معركة السرديات.. لماذا انحاز الإعلام الأميركي ضد السعودية في خلافها مع الإمارات؟

داود علي | منذ ٣ ساعات

12

طباعة

مشاركة

مع انتقال الخلاف السعودي–الإماراتي من تباينات مكتومة إلى أزمة سياسية وإعلامية معلنة، بدا لافتًا أن المشهد لم يقتصر على صراع مواقف بين عاصمتين خليجيتين، بل تمدّد ليشمل معركة سرديات داخل الفضاء الإعلامي الأميركي والغربي.

فخلال أسابيع قليلة، امتلأت الصحف الأميركية الكبرى، والمجلات المتخصصة، وتقارير الإذاعات العامة، بتحليلات متقاربة في بنيتها، متشابهة في لغتها، تكاد تجمع على رسم صورة واحدة للأزمة: السعودية بوصفها الطرف الذي بدأ التصعيد وغيّر قواعد اللعبة، مقابل الإمارات التي قُدِّمت كقوة عقلانية تسعى إلى حفظ الاستقرار الإقليمي.

ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف تشكّل هذا الانحياز؟ ولماذا؟ خصوصًا أن الأمر لا يقتصر على مواقف صريحة أو افتتاحيات رأي، بل يتجلى في اختيار الألفاظ، وبناء العناوين، وافتراض المسؤوليات، وتوزيع الأدوار داخل النصوص الخبرية والتحليلية لوسائل الإعلام الأميركية.

منذ الأيام الأولى لخروج الخلاف إلى العلن، ظهر توجه واضح في الإعلام الأميركي نحو تحديد السعودية بوصفها مصدر الأزمة وأساس المشكلة، وتحميلها مسؤولية وصول الأمور إلى هذا المستوى من التصعيد.

ففي 27 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت مجلة كومنتري، المحسوبة على التيار الصهيوني الأميركي، مقالًا بعنوان: «السعوديون يلعبون بالنار»، وهو عنوان لا يترك هامشًا كبيرًا للتأويل؛ إذ لا تُصوَّر السعودية فيه كطرف ضمن نزاع، بل كفاعل متهور يهدد توازن الإقليم.

كما أن اللغة المستخدمة في المقال تنطلق من حكم أخلاقي أكثر مما تستند إلى تحليل سياسي؛ إذ تُقدَّم التحركات السعودية بوصفها مخاطرة غير محسوبة العواقب، في مقابل تصوير الإمارات كـحليف عقلاني لواشنطن وتل أبيب، يسعى إلى الحفاظ على الاستقرار في مواجهة ما يُوصَف بالاندفاع السعودي.

ولم يقتصر هذا التوصيف على صحافة الرأي، بل سرعان ما انتقل إلى الإعلام الاقتصادي.
ففي اليوم نفسه، 27 يناير 2026، نشرت وكالة بلومبيرغ تقريرًا بعنوان: «توتر السعودية والإمارات يضع أعمال الشرق الأوسط على المحك».

ورغم أن التقرير يركّز ظاهريًا على انعكاسات الأزمة على بيئة الأعمال والاستثمارات، فإنه يعيد إنتاج السردية ذاتها، من خلال ربط المخاطر بما يصفه بالتصعيد السعودي، مقابل الإشارة إلى الإمارات بوصفها طرفًا يسعى إلى احتواء التداعيات لا إلى صناعتها.

تكريس الانحياز 

يتكرر في التغطيات الأميركية استخدام مفردات بعينها عند الحديث عن السعودية، من قبيل: «تصعيد»، «إنذار»، «رد فعل عدواني»، و*«زعزعة للاستقرار»*. وهذه الألفاظ لا تُستخدم عرضًا، بل تؤدي وظيفة مركزية في بناء صورة ذهنية عن المملكة بوصفها الطرف الذي كسر التوازن القائم وأدخل الإقليم في طور اضطراب جديد.

وفي 27 يناير/كانون الثاني 2026، ذهبت مجلة فورين بوليسي أبعد من ذلك، في مقالها المعنون: «الشرق الأوسط أمام فريقين متنافسين جديدين».

