فائق زيدان.. قاضٍ يقود مواجهة حاسمة لعرقلة عودة المالكي إلى السلطة

يوسف العلي | منذ ١٧ ساعة

12

طباعة

مشاركة

أظهر الخلاف الشيعي الدائر بشأن ترشيح غالبية قوى «الإطار التنسيقي» الحاكم نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة العراقية المقبلة، صراعًا خفيًا حادًا بين قطبين داخل ما بات يُعرف بـ«الدولة العميقة» في العراق، تقودهما شخصيتان مقربتان من إيران.

ومنذ طرح اسم المالكي في 24 يناير/ كانون الثاني 2026، واجه ترشيحه اعتراضات من أربعة أطراف داخل «الإطار التنسيقي»، إلى جانب ثلاثة أطراف من «المجلس السياسي الوطني» (السني)، قبل أن يتبع ذلك «فيتو» صريح من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبّر عنه في تدوينة نشرها على منصته للتواصل الاجتماعي في 27 من الشهر ذاته.

محرك الدمى

رغم أن اسمه نادرًا ما يُذكر بشكل رسمي، بدأ اسم فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق والمقرّب من إيران، يطفو إلى العلن أخيرًا في سياق الخلافات داخل البيت الشيعي، لا سيما الاعتراضات على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة، إلى حدّ الحديث عن وقوفه خلف أطراف معترِضة على هذا الترشيح.

ويُعدّ من أبرز المعترضين على المالكي داخل «الإطار الشيعي» كلّ من قيس الخزعلي، وعمار الحكيم، وشبل الزيدي، وحيدر العبادي، فيما يبرز من «المجلس السياسي السني» محمد الحلبوسي، وخميس الخنجر، وأحمد الجبوري (أبو مازن).

وفي هذا السياق، قال القيادي في تحالف «العزم» السني، حيدر الملا، خلال مقابلة مصوّرة في 20 يناير/ كانون الثاني، إن «التغريدات التي صدرت عن الحلبوسي وأبو مازن جاءت تنفيذًا لإرادة أطراف عراقية غير سياسية، طلبت منهم اتخاذ مواقف رافضة لترشيح المالكي»، مضيفًا أن «هذه الأطراف تتلقى توجيهات من غيرها، ونحن والإطار التنسيقي نعلم جيدًا من أين تأتي».

من جهته، كتب الكاتب والمحلل السياسي يحيى الكبيسي في تدوينة على منصة «إكس» بتاريخ 4 فبراير/ شباط: «بعيدًا عن فيتو ترامب الذي سينصاعون له، فإن الصراع الحقيقي هو بين المالكي من جهة، وفائق زيدان وقيس الخزعلي من جهة أخرى».

وأضاف أن «زيدان يدرك تمامًا أن وصول المالكي إلى رئاسة الحكومة سيُصدّع جمهوريته، فيما يتيقن الخزعلي أن إقطاعيته ستتقوض»، وأن «دور الحلبوسي لا يتجاوز دور القراقوز/الأراجوز (خيال الظل) الذي يحركه هذان الطرفان».

وفي تدوينة لاحقة بعد ثلاثة أيام، شدد الكبيسي على أنه «بعيدًا عن القراقوز الذي يحركه فائق زيدان، ويتشارك الخزعلي جزئيًا في تحريكه بعد إقصائه من رئاسة مجلس النواب، فإن أي شخصية سنية فاقدة للثقل الرمزي تدعم ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء، ينبغي أن تُعاقَب سياسيًا واجتماعيًا».

بدوره، كتب الإعلامي العراقي هشام علي، عقب انتخاب هيبت الحلبوسي رئيسًا لمجلس النواب في 29 ديسمبر/ كانون الأول 2025، تدوينة على «إكس» قال فيها: «المايسترو لا يحتاج إلى الكلام لقيادة الفرقة؛ إشارة واحدة تكفي حين يكون الجميع قد فهم دوره مسبقًا».

وفي إشارة إلى القاضي فائق زيدان، أوضح علي أن «إدارة الإيقاع تتطلب رجلًا فائق الذكاء، يمتلك معرفة دقيقة بمواضع الصمت قبل الصوت، وباللحظة التي يجب فيها كبح النشاز، كي لا يختل المزاج العام ولا تُكسر التوقيتات الدستورية للحن».

