"دافعوا عن أنفسكم".. أهم محددات إستراتيجية أميركا العسكرية الجديدة

إسماعيل يوسف | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

تزامنا مع مواصلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقويض النظام الدولي، أصدرت وزارة الدفاع “بنتاغون”، "إستراتيجية دفاع وطني" تغير الأولويات وتقول للحلفاء ضمنا: “دافعوا عن أنفسكم”.

الإستراتيجية الجديدة، الصادرة يوم 23 يناير/كانون الثاني 2026، تطالب حلفاء الولايات المتحدة بحماية أنفسهم والسيطرة على أمنهم الخاص، ما يعني تخلّي واشنطن عن تعهداتها القديمة بحمايتهم.

أكَّدت تركيز إدارة ترامب، على الهيمنة في نصف الكرة الغربي بدل هدفها القديم المتمثل في مواجهة الصين، والذي كانت بموجبه تحمي حلفاءها في آسيا، اليابان وكوريا الجنوبية، وأوروبا.

وسبق هذا الإصدار، وثيقة جديدة للأمن القومي مكونة من 34 صفحة، صدرت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، انتقدت شركاء أميركا في أوروبا وآسيا لاعتمادهم على الولايات المتحدة، في الدفاع عنهم، وشككت في مستقبل التحالف الأطلسي.

وهو ما يعني "مطالبة أميركية صريحة للحلفاء بتحمل المزيد من العبء في مواجهة دول مثل روسيا وكوريا الشمالية"، ما دعا مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي لطلب تشكيل قوة عسكرية أوروبية تستبدل القوات الأميركية.

أبرز معالم الإستراتيجية 

بعد سلسلة من "العداء" بين ترامب والحلفاء التقليديين في أوروبا، بعدما هدد بفرض رسوم جمركية عليهم لرفضهم استحواذه على جزيرة غرينلاند، أصدر البنتاغون "استراتيجية الدفاع الوطني" الجديدة.

الإستراتيجية التي أعلنها وزير الدفاع بيت هيغسيت، حددت التوجه العام في: "أميركا أولاً. السلام من خلال القوة. المنطق السليم"، في الصفحة الأولى منها.

وعلى غرار إستراتيجية الأمن القومي التي أصدرها البيت الأبيض، تعزز إستراتيجية أو خطة الدفاع الجديدة فلسفة ترامب "أميركا أولاً"، التي تُفضل عدم التدخل في الخارج، وتُشكك في عقود من العلاقات الإستراتيجية، وتُعطي الأولوية للمصالح الأميركية. 

وجاء في الجملة الافتتاحية من الوثيقة أنه "لفترة طويلة للغاية، أهملت حكومة الولايات المتحدة – وحتى رفضت - وضع الأميركيين ومصالحهم الملموسة في المقام الأول"، وهي عبارة تلخّص الهدف منها وهو نفض يدها من حماية حلفائها.

لذا كان من الطبيعي أن تنتقد الوثيقة الدفاعية حلفاء الولايات المتحدة وتحثهم على تولي زمام أمنهم بأنفسهم؛ لأن تركيز إدارة ترامب أصبح منصبا على نصف الكرة الغربي، وحديقته الخلفية (أميركا اللاتينية)، بعد تغييره "مبدأ مونرو" إلى "دونرو".

إذ تسعى هذه الإستراتيجية إلى الحصول على المساعدة من الشركاء في الفناء الخلفي لأميركا، مع تحذيرهم في الوقت نفسه من أن الولايات المتحدة "ستدافع بنشاط وبلا خوف عن مصالح أميركا في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي", بحسب شبكة "إيه بي سي"، في 24 يناير.

وهو ما عبرت عنه الوثيقة بالقول: "سنتعامل بحسن نية مع جيراننا، من كندا إلى شركائنا في أميركا الوسطى والجنوبية، لكننا سنضمن (سنجبرهم على) احترام مصالحنا المشتركة وبذلهم قصارى جهدهم لحمايتها".

"وفي حال عدم التزامهم بذلك، سنكون على أهبة الاستعداد لاتخاذ إجراءات مركزة وحاسمة تُعزز مصالح الولايات المتحدة بشكل ملموس."

