اليوم التالي في إيران.. هل يضحي "الحرس الثوري" بالمرشد الأعلى؟

منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

موجة الاحتجاجات التي هزت عرش المرشد الأعلى في إيران أوضحت له، ربما أكثر من أي تهديد أميركي أو هجوم إسرائيلي، أنه لا يمكنه الاعتماد إلا على الحرس الثوري.

فعندما اشتعلت شوارع طهران، لم يتردد الحرس الثوري، المعروف باسم "الباسدران" في قمع المتظاهرين، وفي الوقت نفسه استعدوا لاحتمال مواجهة مع واشنطن.

ويطرح هذا الوضع السؤال التالي: “إلى متى ستستمر هذه القبضة، وهل في لحظة الحقيقة سيختارون الولاء للمرشد أم للنظام الذي يضمن لهم قوتهم؟”.

وأجاب على هذا التساؤل موقع “القناة 12” العبرية قائلا: "عندما أعلن الحرس الثوري حالة (الاستنفار الأعلى للرد) واستعد لهجوم أميركي محتمل، لم يكن أحد في طهران بحاجة إلى التساؤل بمن يثق المرشد الأعلى علي خامنئي ".

وتابع: "ليس بالجيش النظامي الذي يُنظر إليه منذ عهد الشاه كجسم مشكوك في ولائه، ولا بالحكومة التي تحاول أحيانا مغازلة الغرب، بل بذلك الجهاز الذي وُلد لحماية الثورة ويخضع مباشرة لتعليمات خامنئي".

شبكة ولاء

وفي معرض حديثه عن قوة الحرس الثوري، قال الباحث البارز في برنامج إيران بمعهد دراسات الأمن القومي، داني سيترينوفيتش: "عندما يصل النظام إلى وضع يكون فيه ظهره إلى الحائط، فإن من يحميه هو الحرس الثوري".

وأضاف: "من الواضح للأميركيين أنه إذا أرادوا إضعاف النظام، فعليهم استهداف قيادة قوة القدس، سلاح الجو التابع للحرس الثوري، وذراع الصواريخ. هذه هي الأذرع القادرة على تهديد الأميركيين وحلفائهم في الخليج أكثر بكثير من الجيش الإيراني".

وتناول الموقع تاريخ الحرس الثوري، إذ تأسس عام 1979 مباشرة بعد سقوط نظام الشاه وصعود روح الله الخميني، كذراع مسلح منفصل عن الجيش النظامي.

ووفقا له، "لم يكن هدفه حماية الدولة الإيرانية، بل حماية الثورة كمنظومة حكم".

وأوضح الخبير في الشأن الإيراني بجامعة رايخمان، مئير جوادنفر: "هم لا يحمون إيران، وظيفتهم هي حماية الثورة".

وذكر الموقع أن الهيكل التنظيمي للحرس يشبه جيشا مصغرا، فهو يتكون من قوات برية، وقوات جوية وفضائية تشمل منظومة الصواريخ، وقوات بحرية، فضلا عن قوة القدس التي تعمل خارج الحدود، والباسيج كذراع للأمن الداخلي.

وقدر أنه "مع مرور الوقت تحول هذا الجهاز إلى جيش فعلي أقوى وأكثر تأثيرا من الجيش الإيراني الرسمي، حيث يضم أيضا أجهزة استخبارات مستقلة".

علاوة على ذلك، أشار إلى أنه "في السنوات الأخيرة أصبح الحرس الثوري أيضا إمبراطورية اقتصادية".

وقال: "ميزانية الدولة لعام 2025 تمنحه نحو 6 مليارات دولار سنويا، أي ضعف ميزانية الجيش، لكن هذا مجرد جزء صغير من مصادر دخله".

وتحدث الموقع عن شبكة ولاء واسعة له: "مئات الآلاف من العمال يتلقون رواتب مباشرة من مشاريع الحرس الثوري، وملايين آخرون يعتمدون بشكل غير مباشر على المقاولين والموردين وسلاسل الإنتاج التي يديرها".

