“العماد القابضة”.. كيف سُلمت مفاتيح اقتصاد أبو ظبي لنجل محمد بن زايد؟

"ثمة محور يُعاد حوله تنظيم الاقتصاد السياسي لأبوظبي في مرحلة انتقالية حساسة"
في 30 يناير/ كانون الثاني 2026، قرر المجلس الأعلى للشؤون المالية والاقتصادية بأبوظبي توحيد الأصول والاستثمارات تحت مظلة كيان جديد، يسمى شركة “العماد القابضة”.
وهو ما يعني انتقال محفظة ضخمة كانت تدار عبر منظومة قائمة إلى كيان أحدث عمرا يتصدره مباشرة ولي عهد أبوظبي خالد بن محمد بن زايد.
المجلس قدم القرار بوصفه خطوة لصناعة قوة استثمارية سيادية بقدرات تشغيلية وصناعية وتكنولوجية ومنصات استثمار في الأسواق الخاصة والعامة، مدعيا أن الهدف دعم سياسة الاستثمار المستدام وتسريع التنمية الاقتصادية.
لكن هذه اللغة الهادئة تخفي الحقيقة الأكثر أهمية، وهي تركيز غير مسبوق للأصول الإستراتيجية في كيان جديد يرتبط رأسه السياسي برأسه الاستثماري، ويعيد ترتيب موازين النفوذ داخل أبوظبي من بوابة المال، لا من بوابة المناصب المعلنة.
وقبل أن يصل المشهد إلى ذروة الثلاثين من يناير، أعلن مكتب أبوظبي الإعلامي في 12 يناير عن تشكيل مجلس إدارة العماد القابضة برئاسة خالد بن محمد بن زايد، وتعيين جاسم محمد بو عتابه الزعابي مديرا عاما ورئيسا تنفيذيا، مع ضم أسماء ثقيلة داخل المنظومة الاستثمارية مثل خلدون خليفة المبارك.
هذه التفاصيل ليست إجرائية فقط، بل تعني أن الصندوق لم يبن ليكون كيانا لاحقا في ترتيب الصناديق الإماراتية، بل ليكون منصة قيادة منذ اليوم الأول.
ثم جاءت خطوة 30 يناير لتضع الوزن الحقيقي داخل هذا الهيكل الجديد، ففي تقرير وكالة "رويترز" البريطانية المنشور في اليوم نفسه، قدمت الخطوة بوصفها إعادة توزيع كبرى داخل بنية الثروة السيادية في أبوظبي.
مع انتقال السيطرة على محفظة كانت تدار عبر مجموعة أبوظبي التنموية القابضة إلى العماد القابضة التي يرأسها ولي العهد.
وأوضح التقرير أن مجموعة أبوظبي وتعرف اختصارا بـ "ADQ"، كانت تدير أصولا بنحو 263 مليار دولار قبل الدمج، وأن العماد القابضة ستصبح بعد ذلك كيانا يقدر بحوالي 300 مليار دولار.
مع وجود أصول تشمل شركة أبوظبي الوطنية للطاقة وموانئ أبوظبي وأصولا لوجستية واستثمارية أخرى.

خيوط أساسية
والقراءة هنا لا تكتفي بوصف الدمج، بل تمسك بالخيط السياسي الذي يحاول الخطاب الرسمي تجاهله، لماذا جرى نقل هذه الكتلة من الأصول إلى كيان جديد بهذه السرعة، وتحت إشراف خالد بن محمد بن زايد مباشرة؟
لماذا لم يكتف بتقوية الحوكمة داخل مجموعة أبوظبي التنموية القابضة أو إعادة ترتيبها ضمن نطاقها الطبيعي، بدلا من تفريغها فعليا داخل منصة جديدة؟
الإجابة كانت عبر تقرير وكالة "بلومبيرغ" الأميركية، التي ذكرت أن نقل الأصول ليس مجرد انتقال ملفات، بل انتقال قدرة على التعيين والعزل، وتوجيه العقود، وتحديد الشراكات، وترتيب الأولويات الاستراتيجية في قطاعات تمس جوهر الدولة.
