احتجاز إيران سفينتي وقود مهرب بمضيق هرمز.. إنفاذ للقانون أم رسالة لترامب؟

"أربع فرضيات تفسر أسباب عملية الاحتجاز وعلاقتها بالمفاوضات بين طهران وواشنطن"
في الخامس من فبراير/ شباط 2026، أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن الحرس الثوري أوقف سفينتين في الخليج وعلى متنهما أكثر من مليون لتر من الوقود "المهرب".
وأسفرت العملية عن توقيف خمسة عشر فردا من طواقم أجنبية، تمت إحالتهم لاحقا إلى السلطات القضائية الإيرانية.
وبالتزامن مع العملية، صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أن إيران ترغب في إبرام اتفاق مع الولايات المتحدة، وأن إدارته تجري مفاوضات "نشطة" معها حاليا.
معهد تحليل العلاقات الدولية الإيطالي، بدوره، يرى أن احتجاز سفينتين بتهمة تهريب الوقود قد يبدو خبرا ثانويا، لكنه يحدث في أكثر النقاط حساسية في تجارة الطاقة العالمية.
مضيفا: "هنا، حتى مكافحة التهريب تتحول إلى إشارة جيوسياسية".

رسالة إستراتيجية
واستهل المعهد الإيطالي حديثه قائلا: "عندما نتحدث عن الخليج ومضيق هرمز فنحن لا نتحدث فقط عن البحر، بل عن عنق زجاجة تتقاطع فيه التجارة العالمية مع الأمن العسكري وسياسة العقوبات".
وتابع: "تاريخيا، شهدت المنطقة مراحل من الاستقرار التشغيلي وأخرى من التوتر، حيث يبقى المرور البحري مفتوحا شكليا لكن الضغط يتزايد عبر عمليات تفتيش واعتراض وإشارات خطر واستعراض قدرات".
ووفقا له، "لا تكمن المشكلة في حجم تدفق الطاقة فحسب، بل في مدى هشاشة الخدمات اللوجستية عندما ينتقل التنافس بين الأطراف من المستوى الدبلوماسي إلى المستوى البحري".
في هذا السياق، أبرز المعهد "موضوع تهريب الوقود كقضية هيكلية، ففي إيران، كما ذكرت وكالة رويترز مرارا خلال السنوات الماضية، تؤدي الإعانات والأسعار الداخلية المنخفضة نسبيا إلى خلق حوافز اقتصادية لخروج المنتج بشكل غير قانوني نحو أسواق يكون فيها الوقود أكثر قيمة".
لذا، لا يُعد التهريب -من وجهة نظره- "جريمة فحسب، بل هو أيضا مؤشر على الضغوط الاقتصادية الداخلية، وفروقات الأسعار الإقليمية، وقدرة الدولة على السيطرة على الأراضي والسواحل والموانئ وشبكات الوسطاء".
بالعودة إلى الحادثة الأخيرة، أشار المعهد إلى أن "الإخلال بالوضع الراهن لا يكمن في وجود التهريب بحد ذاته -وهي ظاهرة معروفة- بل في التوقيت والسياق، فقد جاءت في نافذة زمنية عاد فيها أمن الملاحة في مضيق هرمز إلى دائرة المراقبة الدقيقة".
وأردف: "في الأيام الأولي من شهر فبراير/ شباط 2026، كما أوردت هيئة عمليات الملاحة البحرية البريطانية (UKMTO) ونقلت رويترز، وردت تقارير عن أنشطة مشبوهة وتفاعلات قريبة بين وحدات مسلحة تسليحا خفيفا وسفن عابرة في المنطقة".
في هذا السياق، يعتقد المعهد أنه "حتى عندما تبقى هذه الأحداث محدودة ودون تصعيد فوري، فإن تكرارها وقربها الزمني يؤثران على مستوى المخاطر المتصورة".
وتابع موضحا: "إذ يفكر قطاع الشحن من منظور التأمين والمسارات والإجراءات والتكاليف؛ بينما يفكر صناع السياسات من منظور الردع والمصداقية والحوادث المحتملة".
