؛ إذ ظل اسمه حاضرًا في النقاشات المتعلقة بالانتخابات والمصالحة ومستقبل الدولة الليبية المنقسمة.
بالنسبة للبعض، مثّل سيف الإسلام رمزًا لفقدان السيادة واستمرارية الماضي، بينما رآه آخرون إرثًا لا يمكن إصلاحه من الحكم الاستبدادي، وفق موقع «ليبيا أوبزرفر» (4 فبراير 2026).
وذكرت مجلة «جون أفريك» الفرنسية، في تقرير بتاريخ 4 فبراير/شباط 2026، أن سيف الإسلام لم يكن يمتلك طموحات سياسية فعلية، مرجحة أن اغتياله يعود بالأساس إلى كونه «رمزًا سياسيًا ثقيلًا في الذاكرة الليبية».
فقد ظل جزء من الليبيين، حتى عام 2021 حين ترشح للانتخابات الرئاسية، ينظر إليه بوصفه احتمالًا لعودة النظام السابق أو مدخلًا للاستقرار وسط الصراع بين حكومة طرابلس وقوات خليفة حفتر شرق البلاد.
آنذاك، راهن أنصار النظام السابق على بقاء اسم القذافي ذا وزن رمزي داخل ليبيا، وأطلقوا حملة ترويج منظمة صوّرته كإصلاحي محتمل، غير أن مسار ترشحه اتسم بالارتباك، إذ رُفض ملفه ثم قُبل، قبل أن تُلغى الانتخابات برمتها في ظل الانسداد السياسي وعدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، بدا اغتياله وكأنه «اغتيال لرواية كاملة» ونهاية لحقبة سياسية، وفق توصيف الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال الحرشاوي، في حديثه لمجلة «جون أفريك».
فبعد مقتل أشقائه: المعتصم بالله، وخميس، وسيف العرب، لم يبق من أبناء القذافي من أبدى رغبة في لعب دور سياسي سوى سيف الإسلام، ما جعل تصفيته أشبه بمحو آخر رمز لتلك المرحلة.
من جهته، قال الباحث هشام الشلوي لموقع «مدى مصر» (4 فبراير 2026): إن شهرة سيف الإسلام «لا تعود إلى امتلاكه تيارًا سياسيًا منظمًا»، بل إلى قدرته على «سحب مكونات من المقاومة الخضراء من فلك حفتر والدبيبة، وإعادة تشكيل شبكة محسوبيات بديلة خارج سيطرتهما».
وكان رئيس المجلس الأعلى للدولة سابقًا، خالد المشري، قد أشار إلى أن اغتيال سيف الإسلام يصب سياسيًا في مصلحة عدة أطراف فاعلة، من بينها خليفة حفتر ونجله صدام حفتر، دون أن يعني ذلك توجيه اتهام جنائي مباشر.
وأكد، في تصريحات لبرنامج «المسائية» على قناة الجزيرة مباشر (5 فبراير 2026)، أن خروج لاعب بحجم سيف الإسلام يخفف من ازدحام المشهد السياسي، لا سيما في ظل الحديث عن انتخابات مقبلة، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة الفصل بين الاستفادة السياسية والمسؤولية الجنائية، وترك مهمة تحديد الجناة للقضاء.
وأضاف المشري أن نجل القذافي لم يكن، في الفترة الأخيرة، طرفًا داعيًا إلى التصعيد أو المواجهة، حتى بعد عودته الجزئية للمشهد السياسي وتسجيله في انتخابات 2020، ما يجعل اغتياله مثار تساؤل واسع.
وتشير مصادر إعلامية متعددة إلى احتمال تورط ميليشيات محلية متحالفة مع قوى داخل المشهد الليبي المتشظي، سواء من فصائل في الزنتان أو أطراف قبلية وعسكرية رأت في بقائه عائقًا أمام طموحاتها السياسية، في سياق داخلي معقد تتحكم فيه المجموعات المسلحة بمفاصل النفوذ الأمني والعسكري.
وكانت جنازة سيف الإسلام، التي أُقيمت في مدينة بني وليد غربي ليبيا في 6 فبراير/شباط 2025، بمثابة استفتاء قبلي، إذ شهدت حضور آلاف من أنصاره ورفعت خلالها رايات الجماهيرية الخضراء، في مشهد عكس حجم الغضب والحنين لدى شريحة من الليبيين.