هذه النقطة تحديدا هي التي جعلت الخبر يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة؛ حيث قدمت عملية دمج أصول مجموعة أبوظبي التنموية القابضة داخل العماد القابضة بوصفها تغييرا قد يضع ولي العهد في قلب طموحات أبوظبي للصفقات على نحو أكبر من السابق.
فحين تتحول بوابة الاستثمار إلى ولي العهد، تتحول بوابة النفوذ إليه أيضا، لأن المستثمرين العالميين سيبحثون عن أقصر طريق إلى القرار، وأقصر طريق هو منصة تملك الأصول وتملك الضوء الأخضر.

خسائر طحنون
ثم جاء تقرير صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في 3 فبراير/ شباط 2026، الذي رسم صورة أكثر اكتمالا لفكرة "آلة صفقات" تبنى حول خالد بن محمد بن زايد، وتوسع دوره من المجال السياسي والاجتماعي إلى السيطرة على الجيو-اقتصاد.
وقد استعاد واقعة إفطار الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع ولي العهد خلال جولة العام الماضي، وما رافقها من إبراز لدور خالد في تقديم أبوظبي كشريك استثماري قادر على التحرك.
في قراءة "فايننشال تايمز" هذه ليست حكاية علاقات عامة، بل إعادة تموضع، من يملك منصة الاستثمار الأكبر يصبح القناة الطبيعية للتفاوض، حتى لو ظلت بعض مراكز القوة الأخرى قائمة.
ولأن الصناديق السيادية في أبوظبي ليست مجرد محافظ مالية، بل أدوات دولة، فإن إعادة رسمها تلامس عمق السلطة لا سطحها.
وبالتالي فقد ذهب التقرير مباشرة إلى فكرة التحول الجيلي، ورأى أن دمج أصول مجموعة أبوظبي التنموية القابضة في العماد القابضة يمثل نقلة تأثير استثماري إلى ولي العهد البالغ 44 عاما.
وذلك مع مقاربة تاريخية تشبه هذا التحول بإنشاء مبادلة عام 2002 كجزء من صعود والده الرئيس الحالي محمد بن زايد داخل هرم القوة آنذاك.
وهذا التشبيه يقول ضمنيا إن الصندوق الجديد هو أداة صعود سياسي لولي العهد بقدر ما هو أداة استثمار.
هنا يظهر أيضا البعد الداخلي الأكثر حساسية، فوفق ما ورد في تقرير "رويترز" في 30 يناير 2026، كانت مجموعة أبوظبي التنموية القابضة قبل الدمج تحت رئاسة طحنون بن زايد، مستشار الأمن القومي، الذي يترأس كذلك جهاز أبوظبي للاستثمار، وهو أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم.
نقل محفظة بهذا الحجم من نطاق كان يتداخل مع نفوذ طحنون إلى منصة يرأسها خالد بن محمد بن زايد يعني أن خريطة النفوذ داخل العائلة الحاكمة لا تدار اليوم فقط عبر مجلس أو منصب، بل عبر إعادة توزيع مفاتيح الخزنة.
ورغم أن التقارير لا تقول: إن طحنون خسر نفوذه بشكل كامل، وأنه يحتفظ بأدوار ضخمة عبر جهاز أبوظبي للاستثمار وشبكات أخرى.
لكنها تقول إن ما يجري هو توازن جديد بالقوة الناعمة، ولي العهد يحصل على محفظة تجعل منه محور التعامل المالي في قطاعات سيادية شديدة الحساسية، وبذلك يتحول إلى مركز جذب للمصرفيين ومديري الأصول.
وربما إلى مركز تنسيق بين المؤسسات، وهو ما يضع أعماما وأجنحة أخرى في موقع تفاوضي مختلف مما كان عليه قبل الدمج.

