لماذا أخفقت حملة واشنطن الدعائية في الأردن؟ قراءة في حالة السفير الأميركي

"تواصل هولتسنايدر مع القبائل أثار جدلا واسعا لدى بعض الأردنيين"
منذ وصوله إلى عمّان قبل نحو ثلاثة أشهر لتولي منصب سفير الولايات المتحدة لدى الأردن، سرعان ما أصبح جيمس هولتسنايدر أحد أبرز الدبلوماسيين في المملكة.
فإلى جانب تقديم أوراق اعتماده للعاهل عبد الله الثاني، التقى هولتسنايدر بلاعبي كرة قدم أردنيين، وحضر حفلات زفاف، وشارك في تجمعات قبلية.
غير أن طلبا تقدمت به بعثة من السفارة الأميركية في 14 يناير/كانون الثاني 2026، يقضي بأن يقدّم السفير التعازي في منزل عائلة رئيس بلدية الكرك السابق عبد الله الضمور، أظهر أن أردنيين كثر لا يبدون اهتماما يُذكر بالمشاركة في مبادرة العلاقات العامة التي يقودها هولتسنايدر.
فقد رفض أقارب الضمور زيارة السفير، كما أصدرت العشيرة بيانا أشارت فيه إلى أن طلبه يخالف "الأعراف العشائرية الأردنية التي تفصل بين قدسية العزاء وأي حضور سياسي ذي دلالات عامة".

حملة تلميع
في هذا السياق، قالت مجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت”: إن حملة التلميع التي أطلقها السفير الأميركي الجديد "تأتي بنتائج عكسية".
وأوضحت الصحفية الأردنية المخضرمة لميس أندوني في مقابلة صحفية أن رفض عشيرة الضمور استقبال الدبلوماسي الأميركي الرفيع "كان مدفوعا باستياء الأردنيين من الدعم الأميركي لإسرائيل" خلال إبادة غزة.
بدوره، قال النائب الأردني باسم الروابدة، من حزب جبهة العمل الإسلامي: "يا آل الضمور الكرام، لقد فعلتم ما يرضي ربكم، من يرحب ويكرم القتلة والمجرمين شريك في جرائمهم".
ولفتت المجلة، في تقريرها، إلى أنه في عام 2024، افتُتح مطعم شاورما في الكرك يحمل اسم "7 أكتوبر".
وأفادت بأنه في يوليو/تموز 1997، انضم هولتسنايدر إلى سلاح مشاة البحرية الأميركية، مُعللا ذلك برغبته في أخذ استراحة من الدراسة.
وخدم لمدة ست سنوات، عمل خلالها حارس أمن في سفارتي الولايات المتحدة في زيمبابوي وتركيا.
ثم بعد تركه الخدمة العسكرية، حصل على شهادة البكالوريوس في الفيزياء من جامعة كولورادو، قبل أن يلتحق بوزارة الخارجية الأميركية كدبلوماسي محترف عام 2007.
وبحسب المجلة، فقد استغرب كثيرون في عمّان طلب السفير الأميركي زيارة عشيرة الضمور، إذ كان رئيس بلدية الكرك السابق بعثيا ومن أشد منتقدي واشنطن.
وأوضح النائب الأردني السابق طارق خوري في مقابلة صحفية أن "تجاهل هذا البُعد السياسي والإنساني يعكس فهما خاطئا للسياق المحلي".
وأضاف "فمثل هذه التصرفات تُؤجّج التوتر وتُرسّخ الانطباع بأن الدبلوماسية الأميركية غالبا ما تفتقر إلى الحساسية اللازمة تجاه الذاكرة والكرامة والهوية السياسية في المجتمع الأردني".
وأشارت المجلة الأميركية إلى أن عشيرة الضمور لم تكن الوحيدة التي رفضت هولتسنايدر.
فبعد أسبوع، رفض أقارب اللواء الراحل إبراهيم الصرايرة طلبا من مسؤولين أميركيين في 21 يناير/كانون الثاني لحضور السفير للعزاء.
وتنسجم هذه المواقف مع الرأي العام الأردني، إذ كشف استطلاع رأي أجري عام 2025 أن 57 بالمئة من الطلاب الأردنيين ينظرون إلى الولايات المتحدة كـ"عدو".
وتجدر الإشارة إلى أنه خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، واجهت سفيرة الولايات المتحدة آنذاك لدى عمّان، أليس ويلز، مشاكل أيضا.
فقد ذكرت مجلة "فورين بوليسي" في أغسطس/آب 2017 أن ترامب أنهى ولاية ويلز قبل موعدها بعد أن أبدى العاهل الأردني تحفظاته.
وقال مسؤول أميركي سابق إن عبد الله الثاني كان غير راضٍ عن رد إدارة باراك أوباما على مقتل الطيار الأردني معاذ الكساسبة بوحشية على يد تنظيم الدولة، وذلك بعد فترة وجيزة من تولي ويلز منصبها عام 2014.
إضعاف الدولة
وتحت قبة البرلمان، سأل النائب الأردني حسين العموش وزير الخارجية أيمن الصفدي عما إذا كانت زيارات هولتسنايدر الميدانية المتكررة تجري بتنسيق مع الحكومة وتتوافق مع الأعراف الدبلوماسية.
فأجاب الصفدي بأن جولات الدبلوماسي الأميركي روتينية، وأن السفراء الأردنيين في الخارج يجرون زيارات مماثلة.
وقدّمت الولايات المتحدة للحكومة الأردنية مساعدات تجاوزت قيمتها 10 مليارات دولار خلال العقد الماضي، في عهد رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء.
وقالت المجلة: "هناك ما يميّز هولتسنايدر، وهي لحيته البنية الطويلة. وقد خصّص صحفيون محليون مقالات كاملة لاهتمامه بمظهره، وهو أمر غير معتاد لسفير غربي في عمّان".
وكتب أحد المعلقين على موقع "إكس": "أُقسم لو كان عربيا، لوصفوه بأنه أحد عناصر تنظيم الدولة".
وأضاف خوري، البرلماني السابق، قائلا: "ينظر كثيرون إلى لحيته على أنها تستحضر صورة استشراقية أو استعراضية، لا صورة دبلوماسية حديثة".
وأثار تواصل هولتسنايدر، تحديدا مع القبائل، جدلا واسعا لدى بعض الأردنيين.
وأشار أستاذ الدراسات الإستراتيجية في جامعة الحسين بن طلال، حسن الدعجة، إلى أن "النقاد رأوا أن السفير، سواء بقصد أو بغير قصد، كان يمنح شرعية دولية للبُنى الاجتماعية التقليدية بدلا من الدولة الحديثة، مما يُضعف مفهوم المواطنة ويعزز منطق العشيرة على حساب سيادة القانون".
مع ذلك، أكدت رئيسة تحرير صحيفة "جوردان تايمز" السابقة، رنا الصباغ، في مقابلة صحفية، أن ت"فاعل المسؤولين الأجانب مع القبائل الأردنية ممارسة دبلوماسية معتادة، إذ تُعدّ هذه القبائل جزءا لا يتجزأ من المجتمع".
وأخيرا، ركّز بعض المسؤولين في المملكة على خدمة هولتسنايدر في سلاح مشاة البحرية، لا سيما بعد أن أسقطت القوات الأميركية المتمركزة في الأردن مؤخرا طائرات إيرانية مسيّرة أُطلقت على إسرائيل.
ونشر الناشط الأردني كميل الزعبي على مواقع التواصل الاجتماعي أن "تعيين ضابط من المارينز سفيرا للأردن، ليس صدفة، بل إهانة مقصودة، ورسالة إذلال تؤكد أن واشنطن تنظر إلينا كقاعدة تابعة، لا كدولة حرة، وكحكومة خاضعة، لا تملك قرارها".
وفي الوقت نفسه، أشار الدعجة إلى أن "العديد من السفراء لديهم خلفيات أمنية، وأن هذه الخدمة العسكرية لا تعني بالضرورة وجود نوايا عدائية".