واستطرد: "ثمة أمر آخر: عملية مكافحة التهريب تجري بينما يستمر في الخلفية الصراع السياسي الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة وأطراف إقليمية حول ملفات أوسع، بما فيها العقوبات والأمن".
واسترسل: "في مثل هذه المراحل، تصبح أي خطوة في نقطة الاختناق بمثابة رسالة إستراتيجية، بغض النظر عن التصنيف الرسمي بأنها إنفاذ قانون".

أربع فرضيات
في ضوء ذلك، وضع المعهد الإيطالي أربع فرضيات تفسر أسباب عملية الاحتجاز الأخيرة، وعما إذا كان لها علاقة بالمفاوضات بين طهران وواشنطن.
وقال: "الفرضية الأولى ذات طبيعة اقتصادية داخلية، فإذا كانت طهران، تحاول الحد من الاستهلاك والتهريب عبر تعديلات وضوابط مرتبطة بالوقود، فإن عملية بارزة في البحر قد تعزز رواية القدرة على الإنفاذ، وتردع الشبكات الانتهازية، وتظهر أن تكلفة التهريب التشغيلية ترتفع".
من هذا المنظور، يقدر أن "الهدف ليس المواجهة بل إعادة التوازن لخسارة اقتصادية ولضبط داخلي".
أما الفرضية الثانية فتتعلق بـ"إدارة المنطقة الرمادية، ففي بيئات يتسع فيها الاقتصاد غير الرسمي، قد يعني استهداف مسارات أو مشغلين معينين إعادة ترتيب سلاسل الوساطة، ليس عبر القضاء الكامل على الظاهرة، بل من خلال تنظيمها أو إعادة تعريف من يحق له العمل وتحت أي شروط".
“وعليه، قد ينتج عن إنفاذ القانون البحري أثر انتقائي ينعكس على السلطة المحلية والعوائد والانضباط التشغيلي”. وفقا له.
وتابع المعهد: "الفرضية الثالثة، ذات بعد إستراتيجي خارجي، فاعتراض سفن بتهمة التهريب داخل ممر طاقة حساس يبعث بإشارة عن الجاهزية والحضور والقدرة على التدخل عند مستوى منخفض من العتبة، من دون الوصول إلى خطوة قصوى تضع حرية الملاحة موضع تشكيك رسمي".
وأردف: "إنها أداة ضغط قابلة للمعايرة، وقوية بما يكفي لتلفت الانتباه، ومضبوطة بما يسمح بالتراجع عنها".
وأخيرا، يرى المعهد أن "الفرضية الرابعة ذات طبيعة تفاوضية غير مباشرة، ففي مراحل التوتر أو التواصل الدبلوماسي، قد يسهم إظهار السيطرة على نقطة مفصلية في تعزيز الوزن النسبي على طاولة التفاوض، حتى من دون إعلان ذلك صراحة".
وأضاف: "ليس ضروريا أن يكون الإجراء موجها ضد طرف بعينه، بل يكفي أن يذكر بأن استقرار الممر الحيوي يرتبط أيضا بخيارات وتموضع الدولة الساحلية".
في أفضل الاحتمالات، يقدر المعهد أن "يبقى الحدث محصورا في إطار مكافحة التهريب وينتهي من دون أن يتطور إلى نزاع سياسي".
وتابع: "يمكن أن تسير الإجراءات القضائية بوتيرة سريعة نسبيا، ويُعالج وضع الطواقم الأجنبية عبر مسار إداري، فلا يتطور الأمر إلى قضية دبلوماسية أو مادة لتصعيد إعلامي أو ردود انتقامية".
ولفت إلى أن "العنصر الحاسم هنا هو غياب أي تفاصيل حساسة على المستوى الدولي، مثل أعلام السفن أو ملكيتها أو ارتباطها بجهات حكومية، والتي قد تحول واقعة إنفاذ القانون إلى خلاف جيوسياسي".
مضيفا أنه "في الوقت نفسه، تفضل الأطراف المعنية الحفاظ على انسياب حركة الملاحة، لأن أي ارتفاع هيكلي في مستوى المخاطر سيؤدي إلى تكاليف إضافية لجميع الفاعلين المعتمدين على التصدير والاستيراد وعوائد الطاقة".