ورجّح الصحفي المصري محمد خيال، عبر حسابه على «فيسبوك»، أن يكون الاغتيال قد نُفذ من طرف دولي بأدوات داخلية، في إطار صراع المحاور الإقليمية وتعقيدات المعادلة الأميركية. واعتبر أن الجنازة شكلت ردًا مباشرًا على من قللوا من وزنه السياسي، ودليلًا على أنه كان رقمًا صعبًا في المعادلة الليبية.
وأشار إلى أن سيف الإسلام استطاع، خلال السنوات التي أعقبت الإفراج عنه، بناء تيار لا يُستهان به، خاصة في ضوء التركيبة الجهوية والقبلية، إلى جانب تشكيل شبكة مصالح ضمت متعاطفين مع النظام السابق وناقمين على النخب السياسية التي تعاقبت منذ 2012، فضلاً عن استقطاب مجموعات مسلحة مهمشة بين طرابلس وبنغازي.
في السياق ذاته، قال الصحفي مصطفى بركات، المتخصص في الشأن الليبي، إن «الجميع وافق، بشكل أو بآخر، على التخلص من سيف الإسلام القذافي». موضحًا أن دوافع الخارج تعود إلى كونه «سرّ أبيه» والشاهد الوحيد على الحجم الحقيقي للأموال الليبية المجمدة في الخارج، فضلًا عن امتلاكه معلومات حساسة تتعلق بعلاقات فاسدة مع زعماء أوروبيين.
وأشار إلى وثائق نشرتها وزارة العدل الأميركية، تضمنت مراسلات مرتبطة بالملياردير جيفري إبستين، ناقشت استغلال حالة الفوضى في ليبيا لنهب الأصول المجمدة، بالتعاون مع عناصر من الاستخبارات البريطانية والإسرائيلية، في إطار سعي للسيطرة على أموال تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات.
ويقدّر مسؤولون ليبيون قيمة هذه الأصول بما يصل إلى 200 مليار دولار موزعة على دول أوروبية في شكل ودائع واستثمارات وأصول ثابتة.
ويرى بركات أن أجهزة استخبارات تدرك أن بقاء سيف الإسلام حيًا قد يشكل عقبة أمام مشاريع التقسيم، كونه الشخصية الوحيدة التي حملت خطابًا وحدويًا خارج معسكرات الصراع، فيما رأت أطراف داخلية في اغتياله خطوة لتصفية طريق السلطة شرقًا وغربًا.

هل قتله آل حفتر؟
نظرًا لتمركز قبيلة القذاذفة داخل مناطق نفوذ قوات خليفة حفتر المدعومة إماراتيًا وبدرجة ما مصريًا، ولِما تمثّله عائلة القذافي من رمزية اجتماعية في تلك المناطق، بما قد يتعارض مع نفوذ صدام حفتر الصاعد بوصفه الوريث الفعلي لإدارة شرق ليبيا، وُجّهت أصابع الاتهام نحوه باعتباره أحد المستفيدين المحتملين من تصفية سيف الإسلام.
ونقلت «منصة طبرق» عن مصدر من «كتيبة أبو بكر الصديق» التي كانت تتولى حماية سيف الإسلام سابقًا، قوله إن «صدام حفتر يقف خلف عملية اغتيال نجل القذافي».
وأكد المصدر أن العملية لم تكن اشتباكًا عشوائيًا أو تصفية عرضية، بل تنفيذًا مباشرًا لاستهداف مُسبق، ضمن سلسلة محاولات سابقة ومتكررة لتصفية سيف الإسلام.
وذكر المصدر أن صدام حفتر قاد خلال السنوات الماضية عدة محاولات لتعقّب أو تصفية سيف الإسلام، كان أبرزها ملاحقته في مدينة سبها عقب إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021، عبر قوة تابعة له، قبل أن ينجو بعد تسرب معلومات عن التحرك الأمني الذي كان يستهدفه.
في المقابل، جرى الترويج لاتهامات طالت اللواء 444 قتال التابع لوزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس، بزعم صلته بمقتل سيف الإسلام، غير أن اللواء نفى، في بيان رسمي، بشكل قاطع أي علاقة له بالاغتيال أو حتى بملاحقته في السابق.
وخلال جنازة سيف الإسلام في مدينة بني وليد، ظهر عناصر من اللواء 444 وهم يؤمّنون مراسم التشييع، ويوزعون المياه والعصائر على المشيعين، ويتعاملون معهم باحترام لافت، في مشهد بدا وكأنه رد عملي مباشر على محاولات الزج باسم اللواء في الجريمة.