وتشير عبارة "مصالحنا" تحديداً إلى الوصول إلى قناة بنما وغرينلاند، وجاءت بعد أيام من تصريح ترامب بأنه توصل إلى "إطار عمل لاتفاق مستقبلي" بشأن الأمن في القطب الشمالي مع زعيم حلف الناتو مارك روته، يمنح واشنطن "حق الوصول الكامل" إلى غرينلاند، وهي منطقة تابعة لحليفتها في الناتو، الدنمارك.

وسبق أن ألمح ترامب إلى أن الولايات المتحدة قد تنظر في استعادة السيطرة على قناة بنما، واتهم بنما بالتنازل عن نفوذها للصين، وعندما سُئل عما إذا كانت استعادة الولايات المتحدة للقناة لا تزال مطروحة، قال: "هذا مطروح للنقاش نوعًا ما."

وفيما يخص كندا، وفي أعقاب مشادة في اجتماع دافوس (المنتدى الاقتصادي العالمي) بسويسرا مع رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، حثت الاستراتيجية على الفور على التعاون مع كندا وغيرها من الدول المجاورة، "مع الاستمرار في توجيه تحذير واضح".

وضمن هذا التخلي عن الحلفاء، لا تتضمن الإستراتيجية الدفاعية أي إشارة إلى تايوان، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التي تعدها بكين جزءًا من أراضيها وتؤكد أنها ستستولي عليها بالقوة إذا لزم الأمر، ولا تقدم أي ضمانات لها.

وبالمقابل تتحدث الوثيقة عن التعاون مع الصين، وتعتمد "نبرة أقل تصادمية مقارنة بإستراتيجيات سابقة"، مع الإبقاء على بكين عاملا رئيسا في التخطيط الدفاعي الأميركي، والتركيز على إدارة التنافس بما يحفظ الاستقرار الإستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. بحسب وكالة "بلومبيرغ".

مع هذا تقول الوثيقة: "سندافع عن الوطن ونضمن حماية مصالحنا في نصف الكرة الغربي. سنردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من خلال القوة، وليس المواجهة".

وفي مثال آخر على إلقاء مسؤولية الأمن الإقليمي على عاتق الحلفاء، تقول الوثيقة: "إن كوريا الجنوبية قادرة على تحمل المسؤولية الأساسية عن ردع كوريا الشمالية بدعم أميركي حاسم ولكنه محدود".

وفي حين تقول الإستراتيجية الدفاعية: إن "روسيا ستظل تشكل تهديدا مستمرا ولكن يمكن السيطرة عليه لأعضاء الناتو الشرقيين في المستقبل المنظور"، فإنها تؤكد أن حلفاء الناتو أكثر قوة بكثير، وبالتالي فهم "في وضع قوي لتحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي لأوروبا".

وضمن هذا التوجه، أكَّدت الولايات المتحدة بالفعل أنها ستخفض وجود قواتها على حدود الناتو مع أوكرانيا، ما أقلق الحلفاء خشية ترك فراغا أمنيا في الوقت الذي تواجه فيه الدول الأوروبية، روسيا التي تزداد عدوانية.

ولتعويض الانسحاب الأميركي، ذكر مسؤول كبير في حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن الحلف يعتزم توسيع مخزونات الأسلحة والذخائر بشكل كبير على طول حدوده الشرقية وإنشاء منطقة دفاعية جديدة باستخدام التكنولوجيا الآلية.

وقال البريجادير توماس لوفين لصحيفة "فيلت" الألمانية، في 25 يناير: إن هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز الردع ضد روسيا، في إطار مفهوم دفاعي جديد متعدد الطبقات يسعى من خلاله الناتو إلى إبطاء أو وقف أي هجوم مبكرا.

لا للأعباء

تعد هذه الإستراتيجية بمثابة تغير جذري لسياسة أميركا الدفاعية، فهي تؤكد أن على الحلفاء في أوروبا وإسرائيل والخليج وآسيا حماية أنفسهم من الآن، فواشنطن "ستدعمهم" لكنها "لن تتحمل عبء حمايتهم".

وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، تعتبر الإستراتيجية الأميركية أن المنطقة تحولت من مصدر تهديد للمصالح الأميركية إلى وجهة استثمار وتجارة وشراكة وعلى إسرائيل والخليج حماية أنفسهم من إيران.

وترى أن "إسرائيل أظهرت أنها قادرة ومستعدة للدفاع عن نفسها بعد الهجمات الوحشية في السابع من أكتوبر، وأثبتت أنها حليف نموذجي".

وتبدو الإستراتيجية كأنها تُعلن ضمنًا نهاية عصر "الهيمنة العالمية الأميركية" وبداية عصر جديد يُعاد فيه تعريف الدور الأميركي من "شرطي العالم" إلى "سيد النصف الغربي من الكرة الأرضية".

لكن هذا الانسحاب النظري والتركيز على النصف الغربي من الكرة الأرضية، قد يجرها لصدام مع أوروبا ودول أو تحالفات جديدة قد تنشأ، وقد يضر مصالح أميركا نفسها وفق خبراء أميركيين.

والأكثر أهمية هو أن الوثيقة تُغير نظرة واشنطن للصين من "خطر وجودي" إلى منافس اقتصادي إستراتيجي، وتُحمل اليابان وكوريا الجنوبية مسؤولية الدفاع عن نفسها وتتخلى عن تايوان، ربما للصين مستقبلا.

تؤكد الوثيقة أن الإستراتيجية الدفاعية سوف تركز على تعزيز قدرات الدفاع عن الداخل الأميركي، بما يشمل تحديث منظومات الردع وإعادة هيكلة انتشار القوات، في ظل ما تعتبره واشنطن تصاعدًا في التهديدات المباشرة لأمنها القومي.

وتحدده "بتأمين حدود أميركا وأساطيلها البحرية، وسندافع عن سماء أمتنا من خلال "القبة الذهبية لأميركا" (Golden Dome) وتركيز متجدد على مواجهة التهديدات الجوية غير المأهولة (المسيرات)".

و"سنحافظ على رادع نووي قوي وحديث قادر على التصدي للتهديدات الإستراتيجية لبلدنا، وسنرفع ونعزز دفاعات إلكترونية هائلة، وسنطارد ونحيد الإرهابيين الإسلاميين الذين لديهم القدرة والنية لضرب وطننا".

"وفي الوقت نفسه، سندافع بنشاط ودون خوف عن مصالح أميركا في جميع أنحاء نصف الكرة الغربي. سنضمن الوصول العسكري والتجاري للولايات المتحدة إلى المناطق الرئيسة، خاصة قناة بنما، وخليج أميركا، وجرينلاند".

الذكاء الاصطناعي

ومن أهم بنود هذه الإستراتيجية الدفاعية، التي يُعتقد أنها مقتبسة من نتائج حروب إسرائيل الأخيرة، تركيزها على "الذكاء الاصطناعي" في الحروب.

فبموجبها تستعد الولايات المتحدة لتسريع نشر الذكاء الاصطناعي للأغراض العسكرية، كي تصبح "القوة القتالية التي لا جدال فيها في العالم المدعومة بالذكاء الاصطناعي"، بحسب موقع "ذا كونفرسيشن"، في 22 يناير.

وهدفها، كما فعلت العديد من الجيوش حول العالم، مثل الصين وإسرائيل، دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها، وجعل الجيش الأميركي أكثر فتكاً وكفاءة، عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي الحربية.

وبحسب تقارير إعلامية أميركية، تأتي هذه الإستراتيجية، في إطار توجه أوسع لإعادة تعريف الدور العسكري للولايات المتحدة عالميًا، عبر إعطاء الأولوية للأمن الداخلي، وتقليص الالتزامات الخارجية، والدفع نحو نموذج دفاعي يقوم على الشراكات وتقاسم الأعباء بدل الانتشار الواسع للقوات.

ولشرح إستراتيجية الانكفاء على حماية الأمن الداخلي، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث وهو يعلنها: "لن يتم تشتيت انتباه الوزارة بعد الآن بالتدخلات، والحروب التي لا تنتهي، وتغيير الأنظمة، وبناء الدول".

