سلطان بن سليم.. إمبراطور الموانئ في دبي من جزر النخيل إلى قوائم إبستين

حسن عبود | منذ ١٧ ساعة

12

طباعة

مشاركة

شهدت إمارة دبي واحدا من أكثر الأحداث الدراماتيكية في تاريخ هيكلها الإداري والاقتصادي الحديث، تمثّل في الإطاحة المفاجئة برجل الأعمال سلطان أحمد بن سليم من مناصبه القيادية كافة.

ففي 13 فبراير/شباط 2026، أطيح بابن سليم من رئاسة مجلس إدارة والرئاسة التنفيذية لمجموعة "موانئ دبي العالمية" ورئاسة مؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة بعد الكشف عن علاقته برجل الأعمال الأميركي المدان بالاتجار الجنسي بالقصر، جيفري إبستين.

العلاقة مع إبستين

البيان الرسمي الصادر عن المكتب الإعلامي لحكومة دبي كان مقتضبا؛ حيث أعلن عن تعيين عيسى كاظم رئيسا لمجلس إدارة "موانئ دبي العالمية"، ويوفراج نارايان رئيسا تنفيذيا للمجموعة، دون أن يذكر اسم سلطان بن سليم، في إشارة تعكس الرغبة في طي صفحته فورا.  

إذ تحاول شركة الموانئ العالمية إنقاذ سمعتها بعد أن تحولت علاقة ابن سليم بجيفري إبستين، من شائعات هامشية إلى أدلة دامغة موثقة في سجلات وزارة العدل الأميركية. 

فلم يكن قرار الإقالة وليد لحظته، بل كان ذروة لأسبوع عاصف نشرت فيه الوزارة وثائق غير منقحة كشفت علاقة ابن سليم الطويلة بإبستين وعرت جانبا من حياته الخاصة، ما وضع شركة تمتلك نحو 10 بالمئة من حركة الحاويات العالمية تحت مجهر الرأي العام.

على مدى الأسابيع التي سبقت الإطاحة، ضغط أعضاء في الكونغرس الأميركي لتسمية الأشخاص الذين حُذفت أسماؤهم من ملفات إبستين. عندما كُشفت الأسماء، ظهر اسم سلطان بن سليم أكثر من 4700 مرة بحسب بعض الوثائق، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أنه ذُكر أكثر من 9400 مرة.

تكشف الرسائل الممتدة بين عامي 2009 و2018 عن علاقة شخصية ومهنية متداخلة؛ إذ تبادل الطرفان رسائل حول لقاءات حميمة ومسائل تجارية، وأفكار لمشروعات مشتركة.

رجل الأعمال الأميركي الذي توفي في سجنه بنيويورك عام 2019 وصف ابن سليم بأنه من أصدقائه "الأكثر جدارة بالثقة"، بينما كان الأخير يرد بمودة مماثلة، قائلا في إحدى الرسائل: إنه قضى وقتا رائعا في جزيرة إبستين الخاصة “ليتل سانت جيمس”.

فبحسب الوثائق المفرج عنها، زار ابن سليم الجزيرة مرارا ووعد بتوفير مهندسين لجعلها "مقاومة للأعاصير". وبجانب الرسائل التجارية، احتوت المراسلات على أحاديث عن علاقات جنسية.

نشرت صحيفة الغارديان رسالة يعود تاريخها إلى عام 2015 أرسلها ابن سليم إلى إبستين يفخر فيها بأنه تعرف على طالبة في إحدى الجامعات الأميركية في دبي ويصفها بأنها "أفضل علاقة.. جسد رائع"، ويخبره أنها تركت خطيبها لتعود إليه.

في رسالة أخرى من إبستين كتب "أحببت فيديو التعذيب"، وهو البريد الذي أكد عضو الكونغرس توماس ماسي أنه أُرسل إلى ابن سليم.

وفي مراسلة أخرى تعود لعام 2013، رد ابن سليم على إطراء من إبستين بعبارة كشفت عن نمط الحياة الذي كان يمارسه في الخفاء، قائلاً: "شكراً يا صديقي، أنا الآن أقوم بتجربة عينة روسية. أنثى بنسبة 100 بالمئة على يختي".

ولوحظ أنّ الرسائل السابقة كُتبت بعد إدانة إبستين في عام 2008، كما جرى فيها تبادل روابط لمواقع إباحية بين الرجلين في عامي 2015 و2017.
 

ابن لعائلة تجارية

وبحسب وثائق وزارة العدل، أورد ابن سليم تفاصيل عن زياراته إلى إسرائيل للحصول على تأشيرات لإحدى بناته وعن لقاءات مع رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك.