العماد كسلاح
ولكي نفهم لماذا توصف العماد القابضة بأنها سلاح اقتصادي، لا بد من النظر إلى طبيعة الأصول التي تتحرك داخل هذه العملية.
فالمحفظة تضم أصولا تشمل شركة أبوظبي الوطنية للطاقة وموانئ أبوظبي وغيرها، وهي أصول ليست استثمارات ورقية بل أصول تشغيلية تمسك بالأرض والماء والكهرباء وسلاسل الإمداد.
وحين تتجمع هذه الأصول في منصة واحدة، يصبح لدى رأسها قدرة على التأثير في الاقتصاد الحقيقي، لا في جداول الأسهم فقط.
ويزداد المعنى وضوحا إذا استعدنا كيف ظهر اسم العماد القابضة قبل الدمج؟ ففي 9 ديسمبر/ كانون الأول 2025 كشف عن تمويل عرض الاستحواذ على "وارنر براذرز ديسكفري" شركة الإعلام والترفيه الأميركية العملاقة.
وقتها ظهر الصندوق بوصفه من الداعمين الخليجيين للصفقة العملاقة التي تقدر بنحو 108 مليارات دولار.
ومثل ظهور صندوق حديث العهد بهذه الثقة في صفقة شديدة التعقيد، ثم انتقاله بعد أسابيع قليلة إلى استيعاب محفظة سيادية محلية هائلة، يخلق تساؤلا صريحا، هل كان الصندوق يبنى منذ البداية ليكون واجهة تنفيذية جديدة تستخدم عالميا ومحليا لتمرير صفقات بسرعة وبمرونة أكبر؟
في قلب هذه الآلة يقف أيضا العنصر التنفيذي، جاسم الزعابي، إن تعيين شخصية تتقاطع وظائفها بين المجلس الأعلى للشؤون المالية والاقتصادية وقيادة الصندوق يفتح بابا للسؤال، أين تبدأ الحدود بين قرار الدولة وقرار الصندوق؟
فعندما يصبح منسق السياسة المالية والسيادية هو نفسه من يقود منصة الاستثمار التي تستوعب أصولا تشغيلية كبرى، تتقلص المسافة بين الممول والمنفذ إلى حد يجعل الرقابة أكثر صعوبة إذا لم تبن آليات إفصاح صارمة.

غياب الشفافية
وهنا تأتي نقطة الشفافية، وهي النقطة التي تحاول الرواية الرسمية القفز فوقها بالإحالة إلى الاستدامة واستمرارية السياسة الاستثمارية.
خاصة وأن العماد القابضة أطلقت في ديسمبر 2025 وبرزت بسرعة، لكن تأتي الأسئلة تباعا، أين التفاصيل العامة؟ ما هو الإطار الذي يحدد تضارب المصالح؟ وما هي قواعد المراجعة الداخلية؟ وكيف تنشر القرارات الكبرى؟ وكيف يفصل بين ما هو استثمار وما هو قرار سيادي في قطاعات تمس الأمن الاقتصادي؟
وهو ما ذكر الباحث والأكاديمي الألماني "أندرياس كريغ" المتخصص في شؤون الأمن في الشرق الأوسط، والذي يعمل محاضرا في كلية كينغز في لندن.
حيث قال في حديث مع صحيفة "ذا ناشيونال" في 30 يناير 2026، إن ترك هذه الأسئلة دون إجابات ليس تفصيلا إداريا، إنه يحدد طبيعة الدولة، هل هي دولة مؤسسات مالية أم دولة قرار مركزي يدار عبر صناديق؟
وتابع بأن أبوظبي عندما توحد أصول مجموعة أبوظبي التنموية القابضة داخل العماد القابضة لصناعة قوة استثمارية سيادية بقاعدة أصول متنوعة.
ما يعني أن الإعلان لم يخف حقيقة نقل الكتلة من كيان إلى آخر، بل اكتفى بتفسيرها كضرورة اقتصادية.
