دبلوماسية الحافة.. ماذا تريد واشنطن من مفاوضات تركيا مع إيران؟

“نجاح المبادرة التركية مرهونة بإعادة نظر ترامب في شروطه تجاه طهران”
في إطار المبادرة التركية للتوسط بين إيران والولايات المتحدة، زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أنقرة في 30 يناير/ كانون الثاني 2026، والتقى بالرئيس رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية هاكان فيدان.
وبعد اللقاء، عقد وزيرا خارجية البلدين مؤتمرا صحفيا أدلى فيه عراقجي بتصريحات حول موقف إيران من المفاوضات مع واشنطن.
وأكد عراقجي أن إيران لطالما كانت مستعدة لإثبات سلمية برنامجها النووي، سواء في الماضي أو الحاضر، مشددا على استعدادها للدخول في مفاوضات إذا كانت على أساس الندية والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وبطريقة عادلة ومنصفة.
جدير بالذكر أنه جرت مفاوضات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في 6 فبراير/ شباط 2026، بالعاصمة العمانية مسقط.

تأثير الضغوط
وقدر موقع "وطن امروز" الفارسي أن المبادرة التركية لاستئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة جاءت لعدة أسباب.
على رأسها "اعتقاد أردوغان بأن أي هجوم أميركي على إيران يجري التخطيط له تحت تأثير ضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بهدف توسيع دائرة التوتر في المنطقة".
وفي ظل الإدراك التركي للتداعيات الخطيرة والتكاليف الباهظة لأي حرب محتملة ضد إيران، تسعى أنقرة إلى إيجاد مخرج تفاوضي يفضي إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.
من جهته، وخلال محادثاته مع الرئيس التركي ووزير خارجيته، عرض عراقجي الموقف الرسمي لإيران بشأن احتمالات الحرب والتفاوض مع واشنطن، مؤكدا أن بلاده أعلنت مرارا استعدادها للتوصل إلى اتفاق عادل يقوم على احترام حقوقها الوطنية، وقد أثبتت في السابق صدق نواياها في هذا المسار.
وشدد عراقجي خلال المؤتمر الصحفي على أن طهران “تتبنى دائما موقفا مسؤولا في استخدام أدوات الدبلوماسية لحماية مصالحها الوطنية وضمان السلام والاستقرار الإقليمي”.
مع ذلك، انتقد عراقجي الولايات المتحدة مشيرا إلى أن التجارب السابقة أثبتت "غياب الصدق أو حسن النية" لدى واشنطن.
كما أعلن بشكل قاطع أن القدرات الدفاعية والصاروخية الإيرانية لن تكون أبدا موضوعا لأي تفاوض، قائلا: إن الأمن القومي ليس محلا للمساومة، وإن طهران ستواصل تطوير قدراتها الدفاعية بما يلزم لحماية نفسها.
بالتوازي مع ذلك، أكد عراقجي أن إيران مستعدة للحرب كما هي مستعدة للتفاوض، بل إنها مستعدة للمواجهة أكثر مما كانت عليه خلال الحرب المفروضة.
لكنه أعرب في الوقت ذاته عن أمله في أن يسود العقل وأن تفشل محاولات جر المنطقة إلى مواجهة شاملة، محذرا من أي تهديد ضد إيران سيشمل المنطقة بأكملها.
من جانبه، شدد فيدان على رفض بلاده لأي تدخل عسكري في إيران، حيث أكد على أهمية إعادة إطلاق المفاوضات النووية من منظور إقليمي، وانتقد السياسات الإسرائيلية التي تدفع واشنطن نحو خيار الحرب.
أما الرئيس أردوغان فأكد خلال لقائه بعراقجي أن الملف النووي الإيراني “لا حل له سوى التفاوض”.
عقلية متعالية
ولتقييم زيارة عراقجي إلى إسطنبول، والمحادثات الإيرانية-التركية، لا بد أولا من التوقف عند الظروف التي جرت فيها هذه اللقاءات، قبل الخوض في مضمونها.
فبحسب الموقع، فإن "تبادل الرسائل بين إيران والولايات المتحدة في تركيا تزامن مع أجواء شديدة التوتر، حيث تشير المعطيات القائمة إلى أنها تقترب من حافة مواجهة عسكرية".
وخلال الأسابيع والأيام الماضية، هدد ترامب إيران عشرات المرات بشن هجوم عسكري.
وتابع الموقع: "وكعادته، وقبيل أي مواجهة محتملة، حرص على إظهار رغبة شكلية في التفاوض والتوصل إلى اتفاق".
واستدرك: "غير أن الشروط التي طرحها تكشف بوضوح أنه لا يؤمن فعليا بالحل الدبلوماسي، على الأقل في المرحلة الراهنة".
وطرح لمبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، أربعة مطالب: وقف تخصيب اليورانيوم، وإخراج جميع مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق 67.3 بالمئة من إيران، وفرض قيود واسعة على البرنامج الصاروخي الإيراني، ونزع سلاح "قوى المقاومة" في المنطقة.
وعقّب الموقع على هذه الشروط، قائلا: "تعكس هذه المطالب في جوهرها، معادلة استسلام كامل لإيران، إذ وضع ترامب طهران أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الحرب، أو الاستسلام ثم الحرب".
وقدّر الموقع أن "إيران تدرك جيدا أن قبول هذه الشروط يعني عمليا تشجيع الولايات المتحدة على شن حرب واحتلال البلاد من دون كلفة حقيقية".
ولفت إلى أنه "وحتى في حال لم يكن لدى ترامب نية فورية للهجوم، فإن استسلام إيران، سيحفزه على مهاجمة دولة جرى تجريدها من قدراتها الدفاعية، رغم امتلاكها موارد طبيعية واسعة".
وعليه، يعتقد الموقع أن "هذه الشروط تكشف بوضوح أن ترامب لا يسعى حاليا إلى مفاوضات حقيقية، بل يتعامل مع إيران بعقلية متعالية، ولا يعترف لها بأي حقوق قانونية، معتمدا سياسة الترهيب والضغط لتحقيق أهدافه".
ومن هذا المنطلق، أشار إلى أن "رد إيران على هذه المطالب بات واضحا منذ الآن، فكل دولة مستقلة تجد نفسها في موقع مشابه، سترفض حتما الاستسلام لشروط مماثلة".
وهو ما جعل الموقع يؤكد أن "المعادلة المطروحة أمام إيران هي إما الحرب في ظل امتلاك أدوات دفاع وردع فعالة، أو الحرب بعد فقدان هذه الأدوات".
ولذلك، رجح أن "يبقى الموقف الإيراني ثابتا وغير قابل للتغيير".
وفي هذا السياق، برز سؤال جوهري حول جدوى المفاوضات الإيرانية-الأميركية بوساطة تركيا في ظل هذه الظروف.