قسّمت المجلة المشهد الإقليمي إلى محورين، وقدّمت الإمارات ضمن ما وصفته بـ«محور الاستقرار البراغماتي»، في مقابل تصوير السعودية كـقوة مراجِعة للنظام الإقليمي.

ويحمل هذا التوصيف، في الأدبيات السياسية الأميركية، دلالة سلبية واضحة؛ إذ يُستخدم عادة لوصم الدول التي يُنظر إليها بوصفها تهديدًا للنظام الدولي القائم.
وبهذا الإطار، لا تُناقَش دوافع التحرك السعودي أو سياقه، بل يُفترض مسبقًا أنه محاولة لإعادة تشكيل الإقليم بالقوة، وهو افتراض يتكرر بصيغ مختلفة في أكثر من منصة إعلامية.

واللافت أن هذا النمط من التأطير لم يقتصر على الصحافة المتخصصة، بل ظهر بوضوح في الإعلام العام الموجَّه للجمهور الأميركي الواسع.

ففي 17 يناير/كانون الثاني 2026، بثت إذاعة NPR تقريرًا بعنوان: «شرخ سعودي–إماراتي يحوّل حليفين مقرّبين إلى خصمين إقليميين».
ورغم اعتماد التقرير لغة مبسطة، فإنه ثبّت الانحياز عبر سردية واضحة: السعودية تغيّر قواعد اللعبة، فيما تضمن الإمارات الاستقرار. هذا التبسيط، رغم حياده الظاهري، يرسّخ صورة ذهنية أحادية لدى المتلقي.

وفي 9 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت وكالة أسوشيتد برس خبرًا عن القيود السعودية على الرحلات بين عدن والإمارات، ورغم الطابع الخبري المحايد للتغطية، فإن البناء السردي يصوّر السعودية كمصدر مباشر للتعطيل، من دون أي مساءلة موازية للدور الإماراتي في تعقيد المشهد اليمني خلال السنوات الماضية.

أما في 20 يناير/كانون الثاني 2026، فقد نشرت واشنطن بوست تقريرًا بعنوان: «بعد شرخ اليمن.. السعودية تسعى لتحجيم نفوذ الإمارات إقليميًا».
واختيار كلمة «تحجيم» هنا ليس تفصيلاً لغويًا عابرًا؛ إذ يفترض ضمنيًا أن النفوذ الإماراتي أمر طبيعي ومستقر، بينما يُصوَّر التحرك السعودي كفعل عدائي ضد واقع قائم.

وفي السياق ذاته، ذهبت لوس أنجلوس تايمز، في تقريرها الصادر في 21 يناير/كانون الثاني 2026، إلى توصيف السعودية بوصفها الطرف الذي بدأ الهجوم، منتقدة تقاربها مع تركيا، ومربطة الخلاف بتداعيات محتملة على استقرار إسرائيل، لا سيما في ما يتعلق بالدور الإماراتي في الصومال.

وهنا يتداخل التحليل السياسي مع معايير غير معلنة، يصبح فيها الموقف من إسرائيل معيارًا للحكم على عقلانية أو خطورة أي تحرك إقليمي، بما يعكس انحيازًا بنيويًا يتجاوز الخلاف الخليجي ذاته.

غطاء للسردية

حتى التغطيات الاقتصادية، التي تُقدَّم عادة بوصفها الأكثر حيادًا، لم تخرج عن هذا الإطار العام من الانحياز.

ففي 19 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت مجلة «سيمافور» الأميركية تقريرًا تناول تأثير الخلاف السعودي–الإماراتي على أجواء منتدى دافوس، ورغم الطابع التحليلي الهادئ للتقرير، فإنه ركّز على مخاوف الأسواق من التحركات السعودية، في حين جرى التعامل مع السياسات الإماراتية باعتبارها عامل استقرار مفروغًا منه.