وبالتالي فإن الاعتراف بالنقل قائم، لكن النقاش حول أثره السياسي غير موجود.
والمفارقة أن خطاب الشركة الكبرى الذي تحبه أبوظبي في الترويج لنفسها قد ينقلب عليها في هذا الملف.
وعلل كريغ ذلك بأن الشركة الكبرى، حين تبتكر صندوقا جديدا وتضع داخله أصولا تشغيلية بهذا الحجم، تغرق السوق بالإفصاحات والحوكمة.
أما حين يحدث الدمج في بيئة شديدة المركزية، يصبح الاقتصاد ليس إدارة حديثة بل لغة لتثبيت مسار السلطة.
واختتم كريغ تحليله بأنه من هنا فإن العماد القابضة، في جوهرها كما تظهر الوقائع، ليست فقط منصة لتنويع الدخل، بل منصة لتوحيد القرار، وإعادة ترتيب من يمسك بمقود الثروة، ومن يقف في مقعد المراقبة.

منصة صفقات
هذه الدينامية دفعت بعض المراقبين إلى توصيف النموذج الجديد بما بات يعرف بالدولة كمنصة صفقات. ففي تقرير تحليلي نشرته "وول ستريت جورنال" الأميركية في 3 فبراير 2026، جرى توصيف أبوظبي بأنها تتحرك نحو نموذج تدار فيه الدولة نفسها كمنصة تشغيل مركزية، تختصر فيها المسارات، وتدمج السياسة بالاستثمار في نقطة قرار واحدة.
التقرير أشار إلى أن العماد القابضة تمثل التجسيد العملي لهذا النموذج، حيث لا تعمل كصندوق تقليدي، بل كبوابة تمر عبرها الصفقات الكبرى والشراكات العابرة للحدود.
وفق هذا التحليل، لم تعد الدولة تلعب دور المالك أو المنظم فحسب، بل دور الوسيط التنفيذي الذي يفتح الأبواب ويغلقها، ويحدد من يصل إلى الأصول ومن يبقى خارجها.
ومع انتقال محفظة مجموعة أبوظبي التنموية القابضة إلى العماد القابضة، يصبح الوصول إلى قطاعات الطاقة والموانئ والنقل مرتبطا بمنصة واحدة، يرأسها خالد بن محمد بن زايد، وتديرها شبكة تنفيذية قريبة من مركز القرار.
هذا النموذج، كما وصفته "وول ستريت جورنال" يمنح سرعة ومرونة في عقد الصفقات، لكنه في الوقت نفسه يقلص المسافة بين القرار السياسي والقرار الاقتصادي.
وفي المحصلة، تكشف قصة العماد القابضة عن أكثر من إنشاء صندوق جديد، وتعكس تحولا في طريقة إدارة الدولة الإماراتية نفسها، حيث تستخدم الصناديق السيادية ليس فقط كأدوات استثمار، بل كمنصات تشغيل سياسية اقتصادية، تعاد عبرها صياغة العلاقة بين الحكم والثروة، وبين الداخل والخارج.
فالعماد القابضة، كما تظهر من تسلسل الأحداث ليست مجرد كيان مالي، بل محور يعاد حوله تنظيم الاقتصاد السياسي لأبوظبي في مرحلة انتقالية حساسة.
المصادر
- أبوظبي: ضم أصول شركتي العماد والقابضة إيه.دي.كيو في كيان واحد
- abu-dhabi-builds-a-new-deal-machine-around-its-crown-prince
- Shake-Up Elevates U.A.E. Crown Prince Into $260 Billion Sovereign Wealth Role
- Abu Dhabi folds assets worth $263bn into new wealth fund controlled by crown prince
- Abu Dhabi to consolidate assets of ADQ under L'imad
- Hollywood-hungry Gulf states bankroll Paramount's Warner Bros bid