ويرى المعهد أن "الانعكاسات في هذا السيناريو تبقى تقنية بالدرجة الأولى، مثل زيادة مؤقتة في اليقظة التشغيلية، وتحديث للإجراءات، وربما ارتفاع محدود في تكاليف التأمين، من دون أن يتغير بشكل دائم ملف المخاطر في مضيق هرمز". مؤكدا أن "الخبر يظل إشارة عابرة، لا نقطة تحول".
أما الإستراتيجيات الأكثر انسجاما مع هذا السيناريو فهي "الحذر الإجرائي والشفافية في الوثائق المتعلقة بالحمولة والمسار بالنسبة للفاعلين التجاريين".
أما على المستوى السياسي والدبلوماسي، فتتمثل -بحسب المعهد- في "إصدار بيانات رسمية محسوبة من جانب الحكومات، إلى جانب اتصالات غير معلنة بين الدول المعنية، لتوضيح أن القضية مرتبطة بإنفاذ القانون فقط، ومنع تضخيمها وتحويلها إلى مواجهة رمزية قد تدفع الأطراف إلى التشدد في مواقفها".

طابع سياسي
“في المقابل، وفي أسوأ الاحتمالات، قد تتخذ القضية طابعا سياسيا”. قال التقرير.
وتابع: حينها، يتحول توقيف السفينتين إلى سابقة تغذي سلسلة من الفعل ورد الفعل، من ضغوط قنصلية ومطالب علنية، إلى تبادل سرديات بين توصيف الواقعة على أنها احتجاز وبين وصفها كإجراء لمكافحة التهريب، مع تزايد صعوبة الفصل بين حفظ النظام البحري والمنافسة الإستراتيجية".
وأوضح أن "الفرضية المحورية في هذا المسار هي تداخل إنفاذ القانون مع منطق الردع، بحيث يصبح الخليج مسرحا تتراكم فيه حوادث توصف بالصغيرة، لكنها ترفع احتمال سوء التقدير".
ونوه إلى أن "تكرار التحذيرات، والاقتراب الميداني بين الوحدات، وسوء الفهم في الاتصالات اللاسلكية، واتخاذ أوضاع أكثر تشددا أو توترا؛ كلها عوامل قد تحول إدارة المخاطر إلى أزمة فعلية".
وبحسب تقديره، "لا تقتصر الآثار هنا على البعد المعنوي أو السمعة، إذ قد ترتفع أقساط التأمين بصورة ملموسة، وتطول أزمنة العبور بدافع الحذر، ويزداد الطلب على المرافقة أو الحضور البحري، كما تتعاظم تقلبات المخاطر المتصورة على امتداد سلسلة إمداد الطاقة.
واستطرد: "وحتى من دون تعطيل فعلي للملاحة، تتحول الاحتكاكات إلى كلفة اقتصادية شبه دائمة".
ولتفادي انزلاق حادث عرضي إلى أزمة، أوصي المعهد بـ"تعزير آليات منع الاحتكاك وسرعة التواصل التشغيلي بين القوات البحرية ومراكز أمن الملاحة، إضافة إلى تنسيق أوثق بين دول الأعلام والمشغلين".
وبالتوازي، أكد أن "المسار السياسي يحتاج إلى صمامات أمان دبلوماسية تحول دون تحول كل واقعة إلى استفتاء على مصداقية الأطراف".
في المحصلة، يعتقد المعهد أن "توقيف السفينتين، يمثل توازنا دقيقا بين جانبين، فمن جهة، هو إجراء لإنفاذ القانون مرتبط بظاهرة اقتصادية قائمة هي تهريب الوقود".
"ومن جهة أخرى، وقع الحدث في أكثر منطقة حساسة للطاقة عالميا؛ حيث يميل كل تحرك إلى أن يقرأ أيضا بمنظار إستراتيجي".
وأردف: "الجيوسياسية في هذا السياق لا تتحدد فقط بما يحدث، بل بكيفية تفسيره ومدى تكراره خلال فترة زمنية قصيرة".