توتر مع الكويت
وأوضح التقرير أن هولتسنايدر واجه جدلا أيضا خلال فترة عمله السابقة في الشرق الأوسط.
ففي يونيو/حزيران 2022، استدعت وزارة الخارجية الكويتية هولتسنايدر، الذي كان يشغل منصب القائم بالأعمال آنذاك، لتوبيخه على منشور لسفارة بلاده في الكويت على وسائل التواصل الاجتماعي، تضمن علم قوس قزح.
وطالبت وزارة الخارجية الكويتية السفارة بـ"ضرورة احترام القوانين والأنظمة القائمة والالتزام بعدم نشر مثل هذه التغريدات".
وكان حساب السفارة الأميركية في الكويت قد ذكر قبلها أنه "دفاعا عن حقوق الإنسان للمثليين، قال الرئيس جو بايدن: كل الناس يستحقون الاحترام والكرامة والقدرة على العيش بلا خوف، بغض النظر عن هويتهم أو من يحبون".
ولم يُعلّق هولتسنايدر علنا على توبيخ الكويت لسفارة بلاده في ذلك الوقت.
وبما أن نصف سكان الأردن تقريبا من أصول فلسطينية، فإن العديد من المواطنين لديهم ارتباط وثيق بالحرب في غزة، وفق التقرير.
ورغم الاحتجاجات الشعبية الواسعة، أكدت الصحفية أندوني أن الأردنيين يشعرون بالعجز في ظل استمرار واشنطن في تزويد إسرائيل بأسلحة متطورة.
ونظرا لخياراتهم المحدودة، قالت أندوني إن الأردنيين مضطرون للتعبير عن استيائهم برفض حملة هولتسنايدر الدعائية.
















