"من النيل إلى الفرات".. تصريحات سفير أميركا لدى إسرائيل تفجّر غضبًا واسعًا

مايك هاكابي سفير أميركا لدى إسرائيل صرّح الأسبوع الماضي بأنه "مسيحي صهيوني"
في أعقاب حرب الإبادة التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على غزة، واستمرار التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، وتصاعد الاعتداءات على لبنان وسوريا واليمن، بالتوازي مع الحديث عن تأهّب أميركي لمواجهة محتملة مع إيران، أثار تصريح لمسؤول أميركي جدلًا واسعًا، بعد زعمه أن للكيان المحتل "حقًا تاريخيًا ودينيًا" في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
فقد قال السفير الأميركي لدى "إسرائيل"، مايك هاكابي، خلال مقابلة أجراها معه الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون إن "لإسرائيل الحق التوراتي في أراضٍ تمتد من نهر النيل إلى نهر الفرات". مستندًا إلى تفسيرات توراتية متداولة داخل التيار القومي المسيحي في الولايات المتحدة.
وجاءت التصريحات ضمن مقابلة نشرت منصة "شبكة تاكر كارلسون" مقتطفات منها في 20 فبراير/شباط 2026 عبر حسابها على منصة "إكس".
وخلال الحوار، استشهد كارلسون بنص من "سفر التكوين" يتحدث عن وعد إلهي لإبراهيم ونسله بأرض بين النهرين، متسائلًا عما إذا كان ذلك يمنح إسرائيل "حقًا إلهيًا" في مساحات واسعة تشمل فلسطين التاريخية وأجزاء من دول عربية مثل الأردن وسوريا ولبنان والعراق والسعودية ومصر. فردّ هاكابي قائلًا: "لا مانع لو أخذوا كل ذلك".
وأضاف: "سيكون من الجيد لو أنهم (إسرائيل) استولوا على كل شيء (الشرق الأوسط بأكمله)"، قبل أن يستدرك موضحًا: "هذا ليس ما نتحدث عنه اليوم".
وكان قد جرى تعيين هاكابي في أبريل/نيسان 2025 سفيرًا للولايات المتحدة لدى "إسرائيل". ويُعرف بانتمائه إلى التيار الإنجيلي، وسبق أن صرّح بوجود "حق إلهي" لإسرائيل في الضفة الغربية.
ويستند تيار "الصهيونية المسيحية"، الذي يُعد هاكابي من أبرز المنتمين إليه، في دعمه المطلق لإسرائيل وتوسّعها الجغرافي إلى تفسير حرفي لما ورد في الإصحاح 15 من "سفر التكوين" في العهد القديم، وتحديدًا الآية 18، التي تنصّ على: "في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام (إبراهيم) ميثاقًا قائلًا: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات". ويُعرف هذا التصوّر سياسيًا وتاريخيًا بمشروع "إسرائيل الكبرى".
وأُقيمت إسرائيل عام 1948 على أراضٍ احتلتها جماعات صهيونية مسلحة ارتكبت مجازر وهجّرت مئات آلاف الفلسطينيين، ثم احتلت لاحقًا بقية الأراضي الفلسطينية، ولا تزال ترفض الانسحاب منها أو القبول بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وكان هاكابي قد صرّح الأسبوع الماضي بأنه "مسيحي صهيوني"، مضيفًا أنّ "بعض الناس لا يفهمون معنى ذلك. نحن نؤمن أن المسيحية ما كانت لتوجد لولا اليهودية". وقال خلال كلمة ألقاها أمام المؤتمر السنوي لرؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى: "إنها المكان الوحيد في العالم الذي شعرت فيه أنني في البيت رغم أنني لم أُولد فيها"، في إشارة إلى إسرائيل.
تصريحات استفزازية
أثارت تصريحات السفير الأميركي موجة غضب واسعة بين ناشطين في العالمين العربي والإسلامي، وأدانت وزارة الخارجية الأردنية التصريحات، ووصفتها بأنها غير مسؤولة وعبثية وتصعيدية.
وقال الناطق الرسمي باسم الوزارة، السفير فؤاد المجالي، إن هذه التصريحات تمثل انتهاكًا للأعراف الدبلوماسية، ومساسًا بسيادة دول المنطقة، ومخالفةً صريحةً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، كما تتناقض مع موقف الرئيس الأميركي Donald Trump المُعلن برفض ضمّ الضفة الغربية المحتلة.