كما أظهر تباهيا بالعلاقات مع شخصيات أميركية نافذة مثل ستيف بانون (مساعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الأولى) وبيتر ماندلسون (وزير بريطاني سابق).

قرار إقالة سلطان بن سليم جاء ثمرة ضغط من شركاء غربيين. ففي 11 فبراير 2026 علّق صندوق الاستثمار الكندي لا كايز دو ديبو والوكالة البريطانية للتنمية بريتيش إنترناشيونال إنفستمنت أي استثمارات جديدة مع دي بي ورلد احتجاجاً على علاقة رئيسها بإبستين

وبعد إقالته، رحبت المؤسسة البريطانية بالقرار وعبرت عن تطلعها لمواصلة "الشراكة لتعزيز تطوير الموانئ التجارية الإفريقية الرئيسة". فيما قال الصندوق الكندي: إن "الشركة ستسارع بالعمل مع القيادة الجديدة لشركة دي.بي.ورلد لمواصلة الشراكة في مشروعات الموانئ حول العالم".

دوائر السلطة

ولد سلطان أحمد بن سليم في دبي عام 1955 لعائلة تنحدر من تجار اللؤلؤ؛ إذ كان والده أحمد مستشارا مقربا ومؤتمنا لدى حكام دبي من آل مكتوم، ما مكَّنه من الولوج إلى دوائر السلطة مبكرا.

يروي ابن سليم أن جده كان غواصا يقطع اللؤلؤ في الخليج وأن دبي كانت محطة تجارية على طريق الحرير. مشيرا إلى أن "التجارة جزء من جيناتنا".

بعد دراسته الثانوية، التحق بجامعة تمبل في فيلادلفيا حيث حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد، وما زال يفتخر بأنه حصل على رسالة تهنئة من الجامعة لوصوله إلى "لائحة الشرف".

بدأ ابن سليم مسيرته المهنية كضابط جمارك في ميناء دبي، لكن نقطة التحول الكبرى كانت في عام 1985 عندما عيّنه حاكم دبي محمد بن راشد رئيسا للمنطقة الحرة في جبل علي.

وبعدها كُلف بإدارة هيئة موانئ دبي؛ حيث عمل على توسعتها لتصبح أكبر منطقة حرة في الشرق الأوسط. 

في العقد الأول من الألفية، أصبح ابن سليم الوجه العالمي لنموذج "دبي إنك" (Dubai Inc)، وهو المصطلح الذي يطلق على تداخل الحكومة والشركات الاستثمارية المملوكة لها. ومن هنا لم يعد مجرد مدير ميناء، بل أصبح "قيصر العقار" والمشرف على إعادة رسم خريطة دبي الجغرافية.  

عام 2005، جرى دمج هيئة موانئ دبي مع "دبي العالمية" لتأسيس دي بي ورلد، وشرع ابن سليم في حملة توسع عالمي شملت شراء شركة الشحن البريطانية  بي آند أو فيريز P&O مقابل 6.8 مليارات دولار عام 2006.

تحت قيادته استحوذت الشركة على شركات لوجستية في أوروبا وإفريقيا وأميركا الشمالية، حتى باتت موجودة في أكثر من 83 دولة.

كما طور ميناء جبل علي ليصبح أكبر ميناء صناعي من صنع الإنسان في العالم، وأطلق منطقة جبل علي الحرة لتكون محوراً لجذب الاستثمار الأجنبي.

إلى جانب ذلك، كان له دور في تأسيس شركة نخيل العقارية التي بنت جزر النخيل الصناعية على ساحل دبي، وأسهم في إنشاء مركز دبي للسلع المتعددة.

لم يقتصر دوره على إدارة الموانئ، فقد شغل عضوية المجلس التنفيذي لإمارة دبي، وعضوية سلطة الضرائب الاتحادية، ورئاسة مجلس منطقة دبي الحرة.

تولى أيضاً رئاسة شركة فيرجن هايبرلوب ون (تتخذ من لوس أنجلوس مقرا لها)، مشروع النقل فائق السرعة للركاب والبضائع بين المدن، وشارك في مجالس إدارات مؤسسات مثل شركة نخيل واستثمار العالمية.

هذا التعدد في المناصب جعله أحد أكثر رجال الأعمال نفوذا في الخليج، كما قربه من حاكم دبي محمد بن راشد الذي توصف علاقته به بأنها وثيقة، وهو ما أشارت إليه رسائل إبستين التي قدَّمته على أنه "مقرب من الشيخ".

ورغم هذه المناصب القيادية، أظهرت الوثائق وجهاً آخر لابن سليم الذي كان يعيش حياة مزدوجة، إذ يدير في العلن واحدة من أكبر شركات اللوجستيات في العالم، وينخرط بالخفاء في شبكة علاقات إجرامية. 