أضاف: "بدلاً من ذلك، سنضع المصالح العملية والملموسة لشعبنا أولاً. سندعم سياسة "سلام فعلي من خلال القوة". سنكون السيف والدرع لردع الحرب، بهدف السلام -ولكن مستعدين للقتال وكسب حروب الأمة الضرورية إذا دعينا لذلك".

وتابع: "هذا لا يعني الانعزالية. بل على العكس، يعني نهجا مركزا وإستراتيجيا حقيقيا للتهديدات التي تواجه أمتنا وكيفية إدارتها بشكل أفضل. وهو أمر ضروري لخدمة مصالح الأميركيين".

لكن المعضلة أن عقيدة إدارة ترامب الإستراتيجية والعسكرية تقوم على تقدير أميركا اللاتينية وكندا ضمن الداخل الأميركي وفي نطاق مصالح واشنطن.

وربما لهذا أقلق واشنطن تصريحات رئيس وزراء كندا مارك كارني، في منتدى دافوس، والتي أطلقت عليها صحيفة "نيويورك تايمز"، في 25 يناير، اسم "عقيدة كارني"، مؤكده أنها "تتحدى نظرية ترامب وترسم معالم التمرد ضد الهيمنة الأميركية".

ففي خطابه، قال كارني، في 20 يناير، إن النظام الدولي القائم منذ عقود والقائم على القواعد، القانون والمؤسسات الدولية، "انتهى ولن يعود"، "وعندما لا تعود القواعد تحميك، يصبح لزامًا عليك أن تحمي نفسك".

و"القوى الكبرى باتت تستخدم الاندماج الاقتصادي كسلاح لفرض الهيمنة والتبعية وممارسة الضغط والإكراه على الدول الأخرى".

ودعا إلى "بناء تحالفات مرنة بدل الاكتفاء بالمفاوضات الثنائية مع قوى مهيمنة سنكون على قائمة طعامها"؛ لأن "التفاوض بشكل منفرد مع قوة عظمى، أيا كانت، لا يمثّل سيادة حقيقية، بل ادعاء شكليًا للسيادة مع قبول التبعية".

وفي قراءة لأبعاد ودلالات خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، يرى الكاتب ديفيد فرينش بصحيفة نيويورك تايمز، في 22 يناير، أن "ما كان يُنظر إليه سابقا بوصفه أزمة عابرة في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها، بات الآن تصدعا بنيويا عميقا".

ويعزو "فرينش" هذا التحول إلى سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية، التي تقوم على العدوانية والابتزاز وتقويض أسس النظام الدولي الذي قادته واشنطن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ووصف خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأنه "قال علنا ما بات كثير من حلفاء الولايات المتحدة يفكرون فيه سرا، وهو أن زمن التسليم بالقيادة الأميركية دون شروط قد ولى".

أوضح أن "خطورة سلوك ترامب لا تكمن فقط في طبيعته غير العقلانية، بل في حقيقة أن منظومة الضوابط والتوازنات داخل الولايات المتحدة نفسها باتت عاجزة عن كبحه.

فالعزل السياسي مستبعد؛ لأن الكونغرس خاضع لهيمنة تيار حركة ماغا الموالية له، كما أن ترامب يحيط نفسه بشخصيات في إدارته متماهية مع اندفاعاته.

وهذا الواقع، من وجهة نظر الحلفاء، يعني أن الخطر لم يعد مؤقتا أو مرتبطا بشخص ترامب وحده، بل أصبح بنيويا ومتجذرا في السياسة الأميركية.

وخطورة "رسالة كارني" في موقفه من غرينلاند؛ حيث أكد دعم كندا الكامل للدانمارك واستعدادها للوفاء بالتزامات المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (ناتو) حتى لو كان مصدر التهديد هو الولايات المتحدة نفسها. بحسب كاتب نيويورك تايمز.

والتصفيق الحار الذي قوبل به هذا الموقف في دافوس يعكس استعداد دول أخرى للسير في ذات الاتجاه، وإذا استجابت الدول المتوسطة لنداء كارني، فقد ينشأ تحالف اقتصادي وعسكري ضخم يضم الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وكندا، وهو تحالف نووي وصناعي قادر على موازنة القوة الأميركية.