وأكد المجالي أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة، أرض فلسطينية محتلة وفق القانون الدولي، وأن إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل الأرض الفلسطينية المحتلة، على أساس حل الدولتين ووفق قرارات الشرعية الدولية، هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام العادل والشامل.
كما شدد على أهمية تضافر الجهود لتثبيت الاستقرار في غزة وتنفيذ خطة الرئيس الأميركي وقرار مجلس الأمن رقم 2803، بدلًا من إطلاق تصريحات تصعيدية لا قيمة قانونية لها ولا تسهم في تحقيق الأمن أو الاستقرار في المنطقة.
وبرزت موجة غضب بشكل لافت على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث وُصفت التصريحات بأنها استفزازية ومهدِّدة للأمن والاستقرار الإقليميين.
وعبر مغرّدون ومدوّنون على منصتي "إكس" و"فيسبوك" عن استيائهم من التصريحات، من خلال وسوم عدة، أبرزها: #مايك_هاكابي و#كارلسون و#إسرائيل، ويرون أنها تمثل تجاوزًا للأعراف الدبلوماسية، وانتهاكًا للقانون الدولي، ومساسًا بسيادة الدول وحدودها الجغرافية، فضلًا عن كونها خطابًا يؤجّج التوترات في المنطقة.
خلفية دينية
وسلّط كتّاب ومحللون الضوء على الخلفية الدينية للسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بوصفه من أبرز المنتمين إلى تيار "الصهيونية المسيحية"، الذي يرى في دعم إسرائيل واجبًا دينيًا يستند إلى تفسيرات حرفية لنصوص العهد القديم.
وذكّروا بمواقفه السابقة الداعمة لضمّ الضفة الغربية وقطاع غزة، ويرون أن تصريحاته الأخيرة لا تنفصل عن قناعات أيديولوجية معلنة، كما انتقد بعضهم ما وصفوه بصمت عدد من الأنظمة العربية والإسلامية إزاء هذه التصريحات.
تجاوز للدبلوماسية
وأكد خبراء ومراقبون أن تصريحات السفير الأميركي تعكس تداخلًا واضحًا بين قناعاته الدينية وموقعه الدبلوماسي، مشيرين إلى أن إبداء مواقف توسعية بهذا الشكل العلني يتعارض مع الأعراف الدبلوماسية التي تقتضي احترام سيادة الدول والقانون الدولي.
ورأوا أن مثل هذا الخطاب يُضعف فرص التهدئة ويقوّض أي جهود سياسية قائمة على مبدأ حل الدولتين أو على احترام الحدود المعترف بها دوليًا.
دعوات للاحتجاج
وشدد صحفيون وإعلاميون على ضرورة صدور ردود فعل رسمية وسريعة وعلى أعلى المستويات، وطرح القضية أمام المجتمع الدولي، لاتخاذ ما يلزم من مواقف وإجراءات، لا سيما أن التصريحات، بحسب رأيهم، تعكس توجهًا سياسيًا داعمًا لرؤية توسعية تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية.
عقيدة استعمارية
كما برزت تحذيرات من إحياء خطاب “إسرائيل الكبرى” الذي يقوم على تصوّر توسعي يمتد من النيل إلى الفرات، ويرون أن إعادة تداول هذا الطرح من قبل مسؤول دبلوماسي رفيع يمنحه بعدًا سياسيًا خطيرًا، ويتطلب قراءة أعمق في سياق التحولات الإقليمية الراهنة.
ركيزة أساسية
وفي سياق متصل، رأى خبراء في العلاقات الدولية أن تصريحات السفير الأميركي تعكس طبيعة العلاقة الإستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب، معتبرين أن إسرائيل تمثل ركيزة أساسية في الإستراتيجية الأميركية بالشرق الأوسط، سواء من الناحية الأمنية أو العسكرية أو السياسية.
وأكدوا أن هذا الارتباط الوثيق يفسر مستوى الدعم الأميركي المستمر لإسرائيل، ويعكس التزامًا راسخًا بأمنها، في إطار رؤية أوسع للمصالح الأميركية في المنطقة.