واستطرد: "في بلد يشكل فيه الشباب المتعلمون نسبة كبيرة ويعانون من انسداد الآفاق الاقتصادية، فإن وظيفة لدى الباسدران تعني ليس فقط مصدر رزق بل أيضا ضمانة اجتماعية، الثمن هو الولاء المطلق، أو على الأقل الصمت".

ووصف سيتيرينوفيتش الوضع قائلا: "بعد الثورة كان هناك حاجة لمضاعفة القوة المسلحة لأن أحدا لم يثق بالجيش المرتبط بعهد الشاه، اليوم نرى منظومة عسكرية موازية، فهناك بحرية للجيش وبحرية للحرس الثوري".

ولفت إلى أن "هذه الازدواجية ليست متكافئة، حيث إن الأولوية في الميزانيات وجودة المعدات تمنح للحرس الثوري، أي أن النظام بنى لنفسه جيشا خاصا به حتى بوجود الجيش النظامي".

رسالة واضحة

ورغم قوتهم في الساحة الخارجية، لفت الموقع إلى أن "الجبهة الأصعب للحرس الثوري هي الداخل، فقد كانت موجة الاحتجاجات الأخيرة، المصحوبة بقطع الاتصالات والرقابة، بمثابة اختبار ولاء لكل أجهزة الأمن".

في هذا السياق، قال الخبير في الشأن الإيراني، مئير جوادنفر: "حتى في عالم المصادر المفتوحة، نحن لا نعرف الكثير، الإنترنت مقطوع في إيران، وعدد قليل جدا من الإيرانيين يستطيعون التواصل مع الخارج".

ومع ذلك، قدر الموقع أن "ما يتسرب يكفي لتقويض صورة الحرس الثوري في نظر الجمهور الإيراني".

ونوه أن "الأخطر، كان استخدام مليشيات شيعية من العراق لقمع الاحتجاجات".

ودفع هذا الأمر جوادنفر للتساؤل: “لماذا نظام يمتلك 150-200 ألف مقاتل يحتاج إلى استقدام مرتزقة؟”.

وفي معرض إجابته، يطرح احتمالين: إما أن القوات غير كافية أمام حجم الانتفاضة، أو أن بعض العناصر رفضت تنفيذ مذابح بحق مواطنين إيرانيين، فتم اللجوء إلى (مقاولي عنف خارجيين)".

على خلفية ذلك، قال الموقع: "في البداية تولت الشرطة التعامل مع الأحداث، ثم دخلت الباسيج كقوة دعم، ولم يُستدع الحرس الثوري والمليشيات الأجنبية إلا عندما عُدّت الأحداث تهديدا خطيرا لاستقرار النظام".

وأضاف: "نقطة التحول كانت خطاب المرشد في صلاة الجمعة، حيث منحهم تفويضا مباشرا".

وعلق سيتيرينوفيتش: "من تلك اللحظة بدأوا حملة عنف غير مسبوقة مقارنة بالأحداث السابقة".

من جانب آخر، تناول الموقع العبري ما وصفة بـ"حلقة النار" مشيرا إلى أنها "تمثل اختبارا خارجيا للحرس الثوري".

وتابع موضحا: "فقد بُني فيلق القدس -التابع للحرس الثوري- على مدى سنوات وفق عقيدة الوكلاء، أي دعم الأطراف التابعة له لإبعاد التهديدات عن طهران وتقليص خطر المواجهة العسكرية المباشرة".

واستدرك: "غير أن المليشيات فقدت خلال العامين الأخيرين قادة كبارا، وآلاف المقاتلين، وكميات كبيرة من السلاح الذي كان يمكن توجيهه ضد إسرائيل أو القوات الأميركية".

"كما فقدت إيران قاعدة عمل حيوية مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الذي كان يشكل أيضا محورا رئيسا لنقل الدعم إلى حزب الله في لبنان"، وفقا له.

