الإسلاميون بالمركز الثاني.. ماذا يعني فوز حزب "بنغلاديش الوطني" في الانتخابات؟

جاء تحالف الجماعة الإسلامية البنغلاديشية في المركز الثاني بحصوله على 77 مقعدا
في أول انتخابات ديمقراطية تشهدها بنغلاديش منذ سقوط حكم رئيسة الوزراء السابقة شيخة حسينة في 5 أغسطس/آب 2024 إثر انتفاضة شعبية، حقق حزب بنغلاديش الوطني المحافظ فوزا كاسحا، بحصوله مع حلفائه على ما لا يقل عن 212 مقعدا من أصل 350 مقعدا في البرلمان، ما يمنحه أغلبية الثلثين ويتيح له تشكيل الحكومة دون الحاجة إلى تحالفات إضافية.
وجاء تحالف الجماعة الإسلامية البنغلاديشية في المركز الثاني بحصوله على 77 مقعدا، ورغم تشكيكه في نزاهة العملية الانتخابية، فإن هذه النتيجة تُعد مكسبا تاريخيا له؛ إذ تمثل أفضل أداء انتخابي في تاريخه مقارنة بـ18 مقعدا فقط حصل عليها في انتخابات عام 1991، بما يعيد الحزب إلى قلب المشهد السياسي بعد سنوات من التضييق والإقصاء خلال حكم حسينة.
أما الظاهرة اللافتة فتمثلت في تراجع تأثير شباب “جيل زد” الذين قادوا الحراك الشعبي؛ إذ لم يتمكن حزبهم، حزب المواطن الوطني، من التحول إلى قوة سياسية مؤثرة، واضطر لخوض الانتخابات ضمن تحالف مع الجماعة الإسلامية، ليحصد ستة مقاعد فقط، ما عكس الفجوة بين زخم الشارع وقدرة التنظيم السياسي على ترجمة هذا الزخم انتخابيا.
وفي مشهد يؤكد الاستقطاب السياسي الحاد، فشل 41 حزبا في الفوز بأي مقعد في الانتخابات البرلمانية الثالثة عشرة، بينما أفرزت النتائج برلمانا محدود التمثيل تهيمن عليه القوى الكبرى.
وتبقى بنغلاديش، التي يبلغ عدد سكانها نحو 175 مليون نسمة وتشكل الأغلبية المسلمة فيها ثقلا اجتماعيا وسياسيا رئيسا، أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها رهانات الاستقرار السياسي مع تحديات إعادة بناء الثقة بالمؤسسات الديمقراطية.

التركيبة السياسية
قبل انتخابات فبراير/شباط 2026، كانت آخر انتخابات برلمانية قد جرت في 7 يناير/كانون الثاني 2024، وسط غياب قوى المعارضة الرئيسة، وعلى رأسها حزب بنغلاديش الوطني والجماعة الإسلامية البنغلاديشية، اللذان قاطعا العملية الانتخابية بدعوى غياب النزاهة. وبذلك فاز الحزب الحاكم حينها، رابطة عوامي، بـ224 مقعدا من أصل 300، بينما توزعت بقية المقاعد بين مستقلين وأحزاب صغيرة.
لكن المشهد تبدّل جذريا بعد الثورة الشعبية التي قادها شباب “جيل زد” وأطاحت بحكم شيخة حسينة في أغسطس/آب 2024؛ إذ عادت القوى التي كانت مهمّشة إلى صدارة البرلمان.
فقد اكتسح حزب بنغلاديش الوطني الانتخابات الجديدة بحصوله مع حلفائه على 212 مقعدا، في حين حصد تحالف الجماعة الإسلامية 77 مقعدا، وفقا للنتائج المعلنة رسميا، في تحول يعكس إعادة تشكيل الخريطة السياسية بالكامل.
ومن منفاها في الهند، وصفت شيخة حسينة الانتخابات بأنها “مهزلة” بسبب منع حزبها من المشاركة، في وقت يواجه فيه إرث حكمها انتقادات واسعة بعد سقوطه، بينما شكّك كل من رابطة عوامي والجماعة الإسلامية في بعض جوانب العملية الانتخابية، متهمين الحزب الفائز بارتكاب مخالفات.
