من القطيعة إلى الشراكة.. تحوّل إستراتيجي في العلاقات التركية-السعودية

"لا ترغب أنقرة ولا الرياض في الارتهان الكامل لمحور واحد"
خلال العقد الماضي، لم تكن العلاقات التركية–السعودية مستقرة أو خطّية، فقد شكّلت أزمة مقتل الإعلامي جمال خاشقجي عام 2018 نقطة تحوّل حادّة أدخلت العلاقات في مرحلة من التوتر العميق، تخللتها اتهامات متبادلة، وحملات إعلامية، وتراجع ملحوظ في التبادل التجاري.
ونشر مركز "فيكير تورو" التركي مقالا للكاتب جوكهان إرإلي، ذكر فيه أنه "في تلك المرحلة تجاوز الفراغ السياسي بين أنقرة والرياض مجرد كونه خلافا عابرا، وبدا أن إعادة بناء الثقة ستتطلب وقتا طويلا".
واستدرك: "لكن بحلول عام 2026 تغيّر المشهد بشكل لافت، حيث لم تعد العلاقات محصورة في إطار (التطبيع) الدبلوماسي، بل انتقلت إلى مستوى أعمق يمكن وصفه بـ(التماسك الإستراتيجي)".
نظام متغير
ورأى الكاتب التركي أن “هذا التحول لم يكن نتيجة مصالحة عاطفية، بل نتاج تحولات بنيوية فرضها النظام الإقليمي والدولي المتغير”.
وأردف بأنه "خلال سنوات التوتر كانت الخلافات بين البلدين ذات أبعاد أيديولوجية وسياسية، خاصة فيما يتعلق بالموقف تجاه الحركات الشعبية العربية، غير أن التحولات الإقليمية، إلى جانب التغير في أولويات كل من أنقرة والرياض، كانت قد أعادت ترتيب سلم المصالح".
وأضاف إرإلي أن "تركيا، التي واجهت تحديات اقتصادية وضغوطا مالية، كانت بحاجة إلى استثمارات أجنبية مباشرة، وشركاء إقليميين قادرين على دعم سياساتها الممتدة من شرق المتوسط إلى القوقاز".
في المقابل، كانت السعودية تخوض تحولا اقتصاديا غير مسبوق ضمن "رؤية عام 2030"، والتي تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط وبناء اقتصاد متنوع قائم على التكنولوجيا والخدمات والسياحة.
هذا التلاقي في الاحتياجات جعل المصالح تتقدم على التقديرات الأيديولوجية، وأعاد تعريف العلاقة بوصفها شراكة براغماتية قائمة على المنفعة المتبادلة، يقول الكاتب.
واستدرك: "يشكّل البعد الاقتصادي أحد أعمدة التقارب الجديد، فقد استعادت الشركات التركية حضورها في السوق السعودية، لا سيما في قطاع البناء والبنية التحتية، الذي يُعد عنصرا محوريا في مشاريع عملاقة مثل (نيوم) و(القدية)".
كما ارتفع حجم التبادل التجاري تدريجيا بعد سنوات من التراجع، ليقترب من 18 مليار دولار مطلع 2026، مع هدف طموح بالوصول إلى 30 مليار دولار بحلول عام 2030.
غير أن الأهمية لا تكمن في الأرقام فحسب، بل في طبيعة التعاون الذي بات يتجاوز التجارة التقليدية ليشمل التكنولوجيا والخدمات والصناعات الثقيلة.
إضافة إلى ذلك، فقد برز التعاون في مجال التعدين والمعادن الحيوية، مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، بعدّه استثمارا إستراتيجيا في مستقبل الطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة.
وهذا التوجه يضع البلدين في موقع متقدم داخل سلاسل التوريد العالمية المرتبطة بالسيارات الكهربائية والبطاريات.

الثقة الإستراتيجية
وقال الكاتب: "إذا كان الاقتصاد يمثل أرضية التقارب، فإن الصناعات الدفاعية تمثل قمته الإستراتيجية، فقد شكّلت صفقة الطائرات المسيّرة عام 2023 نقطة مفصلية، إذ لم تقتصر على بيع معدات عسكرية فحسب، بل شملت نقل تكنولوجيا وإنتاجا مشتركا".
وأوضح أن "السعودية تسعى إلى توظيف نصف إنفاقها على الصناعات العسكرية والدفاعية، وذلك ضمن رؤية 2030، فيما تمتلك تركيا خبرة عملياتية وتقنية متقدمة في مجال الأنظمة غير المأهولة والتقنيات الدفاعية الحديثة".
ولفت إرإلي إلى أن “هذا التكامل الوظيفي خلق علاقة تتجاوز منطق (المشتري والبائع)، لتتّجه نحو شراكة صناعية طويلة الأمد”.
كما أن الحديث عن مشاركة سعودية في مشاريع تركية متقدمة؛ مثل الطائرة من الجيل الخامس "قآن"، يعكس مستوى عاليا من الثقة المتبادلة، ويعزز مفهوم "الاستقلال الإستراتيجي" في مواجهة القيود والضغوط الغربية.
وأشار الكاتب التركي إلى أن "هذا التقارب يتزامن مع مرحلة دولية، تتسم بتصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وتزايد الاستقطاب الجيوسياسي، وفي هذا السياق، لا ترغب أنقرة ولا الرياض في الارتهان الكامل لمحور واحد".
فالسعودية تحافظ على علاقاتها الأمنية مع واشنطن، لكنها توسّع شراكاتها الاقتصادية مع بكين، بينما تركيا بدورها توازن بين موقعها في حلف الناتو وعلاقتها المتنامية مع الخليج وروسيا والصين.
وهذا النهج البراغماتي يعكس إدراكا مشتركا بأن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، وأن القدرة على المناورة تتطلب تنويع الشراكات، ومن هنا، يشكّل محور أنقرة–الرياض أداة لتعزيز القدرة التفاوضية لكل منهما، وتوسيع هامش الاستقلال في مواجهة الضغوط الدولية.
ولفت الكاتب إلى أن "زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية في فبراير/ شباط 2026، وما تلاها من اتفاقيات في مختلف القطاعات؛ ابتداء من الأمن الغذائي حتى تقنيات الفضاء، تشير إلى انتقال العلاقة من مرحلة (الترميم) إلى (الاندماج المؤسسي)".
وشدد على أن “هذا يعني أن التعاون لم يعد محصورا في مبادرات ظرفية، بل بات جزءا من تخطيط إستراتيجي طويل الأمد”.
وأوضح إرإلي أن "توسيع التعاون في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، والدفاع، والتعدين يعكس رؤية مشتركة تتجاوز إدارة الأزمات إلى بناء شراكة بنيوية قادرة على الصمود أمام التحولات السياسية.
وذكر أن "مسار أنقرة–الرياض خلال السنوات الثماني الماضية يوضح كيف يمكن للأزمات العميقة أن تتحول إلى فرص لإعادة صياغة العلاقات على أسس أكثر واقعية، فالتقارب الحالي ليس مجرد تجاوز لأزمة سابقة، بل يعكس إعادة تموضع إقليمي في ظل نظام عالمي متغير".
واستدرك: "لكن يبقى السؤال هنا حول مدى قدرة هذه الشراكة على مواجهة تحديات المستقبل، سواء كانت تقلبات اقتصادية أو أزمات سياسية".
وتابع: "رغم ذلك، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن ما يجري يتجاوز حدود المصالحة التكتيكية، ليؤسس لمرحلة جديدة قد تمثل بالفعل (الوضع الطبيعي الجديد) في توازنات الشرق الأوسط".














