من "المساعدات" إلى الشراكة.. لماذا تريد إسرائيل فك الارتباط العسكري عن واشنطن؟

منذ ٥ ساعات

12

طباعة

مشاركة

يرى معهد عبري أن "إعلان رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ضرورة تقليص المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل تدريجيا حتى الوصول إلى الصفر بحلول نهاية العقد الحالي يمثل تحولا إستراتيجيا مطلوبا وملحا”.

وقال معهد "مشغاف للأمن القومي والإستراتيجية": إن "الأمر أصبح اليوم أوضح من أي وقت مضى، فما كان يعد في السابق رصيدا إستراتيجيا لإسرائيل يتحول تدريجيا إلى عبء يضر بصورتها وبعلاقاتها مع شريكتها الكبرى".

تعزيز الشراكة

وقدر المعهد أن "التحول الذي يقوده نتنياهو ممكن بل وضروري، فبعيدا عن الإضافة الكبيرة في الموارد، يحمل إطار المساعدات الحالي عيوبا إستراتيجية غير قليلة".

وفصّل هذه العيوب قائلا: "أولا، يجب الاعتراف بالواقع السياسي في الولايات المتحدة، حيث تتعاظم في الحزبين أصوات معارضة لهذا الإطار، سواء بدافع الرفض المبدئي للمنح الخارجية كما يرى اليمين الجمهوري، أو بدافع الرغبة في ربط المساعدات بتغيير السياسات الإسرائيلية كما يرى اليسار الديمقراطي".

وتابع: "ثانيا، وهو ما يثير القلق أكثر، هو أن المساعدات أسهمت بشكل غير مباشر في فقدان الاستقلالية في إنتاج السلاح، كما قلصت الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية".

وفي هذا السياق، لفت المعهد إلى أن "الحاجة المستمرة إلى الإمدادات العسكرية خلال الحرب الحالية تحولت لأداة ضغط قوية على إسرائيل، بما يحد من هامش المناورة السياسية والعسكرية".

وأفاد بأن “إسرائيل في عشرينيات القرن الحادي والعشرين لم تعد تلك الصغيرة المعتمدة على الدعم كما كانت في سبعينيات القرن العشرين، بل أصبحت قوة تكنولوجية واقتصادية قادرة، بل وملزمة، بالاعتماد على نفسها”.

"لكن في مواجهة هذه الرؤية، تبرز مخاوف من فقدان العلاقة مع هذه القوة العظمى". يقول المعهد.

واستدرك بالقول: إن “الحقيقة هي العكس تماما؛ إذ إن إلغاء المساعدات قد يعزز الشراكة مع واشنطن بدلا من إضعافها”.

وتابع موضحا: "فالولايات المتحدة اليوم تسعى إلى تقليص حضورها في الشرق الأوسط من أجل التركيز على التحدي الصيني، وهي تبحث عن شركاء أقوياء ومستقلين وفاعلين".

وفي هذا السياق، يبرز -بحسب المعهد- دور إسرائيل؛ حيث لم تعد تعتمد على المنح، بل تموّل احتياجاتها العسكرية من مواردها الذاتية، بما يبعث برسالة قوة لا ضعف. 

وبهذا التحول، تنتقل من موقع "الدولة المدعومة" إلى موقع رأس الحربة داخل المعسكر الغربي في مواجهة المحور الإيراني.

وهو ما يعتقد أنه سيلقى تقديرا لدى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي "أوضحت مرارا أنها تقدر الشركاء الذين يتحملون العبء بأنفسهم".

في حجة أخرى، أشار المعهد إلى أن "البعض يرى في المساعدات رمزا للدعم الأميركي، وأن غيابها سيضعف الردع".

وفنّد هذا الطرح قائلا: "غير أن السؤال المطروح هو: إذا كانت رمزية المساعدات تمثل ردعا فعليا، فكيف اندلعت الحرب متعددة الجبهات الحالية؟ والحقيقة أن التخلي المنسق والمبادر إليه عن المساعدات سيبعث إلى أعدائنا رسالة صلابة وطنية مستقلة".

وأردف: "فالتبعية ليست حالة ثنائية، وتقليص المساعدات لن يقطع العلاقة مع الولايات المتحدة، لكنه سيعزز موقع إسرائيل التفاوضي عندما لا تتطابق مصالح البلدين".