وتشير تقارير صحفية محلية إلى أن انتقال السلطة في مرحلة ما بعد الثورة ليس سلسا، رغم مرور الانتخابات دون حوادث كبيرة، وذلك بسبب تغيّر البنية المؤسسية واختفاء كثير من أركان البرلمان السابق بعد حلّه.
ففي الظروف الطبيعية، يؤدي رئيس البرلمان المنتهية ولايته القسم للأعضاء الجدد، لكن غياب هذا الإطار دفع إلى البحث عن مسار دستوري جديد لإتمام انتقال السلطة.
وبينما تتجه الأنظار إلى الرئيس المؤقت محمد يونس وخبراء الدستور لحسم آليات التكليف، يُتوقع أن يتولى طارق رحمن، زعيم الحزب الوطني، تشكيل الحكومة الجديدة بعد حصول حزبه على أغلبية مريحة تتجاوز العتبة المطلوبة (151 مقعدا من أصل 300).
وأظهرت النتائج أيضا تشتت المشهد الحزبي؛ إذ فازت أربعة أحزاب صغيرة بمقعد واحد لكل منها، وحصد المستقلون سبعة مقاعد، بينما فشل 41 حزبا في الفوز بأي تمثيل.
وبلغت نسبة المشاركة في التصويت 59.44 بالمئة، مع مشاركة 50 حزبا سياسيا و2028 مرشحا تنافسوا على 299 دائرة انتخابية، في انتخابات تعكس عودة المنافسة السياسية بعد سنوات من الانغلاق.

عودة "الحزب الوطني"
لا يُصنف حزب بنغلاديش الوطني بوصفه حزبا علمانيا خالصا ولا إسلاميا صريحا، بل يُقدَّم عادة بوصفه حزبا قوميا محافظا يميل إلى توظيف الهوية الإسلامية ضمن إطار وطني، مع موقف سياسي تقليدي يتسم بالحذر تجاه الهند.
تأسس الحزب على يد الرئيس الراحل ضياء الرحمن، وحقق حضورا مبكرا في الحياة السياسية بفوزه بـ207 مقاعد من أصل 298 في انتخابات عام 1979.
وبعد اغتيال مؤسسه، تولت زوجته خالدة ضياء قيادة الحزب، ليعود إلى الحكم عام 1991 بدعم من الجماعة الإسلامية، وتصبح خالدة ضياء أول امرأة تتولى رئاسة الوزراء في البلاد.
وشكّل الحزب حكومة لفترة قصيرة عقب انتخابات فبراير/شباط 1996، قبل أن يخسر أمام رابطة عوامي في انتخابات يونيو من العام نفسه، ثم عاد إلى السلطة مجددا عام 2001 ضمن ائتلاف مع الجماعة الإسلامية، محققا 195 مقعدا، وهي آخر حكومة قادها قبل عودته القوية في انتخابات 2026.
واليوم، ومع تصدره المشهد السياسي مجددا، يواجه الحزب تحديات مباشرة تتعلق بإعادة الاستقرار السياسي، واستعادة ثقة المستثمرين، وإحياء قطاعات اقتصادية رئيسة، خصوصا صناعة الملابس التي تمثل أحد أعمدة الاقتصاد البنغلاديشي بعد سنوات من الاضطراب السياسي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن امتلاك الحزب أغلبية مريحة في البرلمان قد يساعده على تمرير الإصلاحات بسرعة وتجنب حالة الشلل التشريعي، ما قد ينعكس إيجابا على الاستقرار في المدى القريب.
لكن الحكومة المقبلة سترث اقتصادا مرهقا في بلد يُعد ثاني أكبر مصدّر للملابس في العالم، إلى جانب علاقات إقليمية حساسة، خاصة مع الهند، ما يفرض توازنا دقيقا بين الخطاب القومي ومتطلبات السياسة الخارجية.