وعلى النقيض من ذلك، ورغم بيانات التعزية والإدانة الصادرة عن أطراف في حكومة طرابلس، رفضت القوات المسيطرة على شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر دفن سيف الإسلام في مدينة سرت، مسقط رأسه ومركز ثقل قبيلته، وأُفيد بأن صدام حفتر أصدر أوامر بالتعامل الفوري مع أي شخص يرفع علم الجماهيرية الليبية القديم.

وتنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت الواقعة وسط ليبيا، والخاضعة حاليًا لسيطرة قوات حفتر، فيما تقع مدينة بني وليد، التي كان يحظى فيها سيف الإسلام بدعم اجتماعي وسياسي واسع، ضمن نطاق سيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس.
ورغم ذلك، أشارت مجلة «جون أفريك» إلى أن سيف الإسلام كان يدرك محدودية فرصه في مواجهة الجهاز الأمني والعسكري الذي بناه صدام حفتر في شرق البلاد، معتبرة أنه لم يكن منافسًا حقيقيًا له على السلطة.
إلا أن المجلة لفتت إلى أن شائعات التنافس السياسي بين الطرفين جرى توظيفها من قبل أطراف محلية في الزنتان، استخدمت اسم سيف الإسلام كورقة ضغط أو تهديد بين الحين والآخر، وربما مهدت، بشكل غير مباشر، لاغتياله.
ويكتسب توقيت الاغتيال دلالة إضافية، إذ جاء بعد نحو 48 ساعة فقط من اجتماع باريس، الذي جرى بوساطة أميركية، وجمع صدام حفتر، نجل القائد العسكري المسيطر على شرق ليبيا، بابن شقيق رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، في إطار ترتيبات سياسية وأمنية غير معلنة، ما فتح الباب أمام تساؤلات جديدة بشأن خلفيات الجريمة وسياقها الإقليمي والدولي.

تداعيات الاغتيال
يتوقع مراقبون ليبيون أن يؤدي اغتيال سيف الإسلام القذافي إلى زيادة منسوب الاحتقان في المناطق التي كان يتمتع فيها بنفوذ اجتماعي وسياسي، لا سيما في الوسط والجنوب الليبي، مثل الزنتان وبني وليد، وهو ما قد ينعكس سلبًا على أي مسار انتخابي محتمل في المرحلة المقبلة.
ويرى آخرون أن الاغتيال خلّف فراغًا سياسيًا مفاجئًا، إذ كان سيف الإسلام يُعد من أبرز الشخصيات القادرة، نظريًا، على إعادة خلط أوراق التحالفات داخل المشهد الليبي، أو استقطاب جزء من أنصار النظام السابق، ما يجعل تصفيته عاملًا قد يدفع البلاد مجددًا نحو دوامة عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، كتب الفريق السياسي لسيف الإسلام القذافي، عبر صفحته على موقع فيسبوك، أن مقتله جاء «إثر عملية اغتيال غادرة وجبانة نفذتها أيادٍ آثمة في منزله بمدينة الزنتان»، واصفًا الجريمة بأنها «اغتيال لفرص السلام والاستقرار في ليبيا». وأكد البيان أن هذه الجريمة «لن تمر دون ملاحقة ومعاقبة كل من شارك في التخطيط لها وتنفيذها».
في المقابل، قلّل رئيس المجلس الأعلى للدولة السابق، خالد المشري، من احتمالات انفجار الوضع العام أو انزلاق البلاد إلى فوضى شاملة، معتبرًا أن أنصار سيف الإسلام لا يملكون أدوات القوة الخشنة، ولا يشكلون تهديدًا أمنيًا مباشرًا، خاصة أن بياناتهم دعت إلى التهدئة وضبط النفس.
إلا أن المشري حذّر في الوقت ذاته من خطورة تكرار الاغتيالات العلنية، سواء في طرابلس أو غيرها، معتبرًا أن ذلك يعكس انفلاتًا أمنيًا غير مقبول، أو احتمال وجود تواطؤ من جهات أمنية تسعى إلى طمس الأدلة وتعقيد مسارات التحقيق.
وتذهب تقديرات ليبية إلى أن اغتيال نجل القذافي قد يكون مرتبطًا بسيناريوهات سياسية مستقبلية، إذ بسقوطه سقطت ورقة سياسية كانت حاضرة، ولو بشكل رمزي، في مساومات داخلية تستبعد قطبي الصراع التقليدي في الشرق والغرب.