ويلعب دورًا محوريًا في تكريس هذه المقاربة ما تصدره مراكز التفكير الأميركية من أوراق تحليلية، تنتقل لاحقًا إلى وسائل الإعلام بوصفها مرجعيات شبه أكاديمية، فقد التقت تقارير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، ومعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، ومجلس العلاقات الخارجية، الصادرة خلال يناير/كانون الثاني 2026، عند فكرة واحدة تقريبًا: أن التحركات السعودية هي العامل المفجّر للأزمة، بينما تُقدَّم الإمارات طرفًا يسعى إلى الاحتواء.

وعندما تنتقل هذه الرؤية إلى الصحافة، تُقدَّم كتحليل موضوعي، رغم تجاهلها أدوارًا إماراتية إشكالية، بل وتآمرية، في ملفات معقدة مثل اليمن والقرن الإفريقي.

غير أن اللافت هذه المرة لم يكن فقط طبيعة التغطية الأميركية المنحازة للإمارات، بل أيضًا بروز رواية مضادة قادها كتّاب ومعلّقون سعوديون وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، إذ سعى هؤلاء إلى تفكيك اللغة العدائية تجاه الرياض، والرد على ما عدوه انحيازًا منهجيًا لا يكتفي بوصف الأحداث، بل يعيد توزيع المسؤوليات بطريقة تجعل المملكة المتهم الأول حتى قبل اكتمال القصة.

وفي قلب هذا الرد السعودي على السردية الغربية، برزت مقالة رأي للكاتب والمعلّق السياسي السعودي علي الشهابي، نُشرت في 30 يناير/كانون الثاني في مجلة «نيوزويك» الأميركية بعنوان: «هل تنجرف السعودية بعيدًا عن الولايات المتحدة؟».

المقال لا يتعامل مع الخلاف السعودي–الإماراتي بوصفه مؤشرًا على تراجع سعودي، بل يحذّر من خطورة قراءة الخلافات التكتيكية مع حلفاء آخرين لواشنطن على أنها انفصال إستراتيجي عنها.

فمثل هذا الفهم، بحسب الشهابي، قد يقوّض شركاء يعملون على منع تشكّل الجيل القادم من الدول الفاشلة في اليمن والصومال وليبيا، وهي ساحات يرى أن الإمارات تسهم في دفعها نحو هذا المصير.

ومن وجهة نظره، لا يتعامل الإعلام الأميركي مع السعودية كدولة ذات مصالح أمنية وحدود وإستراتيجيات، بل كفاعل يُفترض أن يظل منضبطًا ضمن سقف رسمه آخرون، هما الولايات المتحدة وإسرائيل، وحين تتصرف خارج هذا السقف، تُقدَّم فورًا بوصفها مشكلة، لا بوصفها طرفًا في خلاف مشروع.

خيبة أمل

أما الباحث والمعلّق السعودي سلمان الأنصاري، فقد استخدم عبر سلسلة تغريدات على حسابه في منصة «إكس» نبرة أكثر مباشرة، ويرى أن جزءًا كبيرًا من التغطية الأميركية للأزمة لا ينطلق من الوقائع، بقدر ما يعكس خيبة أمل سياسية.

ويرى الأنصاري أن الإعلام الأميركي اعتاد النظر إلى السعودية بوصفها ركيزة استقرار تعمل ضمن إطار تفاهمات غير مكتوبة، وحين قررت الرياض إعادة تعريف خطوطها الحمراء في ملفات اليمن والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، جرى تصوير هذا التحول على أنه خروج عن النص، لا بوصفه إعادة تموضع سيادية مشروعة.

ويذهب الأنصاري أبعد من ذلك، ويرى أن الإعلام الغربي عمومًا لا يتسامح مع فكرة أن تعيد السعودية ترتيب أولوياتها الأمنية بنفسها، من دون انتظار ضوء أخضر من واشنطن أو توافق مع إسرائيل.

وبهذا المعنى، تصبح التغطية الإعلامية، وفق قراءته، أداة ضغط غير معلنة تهدف إلى دفع الرياض للعودة إلى المسار المرغوب، لا مجرد انعكاس محايد لتطورات سياسية معقدة.