محاسبة رموز النظام بين التسويات والمحاكمات.. أين يمضي مسار العدالة في سوريا؟

"العدالة الانتقالية هي آلية حيوية لبناء الثقة بين الدولة والمجتمع"
يضغط الشارع السوري أكثر فأكثر على الدولة السورية الجديدة لترسيخ مبادئ العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين في الجرائم المرتكبة بحق المدنيين خلال سنوات حكم بشار الأسد، لا سيما بعد إجراء ما عُرف بـ"التسويات الأمنية" مع شخصيات ارتبطت أسماؤها بأبشع صور القمع والانتهاكات.
وقد شهدت سوريا موجة غضب شعبي متصاعدة نتيجة ما يُنظر إليه على أنه تراخٍ في ملاحقة المتورطين بجرائم حرب خلال سنوات الثورة، الأمر الذي عكس صورة صادمة لدى شريحة واسعة من السوريين، مفادها أن بعض المسؤولين عن الانتهاكات ما زالوا يفلتون من المحاسبة القانونية، في وقت تتزايد فيه المطالب بإرساء عدالة حقيقية تعيد الثقة بمسار المرحلة الجديدة.

تسويات أمنية
عمدت الحكومة السورية خلال الفترة الأخيرة إلى إجراء تسويات مع شخصيات عُرفت بأنها من أبرز الداعمين اقتصاديا للنظام السابق بقيادة بشار الأسد، إضافة إلى إطلاق سراح بعض قادة المليشيات بعد أشهر من توقيفهم، من دون محاكمات واضحة، رغم اتهامهم بدعم آلة الحرب حتى الأيام الأخيرة التي سبقت فرار الأسد إلى روسيا.
هذا الواقع فتح باب التساؤلات حول جدية السلطة الجديدة في الالتزام بمسار العدالة الانتقالية، وأثار مخاوف لدى ضحايا الانتهاكات ومنظمات حقوق الإنسان من أن يتحول هذا المسار إلى إطار شكلي غير قادر على تحقيق محاسبة حقيقية.
فبينما كان كثير من السوريين يعلقون آمالهم على محاكمات عادلة للمسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت خلال سنوات الثورة، بدت بعض الخطوات الحكومية وكأنها إجراءات رمزية لا تعالج جذور الأزمة ولا تقدم ضمانات فعلية للمتضررين.
ومع غياب محاكمات علنية وشفافة، تبدو العدالة التي انتظرها السوريون طويلا وكأنها ما تزال تسير في طريق معقد تحكمه حسابات سياسية وأمنية.
وقد انتقد ناشطون سوريون ما وصفوه بالتراخي الرسمي في ملاحقة المتورطين بجرائم ضد المدنيين، مطالبين بإشراك المجتمع المدني وروابط الضحايا في مراقبة المسار القضائي، والتأكيد أن العدالة الانتقالية ليست مجرد شعار، بل شرط أساسي لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع وترسيخ مصالحة وطنية مستدامة.
كما عبّر أهالي المفقودين والمعتقلين السابقين عن استيائهم من غياب خطوات ملموسة لكشف مصير ذويهم، ويرون أن الإفراج عن بعض الشخصيات المتهمة يبعث برسائل سلبية، ويحوّل المحاكمات المحتملة إلى ما يشبه “عدالة المنتصرين”.
وفي ظل تصاعد الغضب الشعبي، شهدت محافظة دير الزور منذ 6 فبراير/شباط 2026 اجتماعين منفصلين في “مضافة أحرار دير الزور” ومبنى المحافظة، بحضور المحافظ غسان السيد أحمد وقائد الأمن الداخلي العقيد ضرار الشملان، لبحث التوتر المتصاعد على خلفية التسويات مع قادة ميليشيات مرتبطة بالنظام السابق.
وجاءت هذه اللقاءات عقب تسويات شملت عددا من القادة، من بينهم فراس الجهام ومدلول العزيز، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي وشرح الإجراءات المتخذة لضبط الوضع الأمني.
وخلال الجلسات جرى الاستماع إلى مقترحات الحضور ومناقشة قضايا أمنية ومجتمعية، مع تأكيد استمرار اللقاءات بهدف دعم السلم الأهلي واستقرار المنطقة.
وقال رائد الملحم، أحد الناشطين المشاركين في الاجتماعات، في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا، إن العقيد الشملان أوضح أن التسويات الأخيرة تأتي ضمن سياسة الدولة، ومرتبطة أيضا بضغوط خارجية تتعلق بإدارة الوضع الداخلي. مشيرا إلى أن الإجراءات شملت قادة مليشيات سابقين في دير الزور.
