من الورق إلى الهاتف.. كيف يدير الاحتلال إبعاد عشرات المقدسيين عن الأقصى رقمياً؟

جاءت الرسائل بعنوان "إبعاد عن الأقصى" مرفقة بنسخ رقمية من تلك الأوامر
في سابقة غير معهودة، تلقّى عشرات المقدسيين خلال الأيام الماضية رسائل عبر تطبيق «واتساب» من أرقام تُنسب إلى المخابرات الإسرائيلية، تُبلغهم بصدور قرارات تقضي بإبعادهم عن المسجد الأقصى.
وجاءت الرسائل تحت عنوان «إبعاد عن الأقصى»، ومرفقة بنسخ رقمية من أوامر الإبعاد، تتضمن اسم الشخص المبعد، ورقم هويته، ومدة سريان القرار، ما أحدث صدمة واسعة في الأوساط المقدسية، التي عدت الخطوة تصعيدا نوعيا وخطيرا في سياسة التضييق على المصلين والمرابطين في الحرم القدسي الشريف.

إبعاد رقمي
يلفت مقدسيون استُهدفوا بهذه الإجراءات إلى أن إخطارات الإبعاد وصلتهم بصيغة رقمية، من دون أي استدعاء رسمي مسبق أو تسليم ورقي، في سابقة غير معهودة.
فبضغطة زر واحدة، وجد عشرات أنفسهم ممنوعين من دخول المسجد الأقصى لفترات متفاوتة، تراوحت بين أسبوع وستة أشهر، من دون المرور بالإجراءات المعتادة من تحقيق أو استدعاء إلى مراكز الشرطة أو المحاكم.
ويرى مراقبون أن لجوء ضباط مخابرات الاحتلال إلى تطبيقات المراسلة لإبلاغ قرارات الإبعاد جاء نتيجة الارتفاع الكبير في أعداد المستهدفين ضمن هذه الحملة. فمع اقتراب شهر رمضان المبارك، اختارت سلطات الاحتلال تمرير عشرات أوامر الإبعاد دفعة واحدة عبر الرسائل النصية، اختصارًا للوقت، وتجنبًا لاستدعاء كل شخص على حدة.
ويوفّر هذا الأسلوب الذي بات يُعرف بـ«الإبعاد الرقمي»، وسيلة جديدة للاحتلال لتوسيع دائرة المستهدفين بالإبعاد عن المسجد الأقصى، في خطوة تتكرر سنويا قبيل حلول شهر رمضان.
وفي هذا السياق، قال المختص في شؤون القدس والمسجد الأقصى رضوان عمرو: إنه تلقّى قرار تجديد إبعاده عن الأقصى لمدة ستة أشهر عبر رسالة على تطبيق «واتساب».
ونقلت منصة «القدس البوصلة» عن عمرو قوله: «وصلتني الرسالة من رقم مجهول يتبع لشرطة الاحتلال، وهي سابقة لم نعهدها من قبل، ويبدو أنها جاءت نتيجة كثافة الإبعادات وكثرة عدد المبعدين».
وكان عمرو قد تسلّم، في 14 يناير/كانون الثاني 2026، قرارًا بإبعاده عن المسجد الأقصى لمدة أسبوع مع قابلية التجديد، قبل أن يُستدعى لاحقًا ويُبلّغ شفهيًا بتجديد الإبعاد حتى إشعار آخر، ليصله القرار مكتوبًا لاحقًا عبر «واتساب».
وبحسب مركز معلومات وادي حلوة – سلوان، شملت أوامر الإبعاد موظفين في دائرة الأوقاف الإسلامية، وأسرى محررين، وناشطين مقدسيين.
وتلقى كل من محمد الدباغ وحمزة خلف، وهما من موظفي الأوقاف الإسلامية، أوامر إبعاد لمدة أسبوع قابلة للتجديد لعدة أشهر، كما طالت الإجراءات الأسيرين المحررين جهاد قوص ووسام كستيرو.
كذلك، أصدرت سلطات الاحتلال أوامر إبعاد لمدة أربعة أشهر بحق الأسيرين المحررين عبد الرحمن عويس وحمزة أبو هداوان، وفق المصدر ذاته.
وفي غضون ذلك، صدرت قرارات إبعاد لمدة ستة أشهر بحق عدد من الأسرى المحررين، من بينهم: كفاح سرحان، وآرين زانين، وصهيب عفانا، ومحمد موسى العباسي، وطارق سعدة عباسي، وإبراهيم العباسي، وموسى أبو طايح، وسامي أبو الحلاوة، وعبيدة الطويل، وعامر بازلاميت، ومأمون الرازم.
ولم تقتصر هذه الإجراءات على الرجال؛ إذ تبعد سلطات الاحتلال نحو 60 سيدة مقدسية عن المسجد الأقصى منذ سنوات، وتدرج أسماءهن ضمن ما تطلق عليه «القائمة السوداء».
