أكرم إمام أوغلو.. لماذا يصعّد المواجهة مع القضاء والإعلام؟

"لم تعد القضية مجرد خلاف إداري يتعلق بشهادة جامعية، بل تحولت إلى ملف متعدد الطبقات يمس السمعة السياسية"
يعتمد دفاع رئيس بلدية إسطنبول المعزول أكرم إمام أوغلو، في مختلف القضايا التي يحاكم على ذمتها، على خطاب سياسي متكرر، يستند إلى شرعيته الانتخابية، ويصعّد المواجهة مع القضاء والإعلام أكثر من تركيزه على معالجة جوهر الاتهامات القانونية بتفصيل تقني مباشر.
جاء ذلك في مقال للكاتب التركي "عبد القادر سيلفي"، نشرته صحيفة “حرييت” التركية بشأن تطورات محاكمة إمام أوغلو المحبوس في سجن سيليفري في قضية شهادته الجامعية المزورة التي سبق أن ألغيت من مجلس التعليم الأعلى، وتطالب النيابة العامة بسجنه من عامين إلى 8 سنوات و9 أشهر، مع منعه من العمل السياسي.
وتمثل قضية الشهادة الجامعية واحدة من مجموعة محاكمات يخضع لها إمام أوغلو، وهي مستقلة عن قضية الفساد التي عزل وسجن بسببها.

استقطاب حاد
في مستهل مقاله، يقول الكاتب: إنه في المشهد السياسي التركي المتوتر أصلا بفعل الاستقطاب الحاد بين السلطة والمعارضة، برز اسم أكرم إمام أوغلو مجددا في قلب عاصفة قانونية وسياسية متشابكة.
فلم تعد القضية مجرد خلاف إداري يتعلق بشهادة جامعية، بل تحولت إلى ملف متعدد الطبقات يمس الشرعية القانونية، والسمعة السياسية، والطموح الرئاسي، ويعيد طرح أسئلة عميقة حول العلاقة بين القضاء والسياسة في تركيا المعاصرة.
وتبدأ الحكاية من مسألة الانتقال الأفقي الذي قام به إمام أوغلو خلال دراسته الجامعية، حين انتقل من جامعة كيرينيا الأميركية في قبرص التركية إلى جامعة إسطنبول.
في ظاهر الأمر يبدو الانتقال إجراءً أكاديميا معتادا، غير أن الجدل انفجر مع تداول وثيقة رسمية صادرة عن مجلس التعليم العالي التركي، تفيد بأن المعادلة الأكاديمية في تلك الفترة كانت معترفا بها لجامعة شرق المتوسط فقط، دون غيرها من الجامعات في قبرص التركية.
هذا التفصيل القانوني الدقيق فتح الباب أمام تساؤلات حول مدى استيفاء شروط الانتقال، وحول قانونية الشهادة التي حصل عليها لاحقا.
ومع تقدم المسار القضائي وجد إمام أوغلو نفسه في مواجهة دعوى تتعلق بإلغاء شهادته، وهي مسألة تتجاوز بعدها الشخصي لتلامس شرطا دستوريا مهما يتعلق بالأهلية للترشح للرئاسة؛ حيث يُشترط الحصول على شهادة تعليم عالٍ.
لذلك، لم يكن النقاش حول الشهادة مسألة رمزية أو ثانوية، بل حمل أبعادا سياسية مباشرة، خاصة في ظل الحديث عن احتمالات ترشحه في انتخابات رئاسية مقبلة.
وفي دفاعه قدّم إمام أوغلو رواية مطولة استعرض فيها مسيرته السياسية والانتخابية، مؤكدا شرعيته المستمدة من صناديق الاقتراع، ومشيرا إلى عدد الأصوات التي حصل عليها في انتخابات بلدية إسطنبول، وإلى ثقة الناخبين التي جددت له الولاية.
ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، فقد ظهرت إفادات قضائية بالتوازي مع قضية الشهادة، كان قد أدلى بها رجل الأعمال عزيز إحسان أكتاش، وحملت هذه الإفادات مزاعم ثقيلة تتعلق بوجود شبكة من الرّشا والتسهيلات داخل بعض البلديات التابعة لحزب الشعب الجمهوري، وهو الحزب الذي ينتمي إليه إمام أوغلو.
تضمنت الإفادات تفاصيل مثيرة: مبالغ مالية كبيرة قيل أنّها سُلّمت عبر وسطاء، وأموال نُقلت داخل علب حلويات مثل البقلاوة والكنافة، وتحويلات مصرفية موثقة بإيصالات، وتمويل حملات انتخابية بطرق غير قانونية.