ويُعد مدلول العزيز من الشخصيات المثيرة للجدل، إذ شغل عضوية مجلس الشعب خلال الدورة التشريعية الثالثة (2020–2024)، واتُّهم بالاستفادة من نفوذه وعلاقاته مع شخصيات نافذة ومليشيات مدعومة من جهات خارجية، من بينها نواف البشير الذي أجرى بدوره تسوية مع الدولة رغم قيادته سابقا مليشيا “أسود العشائر” المرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني.
أما فراس ذياب الجهام، الملقب بـ“فراس العراقية”، فكان قائد مليشيا الدفاع الوطني في دير الزور، واشتهر منذ بدايات الثورة عام 2011 بارتباطه بالأجهزة الأمنية ومشاركته في عمليات قمع واعتقال متظاهرين.
وتتهمه مواقع معارضة وشبكات محلية بالمسؤولية عن انتهاكات جسيمة وعمليات تصفية نالت معارضين في المدينة، وهو ما يجعل إدراجه ضمن التسويات الأخيرة نقطة خلافية تزيد الجدل حول مستقبل العدالة الانتقالية في سوريا.

العدالة الانتقالية
اقتصاديا، حصل عدد من رجال الأعمال الذين ارتبطت أسماؤهم بالنظام السابق بقيادة بشار الأسد على تسويات أمنية، من أبرزهم رجل الأعمال السوري محمد حمشو، المعروف بعلاقاته الوثيقة بدوائر السلطة في مرحلة ما قبل سقوط النظام.
ففي 7 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع في سوريا إنجاز تسوية رسمية مع حمشو، ضمن برنامج “الإفصاح الطوعي” الذي أطلقته اللجنة بهدف تحقيق العدالة الاقتصادية وتعزيز شفافية الأصول والممتلكات لدى رجال الأعمال الذين يُشتبه في استفادتهم من قربهم من النظام السابق.
غير أن بيان حمشو الذي تلا الإعلان أثار موجة انتقادات، إذ رأى كثيرون أن التسوية تمت من دون مراجعة حقيقية لدوره في دعم السلطة السابقة أو محاسبته على ذلك.
ويرى مراقبون أن إجراء تسويات مع شخصيات لعبت أدوارا عسكرية أو اقتصادية في تثبيت حكم النظام السابق يمثل إحدى أكبر الإشكاليات التي تواجه مسار العدالة الانتقالية، خصوصا أن بعض هذه الشخصيات لم تكن مجرد مستفيد اقتصادي، بل شكلت جزءا من البنية المالية والسياسية التي ساعدت على استمرار السلطة خلال سنوات الحرب.
وتشير معطيات دولية إلى أن وزارة الخزانة الأميركية كانت من أبرز الجهات التي فرضت عقوبات على حمشو، إذ أدرجته منذ أغسطس/آب 2011 على قوائم العقوبات، استنادا إلى معلومات تفيد بتقديمه دعما مباشرا للأسد وشقيقه ماهر الأسد، وعده واجهة اقتصادية لنفوذ الأخير داخل قطاعات متعددة من الاقتصاد السوري.
وفي السياق ذاته، أثار منح الدولة السورية في يونيو/حزيران 2025 تسوية أمنية لفادي صقر، وهو قائد سابق في “قوات الدفاع الوطني”، غضبا واسعا في الأوساط الشعبية، خصوصا أن ناشطين أطلقوا عليه لقب “سفاح سوريا”، متهمين ميليشياته بالضلوع في مجازر بحق مدنيين، من أبرزها مجزرة التضامن عام 2013.
كما تصاعد الجدل مع عدم محاسبة فرحان المرسومي بعد سقوط النظام، رغم اتهامات بارتباطه بتجارة المخدرات والعمل ضمن شبكات نفوذ مدعومة من جهات إقليمية.
وقد أثار ظهوره العلني في فعاليات رسمية، بينها حملة “حلب ست الكل” في ديسمبر/كانون الأول 2025 وتبرعه بمبلغ 300 ألف دولار لدعم مشاريع خدمية، صدمة لدى شريحة من السوريين الذين رأوا في ذلك مؤشرا على غياب المساءلة.
في المقابل، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع في 17 مايو/أيار 2025 تشكيل هيئة مستقلة باسم “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، بهدف كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتعويض الضحايا، وترسيخ مبدأ عدم التكرار بما يدعم المصالحة الوطنية. وتمتلك الهيئة، وفق الإعلان الرسمي، استقلالية مالية وإدارية وصلاحية العمل في كامل الأراضي السورية.
وفي مقابلة مع قناة الإخبارية السورية بتاريخ 2 فبراير/شباط 2026، أكد وزير العدل السوري مظهر الويس أن العدالة الانتقالية أصبحت أحد الملفات الأساسية في مرحلة ما بعد سقوط النظام، مشددا على أن الهدف هو الانتقال من زمن الانتهاكات إلى مرحلة كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا ومحاسبة المتورطين وجبر الضرر.
