فساد ورسائل مخلة.. أزمات حزب الشعب الجمهوري لا تتوقف بتركيا

"لم يتوقع أحد أن يأتي يوم يجلس فيه رئيس الحزب، ويصبّ الشتائم على رئيس بلدية من حزبه بكلمات لا تُسمع حتى بالشارع"
تشهد الحياة السياسية التركية في الآونة الأخيرة توترات متزايدة داخل حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة في البلاد.
وما يحدث اليوم، يتجاوز، بحسب الكاتب التركي "نديم شينر"، حدود الخلافات التنظيمية أو التنافس التقليدي على القيادة، ليعكس أزمة أعمق تمسّ صورة الحزب وهويته وخطابه الأخلاقي.

مسرح للاتهامات
وأوضح الكاتب في مقال بصحيفة "حرييت" التركية، أنه بدل أن ينحصر الصراع في البرامج والرؤى السياسية، باتت الساحة الداخلية للحزب مسرحا لاتهامات الفساد والرشوة وخطاب متشنج يتسم بالشتائم والإهانات.
وهو الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول طبيعة التحول الذي يمر به هذا الكيان التاريخي.
وأول أزمة واجهت الحزب هو الجدل حول صعود أكرم إمام أوغلو إلى مركز النفوذ داخل الحزب؛ حيث ادّعى منتقدوه أنه تمكن من فرض سيطرته على المؤتمر العام من خلال شبكات مصالح مالية وسياسية.
وأن اختيار أوزغور أوزيل لرئاسة الحزب لم يكن نتيجة مسار ديمقراطي طبيعي بقدر ما كان خطوة تهدف إلى تمكين إمام أوغلو من الإمساك بزمام القرار السياسي.
ووفق هذا التصور، لم يكن الهدف من التغيير القيادي تجديد المشروع السياسي أو تعزيز الديمقراطية الداخلية، بل إعداد الأرضية لترشيحه للرئاسة.
ومع توقيف إمام أوغلو لاحقا في قضايا تتعلق بالفساد والرشوة، تغيرت أولويات القيادة الجديدة؛ إذ انصرف الجهد إلى الدفاع عنه ومحاولة احتواء تداعيات الاتهامات بدل الانشغال ببناء خطاب سياسي بديل أو برنامج إصلاحي يقنع الناخبين.
وانعكس هذا التحول على مجمل أداء الحزب؛ حيث بدا أن التنظيم بكامله انخرط في مهمة تبرير الاتهامات أو التقليل من شأنها.
وبدل أن تُطرح مطالب بالشفافية والمحاسبة، اصطفَّ عدد من القيادات والنواب خلف الشخصيات المتهمة، في مشهد فسّره مراقبون على أنه نوع من التضامن الحزبي الذي يتقدم على التقديرات الأخلاقية والقانونية.
وهكذا تحولت المعارضة التي يفترض أن تقدم نفسها بوصفها صوت النزاهة والرقابة، إلى كيان يبدو منشغلا بحماية دوائره الداخلية. وهذا هو ما أضعف قدرتها على إقناع الرأي العام بأنها بديل موثوق للسلطة.
مع ذلك، لم يتوقع أحد أن يأتي يوم يجلس فيه رئيس الحزب على الكرسي، ويصبّ الشتائم والتهديدات على رئيس بلدية من حزبه بكلمات لا تُسمع حتى في الشارع، وأن يقوم مساعدوه وقيادات الحزب ونوابه وإعلامه الموالي بالدفاع عن هذه الشتائم.

