بعد هزيمة "قسد".. ثلاثة متغيرات حاسمة تطرأ على مستقبل "العمال الكردستاني"

منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مع تسارع التحولات السياسية والعسكرية في شمال شرق سوريا، واحتدام النقاش حول تصفية قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو دمجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، يبرز سؤال إستراتيجي يتجاوز حدود الساحة السورية؛ لينال جبال قنديل في العراق، معقل حزب العمال الكردستاني “بي كا كا”.

وفي مقال نشره مركز "فكر تورو" للدراسات، ذكر الكاتب التركي “محمد تحسين جوكايا”، أن هذا السؤال لا يرتبط فقط بتطور أمني بين تركيا والحزب، بل يتصل ببنية جيوسياسية أوسع، تشكلت عبر سنوات من التداخل بين العراق وسوريا وإيران. 

حيث نسج الحزب شبكة عابرة للحدود اعتمدت على مناطق انتقالية وممرات لوجستية، تبدأ من سنجار غرب الموصل، مروراً بريف دهوك القريب من الحدود التركية، وصولاً إلى قنديل. 

ومع تبدل موازين القوى الإقليمية، بات واضحاً أن هامش الحركة المتاح لهذه الشبكة يتقلص تدريجياً.

إعادة تشكيل التوازنات

وقد شكّلت الاتفاقات المعلنة بين دمشق وقسد، في مارس/ آزار 2025 ثم يناير/ كانون الثاني 2026، نقطة تحول مهمة في المشهد السوري. فهذه الاتفاقات التي تضمنت وقف إطلاق النار وخطة الاندماج الكامل لم تكن مجرد تفاهمات أمنية مؤقتة، بل محاولة لإضفاء طابع سياسي ومؤسسي على واقع ميداني جديد.

وتضمنت الخطوات العملية تسليم المعابر الحدودية وحقول الطاقة إلى الحكومة المركزية، ودمج مقاتلي قسد في الجيش بصورة فردية، وإعادة مؤسسات الدولة إلى مناطق الشمال الشرقي. 

ومع تأكيد المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا أن الدور الأساسي لقسد في مكافحة تنظيم داعش قد انتهى، بدا واضحاً أن واشنطن لم تعد ترى في قسد شريكاً إستراتيجياً طويل الأمد، بل ملفاً ينبغي إغلاقه تدريجياً عبر دمشق.

هذه المقاربة الأميركية تقلص المساحة الإستراتيجية التي تمتعت بها قسد خلال السنوات الماضية، وتضعف بذلك الدور المحوري الذي أدته في شبكة حزب العمال الكردستاني الإقليمية. ومع انحسار هذه العقدة المركزية، تتأثر خطوط الإمداد التي تصل سوريا بقنديل بطبيعة الحال .

في السياق ذاته، تتبنى أنقرة خطاباً أكثر وضوحاً حول مشروع "تركيا خالية من الإرهاب". فلم يعد التعامل مع حزب العمال الكردستاني مقتصراً على عمليات أمنية متفرقة، بل يجري تأطيره ضمن رؤية أوسع تهدف إلى معالجة وجود الحزب على مستوى الإقليم بأكمله.

بالنسبة لتركيا، يشكل تراجع البنية الأمنية التي أنشأتها الولايات المتحدة في شمال شرق سوريا فرصة إستراتيجية. فأنقرة لطالما ربطت بين وحدة الأراضي السورية وأمنها القومي، وترى أن أي كيان مسلح مستقل على حدودها الجنوبية يمثل تهديداً مباشراً. ومع ضعف قسد بات بإمكانها التركيز بشكلٍ أكبر على الساحة العراقية، حيث يوجد المركز الفعلي للحزب.

وأشار الكاتب التركي إلى أن التطورات لا تقتصر على سوريا وتركيا فحسب، حيث إنّ إيران التي كانت لاعباً أساسياً في معادلات الشرق، تواجه بدورها تحديات متراكمة. فإنّ مرحلة ما بعد الأسد قد أضعفت نفوذها في سوريا، وإنّ التوترات مع إسرائيل خلال عام 2025 إلى جانب الضغوط الاقتصادية الداخلية قد حدّت من قدرتها على إدارة شبكاتها الإقليمية.

