أزمة السيولة و"الأسيكودا".. كيف قلبت القرارات الجمركية حياة التجار والأسواق في العراق؟

يوسف العلي | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تشهد العاصمة العراقية بغداد وعدد من المدن الأخرى أزمة جديدة، مع اندلاع إضرابات وتظاهرات للتجار وأصحاب المحال، احتجاجًا على رفع التعرفة الجمركية المفاجئ وتطبيق نظام "الأسيكودا" دون أي مقدمات.

وانطلقت هذه التظاهرات يوم 8 فبراير/شباط 2026، رافعة شعارات ضد الفساد الحكومي وسرقة المال العام، ما أثار تساؤلات حول احتمالية تحولها إلى احتجاجات شعبية واسعة. وتبرز مخاوف من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير، وسط تساؤلات حول مدى استعداد السلطات للتراجع عن قراراتها الأخيرة المتعلقة بالرسوم الجمركية.

إصرار حكومي

مع دخول العام 2026، قررت الحكومة العراقية مطلع يناير تطبيق نظام "الأسيكودا" ورفع التعرفة الجمركية على معظم السلع، بالإضافة إلى تعديل طريقة احتساب الرسوم على الحاويات، من التعرفة على أساس الحجم إلى التعرفة على أساس قيمة البضائع.

وارتفعت الرسوم الجمركية بنسب تتراوح بين 5 و30%، موزعة على شرائح تبدأ من 5 و10 و15% وصولًا إلى الحد الأعلى البالغ 30%، لتشمل كامل سجل التعريفة الجمركية المؤلف من 99 فصلًا يضم نحو 16.4 ألف بند، وهي البنود المعتمدة عالميًا في التجارة الدولية.

ويعدّ نظام "الأسيكودا" برنامجًا رائدًا لأتمتة الجمارك بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، يهدف إلى رقمنة عمليات التخليص الجمركي، والحد من مخاطر الاحتيال، وتسهيل حركة التجارة عبر الحدود. ورغم أن السلطات العراقية أقرت البرنامج منذ عام 2010، إلا أن الحكومة الحالية قررت تطبيقه الآن، بحسب مختصين، لتعزيز الإيرادات المالية وتمكينها من دفع رواتب الموظفين، بعد انخفاض أسعار النفط إلى نحو 61 دولارًا للبرميل.

ويستقبل العراق نحو 2000 حاوية يوميًا عبر الموانئ، ومع تطبيق القرارات الجديدة، تكدست نحو 76 ألف حاوية نتيجة رفض التجار استلامها بسبب ارتفاع التكاليف بشكل كبير. 

وفي محاولة لتجاوز الأزمة، قام بعض التجار بتحويل وصول بضائعهم إلى إقليم كردستان الذي لم تشمله الإجراءات الجديدة، لكن السلطات نصبت نقاطًا جمركية على حدود الإقليم، ما اضطر التجار لدفع الرسوم مرتين.

ورغم الاحتجاجات والإضرابات، أكدت هيئة الجمارك العراقية في بيان صادر بتاريخ 9 يناير استمرار اعتماد هذه الآليات، وعدّتها ضرورية لتعزيز الشفافية، وتنظيم العمل الجمركي، وحماية المال العام، ودعم بيئة تجارية مستقرة، بما يتوافق مع توجهات الحكومة للإصلاح المالي والاقتصادي.

وفي السياق ذاته، عقد "ائتلاف إدارة الدولة"، الذي يضم جميع القوى السياسية المشاركة في الحكومة، اجتماعًا في 9 فبراير شدد خلاله على دعم الإجراءات الحكومية الجوهرية والمهمة، الرامية إلى تعزيز الحلول الإستراتيجية البناءة.

وأكد المجتمعون ضرورة مساندة الإصلاحات الاقتصادية، وضبط المنافذ الحدودية، وإيقاف جميع أشكال التهريب، والحد من التهرب الضريبي والجمركي، إضافة إلى حماية المنتج المحلي وتنمية الصناعة الوطنية، وتنويع مصادر الدخل لتقليل الاعتماد الكلّي على النفط.

تداعيات "الأسيكودا"

علق الخبير الاقتصادي العراقي نبيل المرسومي على الأضرار التي تسبب بها تطبيق نظام "الأسيكودا"، مؤكدًا أن هذا النظام أدى إلى انخفاض التعاملات التجارية وتراجع الإيرادات الجمركية في العراق.

وفي تدوينة نشرها على "فيسبوك" بتاريخ 7 فبراير، أوضح المرسومي أن "النشاط التجاري في العراق يعد الأكثر أهمية حاليًا، إذ يضم أكثر من 350 ألف منشأة تجارية وأكثر من مليون تاجر يتعاملون بسلع مستوردة ومحلية بعشرات المليارات من الدولارات، ويشغلون ملايين الأيدي العاملة".

وأضاف أن هذا النشاط التجاري يعاني حاليًا من تداعيات تطبيق نظام الأسيكودا ورفع التعرفة الجمركية، ما أدى إلى انخفاض حجم المعاملات التجارية للعراق مع الخارج إلى النصف، مع تسجيل خسائر كبيرة للتجار والحكومة على حد سواء، إذ انخفضت الإيرادات الجمركية لشهر يناير الماضي بمقدار 71 مليار دينار مقارنة بالأشهر السابقة.