وأكد مقدسيون تلقوا هذه الإخطارات عبر «واتساب» أن هذا الأسلوب غير المسبوق تجاوز حتى الآليات الإدارية التقليدية التي اعتاد الاحتلال اتباعها.
وبات واضحًا، وفق متابعين، أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو تسريع وتكثيف إصدار أوامر الإبعاد مع اقتراب شهر رمضان، في مسعى لتقليص الوجود الفلسطيني في المسجد الأقصى إلى أدنى حد ممكن.

وتيرة متصاعدة
كشفت الإحصاءات الأخيرة عن ارتفاع غير مسبوق في أعداد المبعدين عن المسجد الأقصى قبيل شهر رمضان 2026. فبحسب معطيات صادرة عن محافظة القدس، أُصدر نحو 100 قرار إبعاد خلال شهر يناير/كانون الثاني 2026 وحده، بينها 95 قرارا تتعلق بالمسجد الأقصى مباشرة.
وتفوق هذه الوتيرة التصاعدية بكثير ما سُجّل في الأعوام السابقة؛ إذ وثّقت المحافظة قرابة 200 حالة إبعاد طوال عام 2024، منها 149 إبعادًا عن الأقصى، في حين تُقدَّر أعداد الإبعادات منذ مطلع 2026، خلال شهر واحد فقط، بمستوى يقارب إجمالي العام السابق.
وترافقت حملة الإبعادات الواسعة مع إجراءات أمنية مشددة دأبت سلطات الاحتلال على فرضها سنويًا قبيل حلول شهر رمضان. فقد كثّفت شرطة الاحتلال انتشارها في القدس، وأقامت حواجز ثابتة ومتنقلة، كما أوصت منتصف يناير بتقييد دخول الفلسطينيين من الضفة الغربية إلى المدينة خلال الشهر الفضيل.
وفي السياق ذاته، أعلنت أجهزة أمن الاحتلال دخولها مرحلة «استعدادات استباقية» تشمل تنفيذ اعتقالات بحق من تصفهم بـ«المحرّضين»، وهم فعليًا ناشطون مقدسيون يواصلون التصدي لاقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، وذلك بهدف تحييد أي حراك شعبي محتمل داخل ساحاته.
ويشير خبراء ومتابعون لشأن القدس إلى أن شمول قرارات الإبعاد الأخيرة لفترتي شهر رمضان وما يُعرف بعيد الفصح اليهودي في آن واحد ليس أمرًا عابرًا، بل يهدف إلى تمكين الاحتلال من تمرير انتهاكات واستفزازات خطيرة خلال هاتين المناسبتين، بعيدًا عن أعين المرابطين والناشطين المقدسيين.
وأثار اعتماد أسلوب «الإبعاد الإلكتروني» جدلًا واسعًا حول قانونيته، وعد انتهاكًا صارخًا لحرية العبادة المكفولة بموجب القوانين والمواثيق الدولية. فإبعاد الفلسطينيين عن مسجدهم عبر رسالة هاتفية، دون مسوغ قانوني واضح أو إجراءات قضائية، يُعدّ سابقة خطيرة تؤكد الطابع التعسفي لهذه القرارات.
ولم يقتصر التصعيد الإسرائيلي على آلية التبليغ فحسب، بل انسحب أيضًا على مضمون بعض قرارات الإبعاد، إذ لوحظ إدراج مصطلح «جبل الهيكل» للإشارة إلى المسجد الأقصى، في خطوة تحمل دلالات بالغة الخطورة، كونها تكرّس الرواية التهويدية للمكان وتنتهك الوضع التاريخي والقانوني القائم للحرم القدسي الشريف.
ويرى محللون أن إصرار شرطة الاحتلال على فرض هذه المصطلحات والقيود يمثّل تدشينًا لمرحلة جديدة من محاولات فرض السيادة الإسرائيلية المزعومة على المسجد الأقصى، ضمن مساعٍ أوسع لتكريس تقسيمه زمانيًا ومكانيًا.
في المقابل، حذّر مسؤولون وشخصيات دينية فلسطينية من التداعيات الخطيرة لهذه السياسات؛ فقد نبّه خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري إلى أن الإبعادات الجماعية والقيود المفروضة قبيل شهر رمضان تشكل محاولة واضحة للمساس بالوضع القائم في المسجد، محمّلًا حكومة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن أي تدهور أو انفجار للأوضاع نتيجة استمرار هذه الانتهاكات.
كما أدانت وزارة الأوقاف الفلسطينية ومؤسسات رسمية وأهلية أخرى هذه الإجراءات، وترى أنها تفضح زيف ادعاءات سلطات الاحتلال بشأن احترام حرية العبادة، وتؤكد أن الهدف الحقيقي يتمثل في تفريغ المسجد الأقصى من المصلين المسلمين، وفرض السيطرة الإسرائيلية عليه بالقوة.