وأوضح الويس أن وزارة الداخلية ووزارة العدل تعملان بالتنسيق لملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات، وأن النيابة العامة بدأت بالفعل تحريك بعض الملفات، بينما نشرت وزارة العدل معلومات على منصاتها الرسمية من باب الشفافية وطمأنة المواطنين بأن المسار ليس شكليا.
لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن طبيعة الانتهاكات المتراكمة على مدى أكثر من خمسة عشر عاما، وبعضها يعود إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تجعل مسار العدالة الانتقالية طويلا ومعقدا، إذ يتطلب وقتا كافيا لبناء ملفات متكاملة تضمن تحقيق العدالة بشكل مهني وقانوني.

إعادة تعويم
يرى خبراء قانونيون أن إعادة تعويم رموز النظام السابق من دون مساءلة واضحة أو اعتراف بالانتهاكات لا تسهم في بناء الدولة الجديدة، بل قد تهدد استقرارها الاجتماعي وتعمّق حالة الغضب الشعبي، خاصة لدى عائلات الشهداء والمعتقلين الذين لا تزال مصائر كثير منهم مجهولة حتى اليوم.
وفي ظل التأخر في تفعيل قانون العدالة الانتقالية في سوريا، يعتقد حقوقيون أن الإجراءات الحكومية الحالية، رغم أهميتها، لن تشكل حلا جذريا، لكنها قد تُستخدم كأدوات مؤقتة لمنع إفلات بعض المتورطين من المحاسبة، إلى حين إطلاق مسار قضائي متكامل وواضح المعالم.
وفي هذا السياق، قال نائب رئيس مركز الحوار السوري الباحث أحمد قربي، في تصريح لـ“الاستقلال”: إن الإجراءات المتاحة حاليا لتسريع محاسبة المتورطين “لن تعطي حلولا جذرية قبل صدور قانون العدالة الانتقالية”، لكنها قد تُعد خطوات إسعافية أو احترازية يمكن اللجوء إليها مؤقتا ريثما يكتمل الإطار القانوني.
وأوضح قربي أن الخطوة الأولى تتعلق بإجراءات التوقيف القضائي، إذ يسمح قانون السلطة القضائية السوري النافذ بتوقيف المتهمين والتحفظ عليهم وتمديد مذكرات توقيفهم، كما حدث مع شخصيات بارزة من عهد النظام السابق. مشددا على أن المقصود هنا هو تسريع مسار المحاسبة لا الاكتفاء بإجراءات التسوية القانونية.
أما الخطوة الثانية، بحسب قربي، فتتمثل في إصدار لوائح منع سفر لمنع الشخصيات المتهمة من مغادرة البلاد قبل استكمال التحقيقات، إضافة إلى إمكانية اللجوء إلى الحجز الاحتياطي على الأموال عبر القضاء، بهدف الحيلولة دون تهريب الأصول أو استخدامها للالتفاف على مسار العدالة.
ومع ذلك، شدد قربي على أن هذه التدابير تبقى ناقصة ما لم يُطلق مسار المحاكمات فعليا، ويرى أن غياب محاكمات واضحة حتى الآن هو جوهر الأزمة.
وأكد أهمية أن ترافق الإجراءات الحكومية درجة أعلى من الشفافية، عبر إعلان أعداد المتهمين الذين تُشير تقديرات رسمية إلى أنهم قد يتراوحون بين أربعة آلاف وخمسة آلاف شخص.
كما رأى أن اطلاع الرأي العام على تطورات القضايا، وعقد لقاءات مع روابط الضحايا، وتقديم معلومات دورية حول مجريات المحاكمات، يشكل عناصر أساسية لبناء الثقة في المرحلة الحالية.
فكلما كانت الخطوات واضحة ومعلنة، ازدادت قدرة المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية على متابعة الملف والضغط من أجل كشف مصير المتهمين وضمان عدم إفلاتهم من العدالة.
المصادر
- غضب يشتعل في دير الزور.. والمحافظ مستاء "انفوهم على الأقل"
- قاد ميليشيا القاطرجي وترأس نادي الفتوة.. اعتقال عضو سابق في مجلس الشعب
- إعادة تأهيل "الشبيحة" والرماديين: طعنة في ظهر الثورة وذاكرة الضحايا
- فادي صقر متهم بمجزرة التضامن أثار التصالح معه حفيظة السوريين
- سوريا.. هيئة العدالة الانتقالية تحدد خطتها
- غضب بحلب.. المرسومي يغسل أمواله بالتبرع لـ"ست الكل"