شبهات وفضائح

فضيحة إبستين لم تكن الوحيدة التي أثارت الانتقادات بحق ابن سليم؛ فقد واجه اختبارا أخلاقيا كبيرا في عام 2022 كشف عن أسلوبه الإداري القاسي وتجاهله لمعايير حقوق العمال الغربية.

في مارس/آذار 2022، فصلت شركة "P&O Ferries" المملوكة لموانئ دبي 786 بحارا بريطانيا بشكل مفاجئ وفوري عبر مكالمة فيديو مسجلة (Zoom Call)، لاستبدالهم بعمالة خارجية أرخص أجرا. 

القرار أثار غضباً عارماً في البرلمان البريطاني وبين النقابات العمالية والسياسيين، ووصف بأنه "عودة للرأسمالية المتوحشة" مع اتهامات للشركة بانتهاك قوانين العمل، ودفع المملكة المتحدة إلى إلغاء عقدها مع شركة "بي آند أو" للعبارات رداً على تسريح الطاقم.

وبينما كان الجميع يندد بالقرار، ظهر ابن سليم في مقابلة مع صحيفة "فاينانشال تايمز" ليدافع عن الرئيس التنفيذي لشركة العبارات بيتر هيبلثويت الذي نفذ القرار. واصفا إياه بأنه "قام بعمل مذهل" لإنقاذ المجموعة.

إلى جانب ملف العمال، لعب ابن سليم دورا سياسيا عندما دعم تطوير ميناء على نهر التايمز في لندن؛ إذ كشفت رسائل إبستين أنه طلب من السياسي البريطاني بيتر ماندلسون تسهيل ضمانات قروض للمشروع، ما أكد حجم النفوذ الذي يتمتع به واستخدامه علاقاته الدولية للترويج للمشروعات. 

ففي العقد الأخير من مسيرته، حول ابن سليم "موانئ دبي العالمية" إلى أداة فعالة من أدوات السياسة الخارجية للإمارات، مما أدخله في صراعات إقليمية معقدة.

وبعيدا عن أوروبا، لم تكن منطقة القرن الإفريقي مستثناة من خططه؛ إذ كانت جيبوتي حجر الزاوية في إستراتيجية ابن سليم الإفريقية عبر محطة "دوراليه" للحاويات. 

وبدأ نزاع بين موانئ دبي العالمية وجيبوتي في 2012، بشأن امتياز ممنوح للشركة لتشغيل المحطة. ورفعت حكومة الأخيرة في 2014 دعاوى، تتهم الشركة الإماراتية بتقديم رشا مالية لتأمين الحصول على الامتياز.

ووصلت الأزمة إلى إنهاء حكومة جيبوتي في فبراير 2018 عقد التشغيل وطرد موانئ دبي، لافتة أنها اتخذت القرار لحماية "السيادة الوطنية والاستقلال الاقتصادي" للبلاد.

وفي عام 2021، أصدرت محكمة التحكيم التابعة لمحكمة لندن للتحكيم الدولي، حُكما ضد شركة ميناء جيبوتي في نزاعها مع موانئ دبي العالمية، بثبوت عدم مشروعية محاولاتها إنهاء حقوق امتياز تشغيل محطة الحاويات "دوراليه" ونقل ملكية أسهمها إلى الدولة.

وأمرت المحكمة بتعويض بمبلغ 1.7 مليون جنيه إسترليني (2.41 مليون دولار) تسددها الشركة قيمة التكاليف القانونية. وطالبت موانئ دبي في أبريل/نيسان 2021، بتعويضات بقيمة 210.2 ملايين دولار من دولة جيبوتي بسبب النزاع القائم.

لكن الأخطر كان رد ابن سليم الجيوسياسي، والذي تمثل في الانتقال إلى “أرض الصومال”، إذ وقع صفقة لتطوير ميناء "بربرة" في هذا الإقليم الانفصالي، متجاوزا الحكومة الفيدرالية في مقديشو. 

المشروع لم يكن تجاريا فقط، بل تضمن أبعادا عسكرية وسياسية، وعده المحللون جزءا من إستراتيجية إماراتية للسيطرة على ممرات البحر الأحمر ومحاصرة المنافسين (قطر وتركيا). 

هذا التحرك جعل من ابن سليم لاعبا سياسيا يوقع اتفاقيات ذات طابع سيادي، مما عزز نظرية "الإمبراطورية التجارية" التي يقودها. 

كما وضعه في خانة التطبيع المتقدم مع إسرائيل بسبب علاقته السابقة مع إيهود باراك، والتناغم الحالي بين خطط أبوظبي وتل أبيب في أرض الصومال وخاصة بعد اعتراف الاحتلال بالإقليم “دولة مستقلة”.