وباغتياله، جرى إقصاء رمز سياسي كان قادرًا، نظريًا، على تجميع قواعد اجتماعية واسعة، لصالح قوى داخلية تسعى إلى إعادة إنتاج الدولة وفق منطق تقاسم النفوذ العسكري والقبلي بدل المسار السياسي، بما يعمّق حالة الفراغ وعدم الاستقرار.
ففي حال ثبت أن اغتياله نفذته ميليشيات تابعة لقوات خليفة حفتر لصالح نجله صدام، الذي تراهن عليه قوى داخلية وخارجية، فإن ذلك يمهّد، على الأقل في شرق ليبيا، لإخلاء الساحة أمام صدام حفتر دون منافس رمزي ذي وزن.
أما إذا كانت الجريمة من تدبير أطراف في الغرب الليبي أو جهات مرتبطة بحكومة طرابلس، رغم غياب أي أدلة أو مؤشرات داعمة لهذا السيناريو، فإن النتيجة ستكون أيضًا إزاحة عنصر ثالث من معادلة الصراع مع حفتر، ودفع جزء من أنصار سيف الإسلام للالتحاق بمعسكر الغرب في مواجهة الشرق.
وفي الحالتين، يبدو أن صدام حفتر هو الأكثر استفادة سياسيًا من إزاحة ورقة سيف الإسلام، إذ يؤدي غيابه إلى إبقاء المشهد السياسي مفتوحًا وملتبسًا، خاصة في حال عودة نجل القذافي إلى سباق الترشح للرئاسة أو المناصب السيادية عن قبيلته في سرت، الواقعة ضمن نطاق سيطرة قوات حفتر.
وتحذر «مجموعة الأزمات الدولية» من أن تصفية الخيارات السياسية تعيد ليبيا إلى مربع الصراع المسلح، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الفرنسية في 4 فبراير/شباط 2026.
ووصفت كلوديا غازيني، محللة الشأن الليبي في المجموعة، توقيت مقتل سيف الإسلام بأنه «غريب»، فيما اعتبر أنس القماطي، رئيس معهد صادق للأبحاث في طرابلس، أن التوقيت كان «صارخًا».
من جهته، قال حسني عبيدي، مدير مركز الدراسات والبحوث حول العالم العربي والمتوسطي في جنيف، إن مقتل سيف الإسلام «يفيد جميع الفاعلين السياسيين» المتنافسين حاليًا على السلطة في ليبيا.
في حين رجّح أنس القماطي احتمال تورط قوى أجنبية، مشيرًا إلى أن «تعقيد العملية، وعدد المنفذين، والقدرة على الوصول إلى الداخل، وتعطيل كاميرات المراقبة، كلها مؤشرات أقرب إلى عمل استخباراتي من كونها عملية ميليشياوية تقليدية».
وعززت هذه الشكوك معلومات نشرتها قناة «العربية»، لا يُعرف مدى دقتها، نقلًا عن مصادر في لجنة التحقيق النيابية، تفيد بالعثور على 19 رصاصة في جسد سيف الإسلام، وبانسحاب الحراسة من محيط إقامته قبل نحو ساعة ونصف من تنفيذ الاغتيال.
ويحذر المحلل المتخصص في الشأن الليبي علاء فاروق من أن يتحول الاغتيال إلى أداة جديدة في الصراع الليبي، متسائلًا عبر حسابه على فيسبوك: «هل يفتح اغتيال سيف القذافي باب الاغتيالات أمام كل من يفكر في الترشح للرئاسة؟ أم أن سيف حالة خاصة استُهدف بسبب مشروعه ورمزيته؟».
وأشار فاروق إلى أن الحديث المتداول عن تخطيط خارجي وخيانة داخلية يضع جميع الأطراف الليبية تحت ضغط ومسؤولية مضاعفة، في ظل قوى خارجية لا ترى مصالحها مع سيف الإسلام، واختارت توقيت الذكرى الخامسة عشرة لثورة فبراير لتنفيذ عملية تصفيته.
المصادر
- Who is behind the killing of late ruler Gaddafi's son, and why now?
- Libye : qui avait intérêt à assassiner Seif el-Islam Kadhafi ?
- Libya's Saif al-Islam Gaddafi, who crushed dissent then sought political comeback, dies at 53
- المشري: اغتيال سيف الإسلام يصب في مصلحة حفتر ونجله
- ابن القذافي ما زال حيا ويريد أن يستعيد ليبيا
