وشارك نحو 127 مليون ناخب في الانتخابات التي تزامنت مع استفتاء شعبي حول إصلاحات دستورية مقترحة، تشمل تحديد فترات ولاية رئيس الوزراء، وإنشاء مجلس برلماني أعلى، وتوسيع صلاحيات الرئيس، وتعزيز استقلال القضاء، وهي ملفات قد ترسم ملامح المرحلة السياسية الجديدة.
ومن المنتظر أن يتنحى الرئيس المؤقت محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل للسلام، فور تسلم الحكومة الجديدة مهامها، منهيا مرحلة انتقالية أعقبت سقوط حكومة شيخة حسينة وفتحت الباب أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي في بنغلاديش.

هل تراجع الإسلاميون؟
رأت بعض الصحف الغربية والهندية أن حصول تحالف الجماعة الإسلامية البنغلاديشية على المركز الثاني في الانتخابات يمثل تراجعا، خاصة أن تحالفها مع شباب “جيل زد” الذين قادوا الثورة لم يمنحها سوى 77 مقعدا، بينها ستة مقاعد فقط لحزب “المواطن الوطني”.
غير أن قراءة أخرى للنتائج ترى العكس تماما؛ إذ إن هذا الرقم يُعد تقدما غير مسبوق مقارنة بتاريخ الجماعة الانتخابي.
فحصول الجماعة وحدها على 68 مقعدا يشكل أعلى تمثيل برلماني حققته في تاريخها السياسي، ما يجعلها كتلة معارضة قوية داخل البرلمان وقادرة على التأثير في التشريعات والنقاشات العامة.
ويرى محللون أن هذا الأداء أعادها إلى التيار الرئيس للسياسة البنغلاديشية بعد سنوات من الحظر والتهميش، ومنحها موقع المعارضة الرئيسة في المشهد الجديد.
وتوزعت مقاعد التحالف بين الجماعة الإسلامية (68 مقعدا)، وحزب “المواطن الوطني” (6 مقاعد)، وحزب “الخلافة البنغلاديشي” (مقعدان)، وحزب “الخلافة” الآخر (مقعد واحد)، ليصل المجموع إلى 77 مقعدا.
ورغم ذلك، شككت الجماعة في نزاهة العملية الانتخابية، وقالت في بيان رسمي: إنها غير راضية عن الطريقة التي أُعلنت بها النتائج، متحدثة عن “تناقضات وتلاعبات متكررة” أثارت شكوكا حول شفافية التصويت.
وأكد أمير الجماعة الدكتور شفيق الرحمن وجود مخالفات، من بينها –بحسب تصريحاته– طرد وكلاء المرشحين من بعض مراكز الاقتراع وتسجيل حالات تزوير وهجمات ضد ناشطين وناخبين. مشيرا إلى وقوع أعمال عنف في عدد من المناطق.
كما طالبت قيادات الحزب، خلال اجتماع مع تحالف يضم 11 حزبا، بوقف ما وصفته بالانتهاكات وضمان حيادية العملية السياسية.
وتشير تقارير أمنية إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة مئات آخرين في اشتباكات مرتبطة بالحملات الانتخابية، ما يعكس حجم الاستقطاب السياسي في البلاد.
ويأتي ذلك في سياق تاريخي معقد؛ إذ تعرضت الجماعة منذ عام 2009 لحملة تضييق واسعة خلال حكم شيخة حسينة، شملت إعدام عدد من قادتها ومنعها من خوض الانتخابات عام 2013 بدعوى تعارض ميثاقها مع الدستور العلماني.
وترتبط حساسية موقع الجماعة كذلك بموقفها التاريخي خلال حرب استقلال بنغلاديش عام 1971، حين عارضت الانفصال عن باكستان انطلاقا من رؤية تقوم على الوحدة الإسلامية، وهو موقف ظل يلاحقها سياسيا حتى اليوم.
وقد أُنشئت محكمة خاصة عام 2010 لمحاكمة متهمين بجرائم حرب، وكان عدد من قادة الجماعة ضمن أبرز من استهدفتهم تلك المحاكمات.
رغم ذلك، فإن عودتها الحالية إلى البرلمان بأكبر تمثيل في تاريخها توحي بأن الحديث عن “تراجع الإسلاميين” قد يكون توصيفا متسرعا.