وأشار المرسومي، في منشور سابق، أن تطبيق "الأسيكودا" تسبب أيضًا في ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية من 1400 إلى 1500 دينار مقابل الدولار الواحد، وتكدس 52 ألف حاوية في الموانئ العراقية، ما أضر بشركات الخدمات البحرية والنقل الداخلي، وأدى إلى ركود كبير في حركة البضائع وتحويل استيرادها نحو منافذ كردستان.

وأضاف أن التداعيات شملت انخفاضًا حادًا في الإيرادات غير النفطية، وارتفاع أسعار السلع المستوردة في السوق المحلية، ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وفي هذا السياق، أعلن عضو مجلس النواب العراقي، محمد الخفاجي، خلال مؤتمر صحفي في مبنى البرلمان بتاريخ 8 فبراير، أن المحكمة الاتحادية (أعلى سلطة قضائية في العراق) قررت تحديد يوم 11 فبراير موعدًا للبت في الطعن المقدم ضد قرار حكومة تصريف الأعمال بزيادة التعرفة الجمركية.

من جهتها، دعت النائبة ابتسام الهلالي رئاسة مجلس النواب إلى إدراج قضية الضرائب والتعرفة الجمركية ضمن جدول أعمال الجلسة، نظرًا لتأثيرها المباشر على الواقع الاقتصادي والمعيشي للعراقيين وارتفاع أسعار السلع المستوردة.

ونقلت وكالة "شفق نيوز" عن الهلالي قولها إن النواب سبق أن تقدموا بطلبات لمناقشة هذه القرارات الحكومية، مؤكدين أنهم سيجددون مطالبتهم بمناقشة تداعيات القرارات التي سببت إضرابًا وإغلاق المجمعات والمحلات التجارية.

خيارات مطروحة

يرى الباحث في الشأن الاقتصادي العراقي، عدنان الشمري، أن الحكومة أرادت من تطبيق نظام "الأسيكودا" تنظيم عملية الجمارك ومكافحة التهريب، من خلال تقديم فاتورة مسبقة بالمواد المستوردة والمبالغ المستحقة، بحيث يتم مطابقة الشحنة مع البيانات عند وصولها.

وأضاف الشمري لـ"الاستقلال" أن النظام الجديد يساهم في القضاء على غسيل الأموال وتهريب العملة الصعبة، مؤكدًا أن العراق يستورد سنويًا نحو 70 مليار دولار، لكنه لا يجني منها جمركيًا سوى نحو مليار واحد، فيما يفترض أن تكون الإيرادات أعلى بكثير.

ورأى الشمري أن "النظام قد لا يكون مرغوبًا لدى بعض التجار، الذين قد يفتعلون الأزمة للضغط على الحكومة وتأجيج الشارع"، موضحًا أن الأسيكودا سيستمر على الأرجح، لكن ربما يُعاد النظر في نسبة التعرفة الجمركية على البضائع.

وأشار الشمري إلى أن توقيت تطبيق النظام ورفع التعرفة الجمركية هدفه تمكين الحكومة من جني أكبر قدر ممكن من الأموال، خاصة في ظل نقص السيولة لتمويل رواتب الموظفين، وربما تشمل الإجراءات أيضًا تعديل سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار لتوفير السيولة.

من جهته، أكد النائب في البرلمان العراقي ماجد شنكالي أن "الدولة أمام خيارين للخروج من أزمة نقص السيولة: إما تقليل رواتب الموظفين، وهو ما لا يمكن تطبيقه لأن هذه الشريحة تمثل نحو 40 بالمئة من سكان العراق، أو رفع قيمة الدولار أمام الدينار لتوفير السيولة اللازمة لدفع الرواتب"، مشيرًا إلى أن الخيارات المطروحة تتراوح بين 1600 و1800 دينار لكل دولار، دون الإعلان عن قرار نهائي بعد.

وفي السياق ذاته، انتقد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي طريقة تنفيذ النظام، مقدرا أنها خلقت مشكلات جديدة أدت لتعثر سلاسل التوريد، وتعطل حركة الموانئ، وتكدس البضائع، وإغلاق عدد من المحلات التجارية.

وقال الهاشمي في تدوينة نشرها على منصة "إكس" بتاريخ 8 فبراير، إنه كان من المفترض تطبيق نظام الأسيكودا بشكل مرحلي، عبر تقسيم البضائع إلى فئات واتباع جدول زمني معلن، مع حملات توعية للموظفين والتجار لتعريفهم بالنظام وفوائده وآثاره على الحركة التجارية، وأخذ ملاحظاتهم في الحسبان.

وأضاف أن الحكومة وضعت هدفًا واحدًا من هذا النظام وهو زيادة الإيرادات الجمركية، متجاهلة أن سوء التنفيذ وضعف إدارة التغيير قد يسبب إرباكًا ومعارضة واسعة. ودعا الهاشمي الحكومة إلى الاعتراف بالأخطاء ومراجعة الخطة والسياسات الجمركية، بما يسمح بضبط الحركة التجارية وزيادة الإيرادات بطريقة منطقية ودون الإضرار بالتجارة الشرعية.