حارس المليشيات

وفيما يتعلق بمدى تغوّل فائق زيدان على القرار السني، أكد مصدر سياسي خاص لـ«الاستقلال»، طلب عدم الكشف عن هويته، أن زيدان يُعدّ الحاكم الفعلي للقوى السنية في المرحلة الراهنة، بتفويض مباشر من إيران، إذ يتدخل لحسم هوية الشخصيات التي تتولى المناصب السيادية، وعلى رأسها رئاسة مجلس النواب.

وأضاف المصدر أن «زيدان حلّ محل أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق، في إدارة المشهد السياسي من خلف الكواليس»، مشيرًا إلى أن «بعض القوى الشيعية، وتحديدًا قيس الخزعلي، باتت تتحرك ضمن هذا المسار أيضًا، فضلًا عن دفع زيدان بشخصيات مقرّبة منه للترشح ضمن قوائم انتخابية سُنية».

ولفت إلى أن «زيدان يخشى وصول نوري المالكي إلى السلطة، لأن المالكي هو الوحيد القادر على تقويض نفوذه داخل مفاصل الدولة العراقية، ورغم أن الطرفين يتمتعان بعلاقات وثيقة مع إيران، فإن زيدان لا يقبل بأي شريك في إدارة السلطة المطلقة».

وفي مقابلة تعود إلى أكثر من ست سنوات، كشف المالكي عن جانب من نفوذ زيدان المبكر، إذ قال إن القاضي فائق زيدان حضر إلى مكتبه برفقة قاضٍ آخر واثنين أو ثلاثة من الضباط، وأبلغه بوجود قرار لتفتيش منزل طارق الهاشمي، نائب رئيس الجمهورية آنذاك.

وأضاف المالكي أنه أخبر زيدان بأن الهاشمي يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية، وأن تنفيذ هذا القرار سيسبب أزمة سياسية كبيرة، إلا أن زيدان ردّ بالقول: إن «القرار صادر بموجب أدلة واعترافات»، مطالبًا بتنفيذ التفتيش، ومهددًا بإصدار أمر قبض بحق المالكي نفسه في حال عرقلة القضاء.

وكان طارق الهاشمي قد غادر بغداد عام 2011 متجهًا إلى إقليم كردستان، عقب توجيه حكومة المالكي تهمة «الإرهاب» إليه، وهي التهمة التي نفاها بشكل قاطع، وعدها استهدافًا سياسيًا بأوامر إيرانية، قبل أن يغادر البلاد نهائيًا عام 2012، دون أن يعود إليها حتى اليوم.

وفي 16 ديسمبر/ كانون الأول 2023، كشف تقرير صادر عن مركز «مكافحة الإرهاب» في «ويست بوينت» (الأكاديمية العسكرية الأميركية) أن فائق زيدان تحول من قاضٍ في الدولة إلى «حارس للمليشيات»، وأضحى محور ما وصفه التقرير بـ«انقلاب ناعم» خططت له جهات مرتبطة بإيران.

وتناول التقرير دور زيدان في تمكين «الإطار التنسيقي» من السيطرة على رئاسة الحكومة، عقب الصدامات التي اندلعت بين الفصائل المسلحة والتيار الصدري داخل المنطقة الخضراء، بعد انتخابات 2021 التي فاز فيها التيار الصدري بنحو 75 مقعدًا، قبل أن يعلن انسحابه في أغسطس/ آب 2022 إثر تلك الاشتباكات.

وأشار التقرير إلى أن صعود فائق زيدان لم يكن نتاج مسار إداري طبيعي، بل نتيجة مشروع جرى الإعداد له بعناية منذ عام 2004، حيث رأت فيه بعض الجهات «الأداة الأنسب» لتحويل النفوذ العسكري للمليشيات إلى نفوذ دستوري مستقر. وفي هذا السياق، أطلق عليه أبو مهدي المهندس لقب «حارس المشروع الشيعي»، وهو توصيف لم يكن اعتباطيًا، بل يحمل دلالة سياسية واضحة، بحسب التقرير.

ولفت المركز إلى أن «زيدان كان على تواصل مباشر مع قيادات فصائل مصنفة إرهابية، مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق، إضافة إلى مسؤولين في فيلق القدس»، مؤكدًا أن هذا التواصل تزامن مع صدور قرارات قضائية مفصلية أسهمت في سيطرة المليشيات وقوى «الإطار التنسيقي» على الدولة، رغم خسارتها في صناديق الاقتراع.

وأكد التقرير أن «القضاء في العراق لم يعد سلطة مستقلة، بل تحول إلى محرك سياسي رئيس يحدد من يحكم ومن يُقصى، ومن يدخل اللعبة السياسية ومن يُستبعد منها».