رسالة مزدوجة
وللإجابة عن هذا السؤال، أبرز الموقع الفارسي مجموعة من العوامل الأساسية، في مقدمتها أن "مفاوضات تركيا تبعث برسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، لا سيما الرأي العام الإيراني، مفادها أن طهران بذلت أقصى ما في وسعها لمنع اندلاع الحرب".
إذ إن طهران، بحسب وجهة نظره، تؤكد من خلال هذا الموقف أنها "لم تكن يوما طرفا يسعى إلى المواجهة، بل تفضل الدبلوماسية على الحرب، وقد أثبتت ذلك عمليا وبصدق".
وبحسب رأيه، فإن "هذا من شأنه أن يعزز قناعة المجتمع الدولي والمجتمع الإيراني بأن الحرب تُفرض على إيران رغم محاولاتها لتجنبها".
من جانب آخر، يعتقد التقرير أن "مفاوضات تركيا قد تمثل فرصة لإعادة تقييم الجانب الأميركي بصورة أكثر واقعية لقدرات إيران الدفاعية".
وتابع: "فقد سعى نتنياهو واللوبي الصهيوني في واشنطن خلال الأشهر الماضية إلى إقناع ترامب بأن الحرب ضد إيران لن تكون مكلفة، وأنها ستندرج ضمن إستراتيجيته القائمة على "التحرك السريع والخروج السريع".
واستدرك: "غير أن الجانب الأميركي سيطلع حتما، عبر تركيا، على حقائق مهمة تتعلق بقدرات الردع الإيرانية، وبالكلفة الحقيقية لأي حرب محتملة".
بصورة عامة، يمكن القول إنه "إذا كان المسؤولون الأتراك صادقين في موقفهم المعارض للحرب، فسيكون بإمكانهم أيضا التأثير في تصحيح تقديرات الأميركيين للحرب وعواقبها الوخيمة"، وفقا للموقع.
شروط ترامب
من زاوية أخرى، يرى الموقع أن المفاوضات تقطع الطريق على ادعاءات ترامب اضطراره اللجوء للخيار العسكري بسبب فشل المفاوضات.
وقال: "يمكن النظر إلى مفاوضات تركيا في إطار محاولة ترامب تكريس صورته بوصفه يفضل الدبلوماسية على الحرب، فاستعراض مواقفه خلال عام 2025 يظهر أنه يحرص دائما، قبل أي عمل عسكري، على الادعاء بأنه لجأ إلى القوة بعد فشل الدبلوماسية".
وأضاف: "خلال حرب الـ12 يوما، استخدم ترامب الأسلوب نفسه".
وأردف: "وبعد الهجوم الأميركي والإسرائيلي، زعم أن إيران لم تستغل فرصة التفاوض، وهو ادعاء ثبت زيفه، فقد كان واضحا أن طهران كانت جادة في التوصل لاتفاق، بينما أصدرت واشنطن أوامر الهجوم قبل يومين فقط من جولة جديدة من المحادثات".
واستطرد: "في حين كان ترامب يعلن أنه يتفاوض، كان في الخفاء ينسق مع نتنياهو بشأن تفاصيل الهجوم وأهدافه".
بناء عليه، توقع الموقع أن "أحد أهداف واشنطن من مفاوضات تركيا هو التمهيد لإعادة استخدام أسلوب التضليل هذا".
واستطرد: “من المنظور العسكري، يقدر خبراء عسكريون أن الانتشار العسكري الأميركي الحالي في المنطقة لا يعكس استعدادا فعليا لحرب شاملة ضد إيران”.
ووفق هذه المعطيات، رجح الموقع أن "هدف واشنطن من المفاوضات هو كسب الوقت إلى حين وصول تعزيزات جديدة".
واختتم قائلا: "باختصار، إن نجاح المبادرة التركية الهادفة إلى منع الحرب واستئناف المفاوضات، يظل مرهونا بإعادة نظر الرئيس ترامب في شروطه تجاه طهران".
