وشرح سيتيرينوفيتش هذه الازدواجية: "من جهة، ينسق فيلق القدس ردود المليشيات الشيعية تجاه الأميركيين، ومن جهة أخرى، يستعد الحرس الثوري لتفعيل قدرات إستراتيجية مباشرة، مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة، ضد إسرائيل وأهداف أميركية".

اليوم التالي

وتناول الموقع فرص "انقلاب" الحرس الثوري على المرشد متسائلا: "هل سيبقى الحرس الثوري مواليا حتى النهاية، أم أنه يستعد للحظة التي سيضطر فيها للاختيار بين خامنئي والنظام؟".

وأجاب مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي، راز زيميت: "لا يوجد سيناريو يحدث فيه شرخ بينهم وبين المرشد".

مع ذلك، أشار إلى أنه "في سيناريو شبه متطرف، إذا ظهر تهديد حقيقي للنظام نفسه، قد يخلص بعضهم إلى أن الطريق الوحيدة لإنقاذ النظام هي التضحية بالمرشد".

وأردف: "إذا توصل النظام إلى قناعة بأن ما سيرضي الإدارة الأميركية الحالية هو فقط إزاحة خامنئي جانبا، كما في فنزويلا مثلا، فقد يأتون إليه ويقولون له: اسمع، الطريق الوحيدة حاليا لإنقاذ الثورة، وإرثك، والنظام، والجمهورية الإسلامية، هي أن تتنحى".

أما سيتيرينوفيتش، فقدم تفسيرا آخر: "في (اليوم التالي)، لن يرغب الحرس الثوري في (استيلاء عسكري) مباشر".

من جانبه، تحدث زيميت عن "انتقال من حكم (أصحاب العمائم) إلى حكم (أصحاب الأحذية العسكرية)، لا كهدف معلن، بل كسيناريو محتمل عند الضرورة".

واتفق الاثنان على أن "النموذج المثالي في نظر الحرس هو قيادة دينية أيديولوجية تكون هي التي (تشرب كأس السم)، بينما يمسكون هم فعليا بمراكز القوة".

أما الخبير في الشأن الإيراني جوادنفر، فشدد على شروط أي تغيير للنظام: "إذا أردنا يوما إسقاط النظام الإيراني، فعلينا إقناع جزء من قيادة الحرس بالتنحي أو التعاون، من دون ذلك قد تكون هناك انتفاضة، لكن لن تكون ثورة".

ووصف بحذر إمكانية عقد صفقة خلف الكواليس لا تقطعهم تماما عن مصادر قوتهم الاقتصادية: "قد يتصل بهم أحد من دولة ما ويقول لهم: اسمعوا، عندما يحدث كذا وكذا لا تفعلوا شيئا، وبعد الثورة يمكنكم الحفاظ على جزء من مصالحكم الاقتصادية ولن نلاحقكم".

وعقّب الموقع العبري: "هنا يلعب الحرس الثوري على مسارين في آن واحد، الأول هو الدبلوماسية: قنوات مثل عمان وقطر، ومحاولات (تقديم شيء ما) لمنع هجوم أميركي، والثاني هو الردع: حالة تأهب قصوى، وتصريحات عن إغلاق مضيق هرمز، وإعلان متواصل للجاهزية".

وقال سيتيرينوفيتش: "كل ذلك يهدف إلى أمرين: الاستعداد وعدم المفاجأة، وبالتوازي بث القوة وإظهار ثمن الخسارة).

وتابع: "في سيناريو هجوم أميركي، ستكون منشآت الحرس وأفراده في قلب الاستهداف، فهم يمتلكون قدرات تهدد مباشرة القوات الأميركية وحلفاءها".

كرة الثلج

بناء عليه، توقع التقرير أن "تركز واشنطن على مراكز قوتهم: قيادة فيلق القدس، سلاح الجو والفضاء، ذراع الصواريخ، والهيئات المركزية القادرة على تهديد الأميركيين وحلفائهم".

ويرى التقرير أن الخوف الأكبر لدى الحرس هو حرب واسعة النطاق، فبحسب سيتيرينوفيتش: "هم غير متحمسين للقتال".