رسائل مسربة
وبحسب الكاتب التركي، بلغت أزمة حزب الشعب الجمهوري ذروتها، عندما تسربت رسائل منسوبة لرئيس الحزب أوزغور أوزيل، والتي وجّهَها إلى أحد رؤساء البلديات المنتمين إلى الحزب نفسه.
فلم تكن تلك الرسائل مجرد انتقاد سياسي أو عتاب تنظيمي، بل حملت لغة قاسية تضمنت اتهامات مباشرة بالسرقة وعبارات مهينة وتهديدات شخصية.
غير أنّ المفارقة هو أنّ هذا الخطاب لم يُستخدم في مواجهة خصوم سياسيين، بل في مخاطبة مسؤول حزبي من الداخل، وهو ما أعطى الانطباع بأن التوترات تجاوزت حدود العمل المؤسسي وتحولت إلى صراعات شخصية مفتوحة.
ولقد أصبحت القضية معروفة على مستوى تركيا كلها، فلم تعد مجرد خلاف داخلي داخل الحزب. فبعد انتشار شائعات عن احتمال انتقال رئيس بلدية كيتشي أورن، مسعود أوز أرسلان، إلى حزب العدالة والتنمية، ولقائه وزير البيئة مراد كوروم، قام أوزغور أوزيل بالردّ على هذه المسألة بطريقة انفعالية، إذ أرسل له عبر تطبيق واتساب سلسلة من الرسائل المليئة بالاتهامات والإهانات.
تضمنت هذه الرسائل ألفاظاً قاسية واتهامات بالسرقة والخيانة، إلى جانب شتائم جارحة مثل وصفه بالسارق والكلب وعديم الشرف، ومطالبته له بالرحيل، بل وتضمنت عبارات شخصية مهينة وتهديدات مباشرة.
وهذا الأسلوب في الخطاب، خصوصا عندما يصدر عن رئيس حزب سياسي تجاه مسؤول رشحه هو بنفسه، يُنظر إليه على أنه انعكاس لطبيعة شخصيته وطريقة تعامله مع الخلافات.
فبدل الاحتكام إلى الحوار السياسي أو القنوات التنظيمية، لجأ إلى لغة الغضب والتجريح، وأظهر ما كان يخفيه في داخله في لحظة انفعال.
وهذا الأمر هو ما جعل كثيرين يرون في هذه الواقعة تعبيرا صريحا عن سلوكه الحقيقي، خاصة في ظل اتهامات سابقة له بالكذب والتشهير.

صدمة حقيقية
أما بالنسبة للشعب، فقد شكلت هذه اللغة صدمة حقيقية؛ إذ بدت بعيدة كل البعد عن الحد الأدنى من اللياقة السياسية التي يُفترض أن يتحلى بها رئيس حزب كبير يمثل المعارضة.
وبدل أن يؤدي ذلك إلى مراجعة أو اعتذار، جاءت مواقف بعض القيادات لتبرر تلك اللغة بوصفها تعبيراً عن الغضب أو الصراحة السياسية، بل ذهب البعض إلى القول إنّ الإهانة يمكن أن تكون جزءا من العمل السياسي.
غير أن هذا المنطق أثار قلقا واسعا؛ لأنه يفتح الباب أمام تطبيع الانحدار الأخلاقي في الخطاب العام ويحوّل السياسة من مجال للنقاش العقلاني إلى ساحة للتجريح الشخصي.
وعندما تصبح الشتيمة أداة سياسية مشروعة، فإن الحدود التي تفصل بين الخلاف المشروع والفوضى الخطابية تبدأ في التلاشي.
كل هذه التطورات تركت أثراً مباشراً على صورة الحزب في أعين الناخبين. فالحزب الذي طالما قدم نفسه بوصفه حاملاً لقيم الديمقراطية والشفافية يجد نفسه اليوم محاطا بشبهات الفساد والانقسامات الداخلية والخطاب المتشنج.
وهذا التناقض بين الشعارات والممارسة يضعف الثقة الشعبية، ويقوض القدرة على بناء تحالفات واسعة؛ لأن الرأي العام لا يحاسب الأحزاب على برامجها فقط، بل على سلوك قادتها ومستوى خطابهم أيضا.
وختم الكاتب مقاله قائلا: تكشف هذه الأزمة عن إشكالية أعمق تتجاوز حدود الصراع الشخصي أو التنظيمي؛ إذ تطرح سؤالاً جوهرياً حول العلاقة بين السياسة والأخلاق.
فالعمل السياسي لا يقوم فقط على إدارة المصالح أو السعي إلى السلطة، بل يتطلب أيضاً قدراً من المسؤولية والقدوة واحترام اللغة العامة.
وعندما تفقد القيادة هذا التوازن، فإنها لا تخسر صورتها فحسب، بل تخاطر بفقدان شرعيتها ذاتها. ومن دون مراجعة داخلية جادة تعيد التقدير لقيم الشفافية والانضباط الأخلاقي، قد يجد الحزب نفسه أمام تراجع طويل الأمد في مكانته ودوره داخل المشهد السياسي التركي.