فبدلا من الانحسار، تبدو الجماعة وكأنها استعادت شرعية سياسية وشعبية تسمح لها بالتحرك من داخل المؤسسات، في مرحلة سياسية جديدة تعيد رسم توازنات القوى في بنغلاديش.

أين جيل زد؟
شكّل الطلاب الذين قادوا الاحتجاجات الشعبية وأسقطوا حكومة شيخة حسينة عام 2024 حزبهم السياسي الخاص تحت اسم “المواطن الوطني”، ودخلوا الانتخابات ضمن تحالف مع الجماعة الإسلامية البنغلاديشية.
لكن النتائج جاءت أقل بكثير من التوقعات؛ إذ فاز الحزب بستة مقاعد فقط من أصل ثلاثين مقعدا نافس عليها، رغم أن مرشحيه يمثلون الجيل الذي فجّر الثورة.
وبحسب تقارير صحفية دولية، فإن معظم الفائزين من الحزب هم في العشرينيات من أعمارهم، ما يجعلهم أصغر المشرعين سنا في تاريخ بنغلاديش الحديث.
غير أن هذا الحضور الرمزي المحدود أثار تساؤلات واسعة حول مصير الزخم الثوري، ولماذا ذهبت المكاسب السياسية الكبرى إلى أحزاب تقليدية، وعلى رأسها حزب بنغلاديش الوطني، بدلا من القوى الشبابية التي قادت التغيير في الشارع.
وجاء تحالف حزب “المواطن الوطني” مع الجماعة الإسلامية في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 بعد أشهر من صعوبة اختراق المشهد السياسي البنغلاديشي الذي يوصف بالانقسام والعنف.
وترى نعومي حسين، أستاذة دراسات التنمية في جامعة SOAS بلندن، أن هذا التحالف كان مدفوعا جزئيا بتقديرات الحماية السياسية؛ إذ إن دخول البرلمان ضمن كتلة أكبر يمنح الشباب غطاء في بيئة سياسية شديدة التوتر، ويقلل من احتمالات تعرضهم لردود فعل عنيفة.
وفي أعقاب الانتفاضة التي أطاحت بالنظام السابق، عدت الانتخابات اختبارا حاسما لقدرة البلاد على الانتقال من لحظة الاحتجاج إلى بناء مسار سياسي مستقر.
وتشير بعض التقديرات الغربية إلى أن فوز حزب بنغلاديش الوطني يعكس تفضيل الناخبين لحزب ذي خبرة سابقة في الحكم، في ظل تحديات اقتصادية وأمنية معقدة، مقابل حذر من تسليم السلطة لقوة سياسية ناشئة يفتقر أعضاؤها إلى الخبرة.
في المقابل، ترى قراءات أخرى أن عودة الأحزاب التقليدية، بما فيها الحزب الوطني البنغلاديشي، لا تعكس بالكامل روح الإصلاح التي حملتها الانتفاضة الطلابية، بل تمثل عودة إلى نموذج سياسي قديم، ما يفسر شعور جزء من الشباب بأن الثورة لم تترجم بعد إلى تغيير جذري في بنية السلطة.
وهكذا، يبدو أن “جيل زد” انتقل من صدارة الشارع إلى حضور محدود داخل البرلمان: حضور رمزي يثبت وجوده السياسي، لكنه لا يزال بعيدا عن امتلاك الثقل الكافي لقيادة المرحلة، في مشهد يطرح سؤالا مفتوحا حول ما إذا كان هذا الجيل يؤسس لمرحلة أطول نفَسا، أم أنه خسر لحظة التحول التي صنعها بنفسه.
المصادر
- BNP and allies win 212 seats, Jamaat-led bloc bags 77
- Bangladesh Nationalist Party Wins Big in Pivotal Election
- After two decades, BNP set to form govt
- Bangladesh election: BNP wins historic first vote since overthrow of Hasina
- BNP sweeps Bangladesh election, son of former rulers set to become PM
- How will the transition of power look in post-revolution Bangladesh?
- Allegation of vote counting manipulation raised by Jamaat ameer
- Gen Z won the revolution. The old guard are dominating the election