وأخيرا، أبرز المعهد البُعد الاقتصادي قائلا: "تبلغ قيمة المساعدات السنوية نحو 3.8 مليارات دولار، ورغم أن هذا مبلغ كبير، فإنه لا يمثل سوى نحو 2.3 بالمئة من ميزانية إسرائيل لعام 2025 التي تقدر بحوالي 620 مليار شيكل (198 مليار دولار)".

في هذا الصدد، نوه إلى أن "قيمة المساعدات في سبعينيات القرن العشرين كانت تقارب 20 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، بينما تقل اليوم عن 1 بالمئة".

وبالتالي، "يعد الاقتصاد الإسرائيلي قويا بما يكفي لاستيعاب هذه الكلفة تدريجيا على مدى عقد من الزمن". بحسب المعهد.

شراكة لا مساعدات

في تحليل مغاير، كتبت صحيفة "إسرائيل هيوم" العبرية: "هذه هي الأسباب التي تجعل التخلي عن المساعدات الأميركية مفيدا لإسرائيل"، مؤكدة أن التوصيف السائد منذ عقود لما يُعرف بـ"المساعدات" الأميركية ينطوي على "قدر كبير من التضليل".

وأوضحت أن هذا الطرح ظهر لأول مرة منذ 14 عاما، لافتة إلى أنه "في هذا الوقت عدّت فكرة التخلي عن المساعدات الأميركية، غريبة".

وقالت: "المساعدات كانت أداة ضغط في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، فإسرائيل كانت ملزمة بشراء معدات عسكرية أميركية لا تلبي دائما احتياجاتها".

وأضافت “كما أن الصناعات الدفاعية الإسرائيلية كانت مقيدة سواء على مستوى التطوير أو فيما يتعلق ببيع منتجاتها لدول أخرى”.

وتابعت: "هذه المساعدات أسهمت في تصعيد سباق التسلح، وكرّست صورة لإسرائيل بوصفها دولة تابعة، الأمر الذي أضر بصلابتها الوطنية داخليا وبمكانتها الدبلوماسية خارجيا".

وبدلا من صيغة "المساعدات" اقترحت الصحيفة "صيغة جديدة من التعاون تشمل تقليصا تدريجيا للمساعدات واستبدال أجزاء منها ببرامج بحث وتطوير".

وبحسب تقديرات دقيقة، فإن 3.8 مليارات دولار تخصصها الولايات المتحدة سنويا لإسرائيل تعادل أكثر من 8 مليارات لها، وهناك تقديرات أخرى تصل إلى 15.5 مليار، فيما يشير الباحث، يورام إيتينغر، إلى أن الفائدة لأميركا قد تصل إلى 48 مليار دولار سنويا.

وعقّبت الصحيفة: “أيا كان الرقم، يجب التذكير بأن الأموال الأميركية موجهة اليوم لشراء منتجات من الصناعات الأميركية”.

"بمعنى آخر، فإن الحكومة الأميركية تضخّ الأموال في اقتصادها، وإسرائيل مجرد قناة تستفيد من التحويل". وفق تعبير الصحيفة.

وأضافت: "ما قيمة السمعة الجيدة التي اكتسبتها الأسلحة الأميركية نتيجة الاستخدام الناجح لها من قبل الجيش الإسرائيلي؟ وكم وفرت على الأميركيين تلك العقول الإسرائيلية التي طورت منظومات مثل حيتس، والقبة الحديدية".

واستطردت: "كلها أنظمة دفاعية حاولت الولايات المتحدة تطويرها لعقود ولم تنجح، ناهيك عن الخبرة العملياتية من ساحات القتال التي تشاركها إسرائيل مع أميركا، وهي أيضا لا تقدّر بثمن".

وبرأيها، فإن "هذه الأمثلة وغيرها توضح أن من الأدق إعادة تعريف ما يسمى "مساعدات" أميركية إلى إطار "شراكات"، لأن هذا هو الواقع الفعلي، فالأمن القومي الأميركي يتعزز بشكل كبير نتيجة هذه العلاقة مع إسرائيل".