وعزا ذلك قائلا: "معظم كبار قادتهم من قدامى حرب إيران والعراق، لديهم ذاكرة جماعية من شبه الانهيار، هم يدركون جيدا الخطر، ولذلك لا أعتقد أنهم يسعون إليه، في النهاية، في كل مسألة تتعلق باستخدام القوة من إيران، هم يتذكرون جيدا ثمن إدارة حرب على أرض الوطن".

ويرى كوهين أن نهجهم هو "السياسة الواقعية"، وهي، بحسبه، "سياسة خارجية تقوم أساسا على تقديرات المصلحة والمنفعة، متجاهلة عوامل أخرى كالأخلاق والرأي العام".

وأضاف: "لم تبدأ إيران حربا قط في العصر الحالي، بل كانت دائما ترد، حتى في الآونة الأخيرة، كادت أن تشن ضربة استباقية، لكنها فضّلت الانتظار لتكون هي الطرف المُستهدف، إنهم يدركون أن الحرب الآن، وبالتأكيد مع إسرائيل والولايات المتحدة، ليست الخيار الأمثل لهم".

وخلص الموقع إلى أنه "في نهاية المطاف، يشكل الحرس الثوري في آن واحد ضمانة لخامنئي والقيود التي تحد من حركته، فهم يمسكون به لأنه يمنحهم الشرعية ونظاما قانونيا يحمي ممتلكاتهم، وهو يمسك بهم لأنه من دونهم لا يوجد نظام".

واستدرك: "لكن عندما يتصاعد الضغط، من الشارع، ومن العقوبات، ومن الصواريخ، ومن احتمال المواجهة مع الولايات المتحدة، يمكن لهذه العلاقة التكافلية أن تتحول أيضا إلى صراع على من سيبقى على الكرسي بعد انقشاع الحرب".

وحول احتمال حدوث انشقاق واسع داخل الحرس، قدر زيميت أن هذا "احتمال منخفض"، وأرجع ذلك إلى أن "هذا الجهاز هو جزء لا يتجزأ من النظام، هم يعرفون جيدا الثمن، الشخصي والتنظيمي، الذي سيدفعونه إذا سقط هذا النظام".

لذلك شدد على أنهم "مصممون، وسيقاتلون حتى آخر قطرة دم، لا دمهم هم، بل دم آخر متظاهر إيراني، من أجل الحفاظ على هذا النظام".

ووافقه كوهين: "حدوث تصدع داخل الحرس قد يخلق كرة ثلج خطيرة، ولذلك يحافظون على التماسك وعلى الأمن الوظيفي".

من جهته، حذر جوادنفر من أن "الغضب الشعبي هائل، إلى حد الخوف من الفوضى والانتقام".

وقال: "أنا خائف جدا من أن تجري بعد هذه الثورة أنهار من الدماء في إيران، كثير من الإيرانيين قُتلوا بوحشية، ولا أستطيع تصور حجم الغضب، أخشى أنهم سيبدؤون بمطاردة رجال النظام والحرس في الشوارع. لم أر غضبا كهذا من قبل، وهذا يخيفني".

وفق هذه المعطيات، توقع الموقع أن “مستقبل إيران، على الأقل في المدى المنظور، لن يُحسم فقط في الساحات العامة، ولا فقط في غرف الاجتماعات في واشنطن”. 

واستدرك: "بل سيُحسم أيضا في الممرات التي يمسك فيها الحرس الثوري بالمفاتيح: الحكم، والمال، والسلاح، وفي قرارهم ما إذا كان المرشد الأعلى لا يزال رصيدا، أم أصبح عبئا".

واختتم قائلا: "وحتى ذلك الحين، يبقى كل إعلان عن (حالة تأهب قصوى) وكل خطبة جمعة تذكيرا بأن هذا النظام لا يقوم على فكرة فقط، بل على روتين من الخوف والميزانيات والأوامر، إنه يقوم على تنظيم يعرف كيف يمسك بدولة كاملة، حتى عندما تعارضه".