إشعار إداري
يرى المستشار الإعلامي لمحافظة القدس، معروف الرفاعي، أن انتقال سياسة الإبعاد من الورق إلى الإشعار الفوري يمثّل عمليًا تسريعًا لآلية التنفيذ، من دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة أو تسليم رسمي، وبما يقلّص قدرة المقدسيين على الاعتراض القانوني أو كسب الوقت اللازم للطعن في القرارات.
وأوضح الرفاعي، في حديثه لـ«الاستقلال»، أن هذه الخطوة تهدف إلى إحداث صدمة نفسية مباغتة؛ إذ يصل القرار فجأة إلى الهاتف، بلا سياق قانوني واضح، ومن دون شرح أو آلية مراجعة أو اعتراض.
وأضاف أن الاحتلال يسعى إلى تحويل الإبعاد إلى إجراء «روتيني سريع»، أقرب إلى إشعار إداري، لا إلى قرار مصيري يمسّ حقوقًا أساسية، كحق العبادة والإقامة والتنقل. ورأى أن هذا الأسلوب يعكس ما وصفه بـ«عقلية الإدارة الذكية للاحتلال»، القائمة على «أقل احتكاك بشري، وأعلى مستوى من التحكم التقني».
ولفت الرفاعي إلى أن هذه السياسة تحمل رسالة ترهيب جماعية لا فردية؛ فرغم أن القرار يُوجَّه لشخص بعينه، فإن الهدف الحقيقي أوسع، ويتمثل في إيصال رسالة لكل المقدسيين بأنهم خاضعون للمراقبة الرقمية، وترسيخ شعور بأن الاحتلال حاضر في الهاتف والبيت والشارع على حد سواء.
وأشار إلى أن هذا النهج يفضي إلى تعميم حالة ردع استباقي، مفادها أن «أي شخص قد يكون التالي»، مضيفًا: «نحن أمام هندسة خوف رقمية تُدار عن بُعد».
وفيما يتعلق بتوقيت تطبيق هذه السياسة، شدد الرفاعي على أن تزامنها مع اقتراب شهر رمضان ليس مصادفة، موضحًا أن «اختيار هذه المرحلة يكشف الغاية الأساسية: تفريغ المدينة من النشطاء والمرابطين قبل ذروة الحضور الشعبي في المسجد الأقصى».
وبيّن أن الاحتلال يسعى، من خلال ذلك، إلى منع تشكّل حالة جماهيرية واسعة كما جرت العادة في شهر رمضان، وقطع الطريق أمام أي حراك احتجاجي أو تصعيد ميداني محتمل. مضيفًا: «بمعنى آخر، يحاول الاحتلال تعقيم القدس أمنيًا قبل الموسم الديني الأكثر حساسية».
وتطرّق الرفاعي إلى هدف آخر يتمثل في تكريس الإبعاد كأداة مركزية لإدارة المدينة المقدسة، ويرى أن الإبعاد لم يعد إجراءً استثنائيًا، بل تحوّل إلى سياسة دائمة لتفريغ المشهد المقدسي من الفاعلين، وأداة بديلة عن الاعتقال الطويل، ووسيلة لتفكيك الشبكات الاجتماعية والوطنية داخل المدينة.
وأضاف: «ما يزيد خطورة المرحلة الراهنة هو أن الإبعاد بات يُستخدم بمرونة تقنية عالية، ومن دون غطاء قضائي فعلي».
وأكد أن الاحتلال يتجه نحو إدارة المدينة بالعقاب الرقمي، في إطار نموذج أوسع يقوم على الرقابة الإلكترونية، والأوامر الرقمية، والتتبع عبر التطبيقات، واتخاذ قرارات أمنية بلا وثائق ورقية، بما يعني الانتقال من السيطرة الميدانية إلى السيطرة الخوارزمية على حياة المقدسيين.
وختم الرفاعي بالقول: «ما نشهده ليس مجرد تغيير في وسيلة التبليغ، بل تصعيد ممنهج في سياسة الإبعاد، ومحاولة لإعادة هندسة الفضاء المقدسي قبيل رمضان، واختبار لأدوات قمع رقمية جديدة، ومسعى واضح لكسر الإرادة الشعبية بأدوات تبدو ناعمة في ظاهرها، لكنها قاسية في جوهرها».
وأضاف: «إنها مرحلة جديدة من إدارة الاحتلال للقدس: احتلال بلا طوابير، وقمع بلا أوراق، وقرارات تصل بصوت إشعار الهاتف».
المصادر
- Escalation of summonses and expulsion orders from Al-Aqsa Mosque as Ramadan approaches
- Jerusalem: 4,397 colonists stormed Al-Aqsa Mosque, 103 detentions, and 86 demolition and land-leveling operations in January 2026
- Israel Is Banning More and More Palestinian Figures from Entering al-Aqsa Mosque on Arbitrary Grounds
