وأكدت الصحيفة أن “مَن يتابع المزاج العام في الولايات المتحدة يدرك أن الانتقال من (المساعدات) إلى (الشراكة) أصبح ضرورة”، وعزت ذلك إلى أن "صورة إسرائيل تضررت في الرأي العام هناك قبل الحرب، وزادت سوءا خلالها".

وفي هذا السياق، شددت الصحيفة على أن "الإقدام على خطوة جريئة بالتخلي عن الأموال سيعود بفائدة كبيرة على إسرائيل؛ ففي وقت تمر فيه واشنطن بضغوط اقتصادية وتتجه للانكفاء على الداخل، سيُنظر إلى هذا التوفير الإسرائيلي بوصفه تصرفا ودّيا ومسؤولا، يعكس شراكة موثوقة".

وأضافت أن "هذه الخطوة من شأنها أيضا أن تسحب الذرائع من أيدي المتطرفين في الحزبين الذين يروّجون أفكارا معادية للسامية عن يهود يستفيدون من أموال الآخرين".

والأكثر أهمية بحسب وجهة نظرها، أنها "ستبث للعالم رسالة أن إسرائيل تقف على قدميها ولم تعد تجمع التبرعات".

واختتمت: "ومع احتفال أميركا بمرور 250 عاما على استقلالها، واقتراب إسرائيل من عامها الثمانين، خاصة بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، فإن هذه الرسالة هي الأصح في التوقيت الأنسب، داخليا وخارجيا".

نصف الصورة

وتتفق صحيفة "يديعوت أحرونوت" مع "إسرائيل هيوم"، وترى أن "التحول المتوقع نحو شراكات إسرائيلية–أميركية، بدلا من الإطار القائم على المساعدات، من شأنه أن يعزز الصناعة المحلية، وقد يفضي مستقبلا إلى تحقيق مكاسب اقتصادية أكبر".

إضافة إلى ذلك، وفي ظل توجهات الرأي العام في الولايات المتحدة، فإنها تقدر أن "هذه الخطوة تسهم في تفكيك لغم نفسي وإعلامي حقيقي، فبحسب استطلاع لمركز (بيو) أجري في أكتوبر 2025، يرى نحو ثلث الأميركيين أن حجم المساعدات لإسرائيل مبالغ فيه".

وفي مثل هذه الظروف، ومع بلوغ الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل نحو 600 مليار دولار، تبدو هذه المساعدات، بحسب توصيف "يديعوت أحرونوت"، "عبئا أكثر منها رصيدا".

واستدركت أن "هذا لا يمثل سوى نصف الصورة؛ إذ لا ينبغي أن ينحصر النقاش في مبررات إلغاء المساعدات فحسب، بل في البحث عن السبل الكفيلة ببناء شراكة بديلة".

وبعبارة أخرى، أكدت الصحيفة أنه "يتعين فحص القيمة التي تستطيع إسرائيل تقديمها، وفي الوقت ذاته تحديد العوامل التي تُضعف هذه القيمة أو تُقوّضها".

ونوهت إلى أنه "عندما تشير استطلاعات مختلفة إلى أن نحو نصف الشباب في الولايات المتحدة يؤيدون حماس بالفعل، فإن هذا السيناريو لا يبدو خياليا".

في مواجهة ذلك، يعتقد التقرير أن إسرائيل "لا تقدم المال، بل المعرفة، فموردها الأساسي لتجسيد شراكاتها المستقبلية مع الولايات المتحدة ليس التمويل، وإنما المبادرة والتأهيل البشري".

وادعى أن "العقل الإسرائيلي هو الركيزة الأساسية في هذا المسار، ومن دونه، يصبح التطور المقبل في منظومة المساعدات بلا جدوى".

وعند النظر من هذه الزاوية، تبدو الصورة مقلقة، فرغم الاستثمارات الضخمة في قطاع التعليم، تعاني المدارس في إسرائيل من اكتظاظ الصفوف وتآكل مكانة المعلمين، يقول التقرير.

وفي المحصلة، قدرت الصحيفة أن "إلغاء المساعدات الأميركية ليس حدثا أمنيا أو اقتصاديا فحسب، بل هو في جوهره قضية تعليمية بالدرجة الأولى".