مادة دسمة للإعلام
والأسماء التي وردت في الإفادات والتواريخ المحددة وأوصاف اللقاءات منحت الرواية بعدا دراميا، وجعلتها مادة دسمة للإعلام والرأي العام.
فقد تحدثت الإفادات أيضا عن شراء سيارات، وتقديم أموال أو هدايا في مناسبات شخصية، وعن تحركات لإعداد مذكرات لرفع الحصانة عن بعض الشخصيات السياسية.
كل ذلك أسهم في توسيع نطاق الجدل، بحيث لم تعد المسألة محصورة في ملف أكاديمي، بل باتت تمتد إلى صورة الإدارة المحلية والنزاهة المالية.
في خضم هذه التطورات، بدا أن الساحة السياسية التركية دخلت مرحلة من التوتر المتصاعد. فالمعارضة رأت في هذه القضايا جزءا من معركة سياسية، تستهدف إضعاف أحد أبرز وجوهها وأكثرهم قدرة على منافسة السلطة في الانتخابات المقبلة.
أما في الضفة الأخرى، فطُرحت القضايا بوصفها اختبارات ضرورية للشفافية والمساءلة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بشخصية عامة تطمح إلى أعلى منصب في الدولة.
وهذا التداخل بين القانون والسياسة ليس جديدا على تركيا، لكنه يكتسب في هذه الحالة حساسية مضاعفة. فإمام أوغلو يمثل رمزا لنجاح المعارضة في كسر هيمنة طويلة على بلدية إسطنبول، المدينة التي تحمل وزنا سياسيا واقتصاديا هائلا.
لذلك فإن أي تطور قضائي يمسه يُقرأ تلقائيا في إطار أوسع من الحسابات الانتخابية والإستراتيجية.
غير أن الحقيقة القضائية لا تُحسم في ساحات الإعلام أو في خطابات السياسيين، بل في أروقة المحاكم.
حيث إنّ المستندات وشهادات الشهود وتفسيرات القوانين هي التي ستحدد ما إذا كان الانتقال الجامعي قد تم وفق الأصول، وما إذا كانت مزاعم الفساد تستند إلى أدلة دامغة أم تبقى في إطار الادعاءات.

دفاع متكرر
ويثير تتبع المرافعات التي قدّمها أكرم إمام أوغلو في قضية شهادته الجامعية، وكذلك في ملفات الفساد المرتبطة ببلديات محسوبة على حزبه، ملاحظة أساسية تتعلق بطبيعة الخطاب المعتمد في الدفاع.
فالمراجعة الدقيقة لنصوص دفاع إمام أوغلو تكشف نمطا متكررا يكاد يكون ثابتا، بغضّ النظر عن اختلاف موضوع القضية أو طبيعة الاتهام.
في قضية الشهادة، وبعد رفض الدعوى التي رفعها بشأن إلغاء مؤهله الجامعي، كان متوقعا أن يتجه الدفاع إلى معالجة جوهر المسألة القانونية معالجة مباشرة. وأن يركّز على تقديم أدلة مادية واضحة تتعلق بآلية الانتقال الجامعي، وشروط المعادلة الأكاديمية، والإجراءات المتبعة آنذاك.
فالقضية من الناحية الشكلية تقنية الطابع، وتقوم على تفسير لوائح وأنظمة جامعية محددة، كما أنها تمس شرطاً دستورياً مرتبطاً بالأهلية للترشح للرئاسة.
غير أن الخطاب الذي قُدِّم لم ينحصر في هذا الإطار القانوني الضيق. بل برز عنصر سياسي واضح في صلب المرافعة، تمثل في استحضار الشرعية الانتخابية بوصفها مرتكزاً أساسياً للدفاع.
حيث يتكرر التذكير بالفوز في انتخابات إسطنبول ثلاث مرات، وبالثقة الشعبية التي مُنحت له، وبإمكانية الفوز مرة رابعة، إلى جانب الإشارة إلى أن 15.5 مليون شخص رشحوه لمنصب رئيس الجمهورية.
وبهذا، ينتقل الدفاع من مناقشة تفصيل قانوني محدد إلى تأكيد مشروعية سياسية أوسع. وهذا النمط لا يقتصر على قضية الشهادة، بل يتكرر في قضايا الفساد التي طُرحت في سياق بلديات تابعة لحزب الشعب الجمهوري.
فبدلاً من الاكتفاء بتفنيد الوقائع والرد على الأدلة نقطةً نقطة، يُعاد إنتاج الخطاب ذاته: التشكيك في دوافع الادعاء، التأكيد على الإرادة الشعبية، وربط القضايا بسياق سياسي أوسع يُفهم منه أنها جزء من مواجهة سياسية.
إلى جانب ذلك، فإنّ اللغة المستخدمة تجاه نصوص الادعاء ووسائل الإعلام تحمل معنًى تصعيديا. فقد وُصفت بعض لوائح الاتهام بأنها "قمامة"، وظهرت عبارات تحذيرية موجهة إلى هيئة المحكمة، وأخرى حادة تجاه وسائل إعلام تنشر أخبارا عن القضايا.
هذه اللغة تمنح الخطاب طابع مواجهة مفتوحة، وتحوّل الجلسات القضائية إلى امتداد لساحةِ صراع سياسي وإعلامي.
وأشار الكاتب إلى أنّ تكرار الخطاب في مختلف القضايا يكشف عن رؤية دفاعية ترى أن المعركة الأساسية ليست قانونية فحسب، بل سياسية في المقام الأول.
وبينما يظل القضاء هو الجهة المخولة بحسم الوقائع وفق الأدلة، يستمر الجدل حول مدى ملاءمة هذا الأسلوب الدفاعي في قضايا تتطلب تفكيكا قانونيا دقيقا بقدر ما تتأثر بالسياق السياسي العام.