بينما في العراق تحديداً بدأ يتضح تراجع نسبي في قدرة طهران على ضبط الفاعلين المسلحين المرتبطين بها. وهذا يفتح المجال أمام بغداد لتعزيز خطاب السيادة واحتكار الدولة للسلاح. غير أن هذا التراجع لا يعني بالضرورة استقراراً فورياً، إذ قد يؤدي أيضاً إلى فراغات أمنية ومنافسات بين جماعات مسلحة.

ثلاثة متغيرات حاسمة

لا يمكن فهم مصير القابعين في جبال قنديل دون التوقف عند سنجار. فهذه المنطقة ليست مجرد نقطة جغرافية، بل تمثل ممراً إستراتيجياً يربط بين سوريا والعراق ويتيح حركة السلاح والمقاتلين.

فقد حول ضعف سلطة الدولة في سنجار إلى بيئة ملائمة لنشاط جماعات مسلحة متعددة، بما فيها حزب العمال الكردستاني. 

ورغم توقيع اتفاق سنجار عام 2020 بين بغداد وأربيل، والذي نص على إخراج العناصر المسلحة غير الرسمية وبسط سيطرة القوات الاتحادية، فإن التنفيذ بقي جزئياً ومتعثّراً. 

بذلك فإنّ استمرار هذا الفراغ يمنح قنديل عمقاً لوجستياً وسياسياً. أما استعادة الدولة لسيطرتها الفعلية، فسيؤدي إلى تضييق الخناق على الحزب.

ورغم أن الولايات المتحدة لم تعلن انسحاباً كاملاً من المنطقة، إلّا أنّ إعادة تموضعها وتراجع دعمها المباشر لـ قسد قد أضعف الغطاء الدولي الذي استفادت منه شبكات حزب العمال الكردستاني. 

في المقابل، أصبحت قنوات التنسيق الأمني بين تركيا والعراق أكثر فاعلية، وهو ما يعزز احتمالات التعامل مع ملف قنديل من منظور سيادي عراقي. بذلك يتحول الملف من قضية عمليات عسكرية عابرة للحدود إلى مسألة داخلية تتعلق بقدرة الدولة العراقية على فرض سلطتها.

ورغم كل هذه المؤشرات، فإن الحديث عن حتمية انتهاء قنديل قد يكون مبالغاً فيه. فمصير المنطقة يرتبط بثلاثة عوامل رئيسة؛ أولها، قوة الحكومة العراقية المقبلة وقدرتها على فرض احتكار السلاح بيد الدولة. 

وثانيها، هو مدى جدية التنسيق بين بغداد وأربيل في تطبيق السياسات الأمنية والإدارية على الأرض. أمّا ثالثها، فهو ما يرتبط بطبيعة الفراغ الناتج عن تراجع النفوذ الإيراني، وما إذا كان هذا الفراغ سيتحوّل إلى حالة من الاستقرار أم إلى صراعات بين الميليشيات. 

وقد يحول تحقّقَ هذه الشروط معا ملف قنديل من أزمة مزمنة مؤجلة إلى مسار حل فعليّ. أما غيابها يعني استمرار المشكلة بأشكال جديدة.

وإضعاف قسد في سوريا لا يؤدي تلقائياً إلى إنهاء وجود حزب العمال الكردستاني في قنديل، لكنه يغير طبيعة المشكلة. فبعد أن كانت جزءاً من شبكة إقليمية عابرة للحدود، تصبح اليوم قضية سيادة عراقية داخلية.

وهذا التحول يضع المسؤولية الأكبر على بغداد. فإذا تمكنت من استثمار الظرف الإقليمي لبناء مؤسسات قوية وفرض سيطرة الدولة على مناطق مثل سنجار، فقد يضيق ذلك المجال أمام قنديل فعلياً. 

أما إذا استمرت الانقسامات السياسية والفراغات الأمنية، فستبقى المشكلة قائمة، ولو بأسماء وأشكال مختلفة.

وختم الكاتب التركي مقاله قائلاً: إن مستقبل قنديل لن يُحسم في الجبال بقدر ما يُحسم في بغداد؛ في قوة الدولة، وفي قدرتها على تحويل الأمن إلى مشروع سياسي شامل، لا مجرد ردود فعل عسكرية.