وخلص إلى أن «فائق زيدان حوّل المجلس الأعلى للقضاء إلى سلاح سياسي ومنصة تُدار عبرها معارك النفوذ، وبدل أن يكون القضاء حصن الدولة، أصبح جسرًا تعبر فوقه جماعات مسلحة لا ترى نفسها جزءًا من العراق، بل جزءًا من محور إقليمي».

مرشح سابق

وقبيل الانتخابات البرلمانية التي جرت في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2021، طُرح اسم فائق زيدان لتولي رئاسة الحكومة العراقية، لأسباب عدة، أبرزها قربه من إيران.

ولم تكن تلك المرة الأولى، إذ سبق أن طُرح اسمه عام 2018، لكنه رفض المنصب حينها، مفضّلًا الاستمرار في رئاسة مجلس القضاء الأعلى.

ينحدر فائق زيدان من عائلة الشيخ فرحان العبودي، من قضاء الشطرة بمحافظة ذي قار جنوبي العراق، إلا أنه وُلد في بغداد في 9 مارس/ آذار 1967، حيث أكمل مرحلتيه الابتدائية والثانوية. التحق لاحقًا بكلية القانون والعلوم السياسية في جامعة بغداد. وهو متزوج ولديه ستة أبناء، ثلاثة منهم إناث.

عمل زيدان محاميًا في بغداد لمدة سبع سنوات خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يلتحق بالمعهد القضائي العراقي، ليُعيَّن قاضيًا عام 1999 في بغداد. ومنذ ذلك الحين، تنقّل بين عدد من المحاكم المدنية والجزائية.

وفي مقابلة تلفزيونية أُجريت معه في أبريل/ نيسان 2021، وصف زيدان مسيرته القضائية بأنها «معقدة جدًا ومُرهِقة»، مؤكدًا أنه لا يتمنى لأولاده خوض التجربة ذاتها. وقال: «مررت بالكثير من المشاكل، ولا أتمنى لأولادي أن يسلكوا هذا الطريق، بل أتمنى أن يكون لهم خيار آخر بعيدًا عن القضاء».

وأوضح أن رفضه دخول أبنائه سلك القضاء «ينبع من الظروف التي يعيشها العراق»، مشيرًا إلى أنه «بعد فقدان الدولة لحالتها المركزية، أصبحت الأوضاع شبه منفلتة، والقضاء مهنة شاقة وصعبة، لا سيما في الظرف الحالي».

وأكد زيدان أن «السلطة القضائية في العراق تتعرض لضغوط كبيرة من السياسيين»، موضحًا أن «شعار استقلال القضاء يُرفع انتخابيًا، لكنه لا يُحترم عمليًا، إذ لا يلتزم البعض بسيادة القانون ولا باستقلال القضاء».

وانتقد زيدان الدستور العراقي، ويرى أن «ربط تعيين المناصب العليا في السلطة القضائية بمجلس النواب يمثل كارثة حقيقية»، داعيًا إلى تعديل الدستور في هذا الجانب.

يحمل فائق زيدان دبلومًا عاليًا في العلوم القضائية من المعهد القضائي في بغداد، وماجستير في القانون الدولي من الجامعة الإسلامية في بيروت، إضافة إلى شهادة الدكتوراه في القانون العام.

ويشغل زيدان حاليًا منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى. وسبق أن تولى رئاسة محكمة التمييز الاتحادية، بعد أن شغل منصب نائب رئيسها عام 2014، ثم رئيسها عام 2016.

وعمل زيدان في مهنة المحاماة ببغداد بين عامي 1991 و1997، قبل أن يدرس في المعهد القضائي من 1997 إلى 1999، ليُعيَّن قاضيًا في بغداد عام 1999. ومنذ ذلك الحين، عمل في المحاكم المدنية والجنائية حتى عام 2005، ثم عُيّن رئيسًا لمحكمة التحقيق المركزية المختصة بقضايا الإرهاب والجرائم الكبرى بين عامي 2005 و2012.

وفي عام 2012، أصبح عضوًا في محكمة التمييز الاتحادية، قبل أن يتدرج في مناصبها إلى أن تولى رئاسة مجلس القضاء الأعلى عام 2017، عقب صدور قانون مجلس القضاء الأعلى رقم (45) لسنة 2017، الذي نص على تولي رئيس محكمة التمييز الاتحادية رئاسة المجلس.