عبر تفاهمات مع أميركا.. كيف "ترسخ" قطر حضورها في غزة بعد الإبادة؟

منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

الدوحة تُحوّل أدوات الوساطة وإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية والتعليم والإعلام إلى نفوذ مستدام، بدعم أميركي، بحسب معهد القدس للإستراتيجية والأمن (JISS) الإسرائيلي.

وقال المعهد في تقرير تحريضي : إن "قطر منذ أن بدأت بالتدخل في قطاع غزة عقب وصول (حركة المقاومة الإسلامية) حماس إلى السلطة، بذلت جهودا حثيثة لإخفاء حجم دعمها الواسع للحركة، سعيا منها للحد من الانتقادات الدولية الموجهة إليها".

وأشار المعهد، في تقريره الذي جاء بقلم الباحثَين "أرييل أدموني"، و"بنينا شوكر"، إلى أنه "من المفارقات أن هجوم 7 أكتوبر (عملية طوفان الأقصى)، وما تلاه من حرب على القطاع، خدم طموح قطر في تعزيز نفوذها الإقليمي".

نفوذ غير مسبوق

وبصفتها الراعي غير الرسمي لحماس، عدت الدوحة الجهة الوحيدة القادرة على إبرام صفقات لإعادة الرهائن الإسرائيليين، وفق مزاعم المعهد الإسرائيلي.

وتابع: "عمليا، منحت إدارة جو بايدن قدرا من الشرعية السياسية للتدخل القطري، وتعزز هذا التوجه بعد عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، حيث كان مستعدا لمنح الدوحة دورا محوريا في التوصل إلى اتفاق أدى إلى إطلاق سراح جميع الأسرى الإسرائيليين، ويستهدف نزع سلاح حماس".

وتعكس العلاقات الأميركية–القطرية الراهنة نفوذا غير متناسب وغير مسبوق تتمتع به الإمارة الصغيرة الثرية، رغم سلوكها ومسؤوليتها غير المباشرة عن أحداث السابع من أكتوبر، بحسب تقييم المعهد العبري.

وأفاد بأنه "منذ نشر خطة ترامب لنشر قوة متعددة الجنسيات في غزة، تصاعدت المخاوف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إزاء احتمال وجود عسكري تركي وقطري".

لكنه يرى أنه، ورغم الثقة بأن انخراط قطر في قطاع غزة مع انطلاق المرحلة الثانية سيكون عميقا ومتعدد الأبعاد، فإنه على الأرجح لن يتجسد في وجود عسكري مباشر على الأرض، بل عبر نشاط يجري من خلال عدة قنوات متوازية ومتداخلة.

وأشار التقرير إلى أن الهيمنة القطرية التي تتموضع ضمن رؤية ترامب لما بعد الحرب تعتمد على المجال السياسي والدبلوماسي، وجهود إعادة الإعمار، وقطاع الأعمال، والمجال الإداري، والمساعدات الإنسانية، والتعليم، والنشاط الإعلامي.

ففي المجال السياسي، اعتمدت إسرائيل في أعقاب 7 أكتوبر على الوساطة القطرية في جهودها لتأمين إطلاق سراح أسراها. وقد رأت قطر في الحرب فرصة سانحة لاستخدام كامل نفوذها في الساحة الدبلوماسية، وهو ما تم بالفعل.

كما اعتمدت مصر اعتمادا كبيرا على قطر خلال تلك الفترة، سواء في الاستثمار السياحي أو في الغاز، مما جعل القاهرة في حاجة ماسة إلى الدعم القطري، بحسب التقرير.

فقد أسهم هذا الاعتماد في خلق ديناميكية قادت فيها قطر المفاوضات، بموافقة ضمنية من القاهرة على الأقل.

وبناءً على ذلك، يرى المعهد أن هذا النمط من السلوك من المرجح أن يستمر في المرحلة الثانية، مع ضرورة النظر إلى مشاركة قطر بما يتجاوز دورها الضيق كوسيط.

وأضاف: "استغلت الدوحة علاقاتها الدبلوماسية لمناقشة التطورات في قطاع غزة والضفة الغربية مع كل من الاتحاد الأوروبي وإيران. وفي هذا السياق، لعبت قطر دور الوسيط بين الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، مما سهّل تبادل الرسائل والإحاطات وتنسيق المواقف".

وأوضح أنه "رغم المخاوف التي يثيرها هذا من وجهة نظر إسرائيلية، فقد اعتمدت إدارة ترامب بشكل كبير على قطر".

وتداولت مصادر إسرائيلية أخيرا مزاعم بأن المبعوث الأميركي، ستيف ويتكوف، أدى عمليا دور جماعة ضغط قطرية، فيما انتقد جاريد كوشنر، صهر ترامب، خلال مشاركته في دافوس، الحملة الإسرائيلية ضد قطر وتركيا، ودعا إلى منح المرحلة الثانية الوقت الكافي لكي "تنجح".

وبحسب التقرير، لا تزال إدارة ترامب تنظر إلى قطر كفاعل محوري يُعتمد عليه، رغم تحفظات إسرائيل. وقد تجلى هذا النهج أيضا في تعيين "علي الذوادي" في المجلس التنفيذي لغزة (مجلس السلام).

وكثيرا ما يُوصف الذوادي بأنه "رجل قطر للمهام الخاصة"، فهو شخصية تجمع بين القدرات التجارية، والمهارات السياسية والدبلوماسية. ويُعدّ حضوره مكالمة الاعتذار بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ورئيس وزراء قطر في سبتمبر/أيلول 2025 مؤشرا آخر على مكانته، وفق تقييم المعهد.

شريان حياة 

وفيما يخص إعادة الإعمار، فمنذ المرحلة الأولى، أشارت التقارير إلى نشاط ميداني نُشرت فيه جرافات وجرارات تحمل الأعلام القطرية، بالتنسيق بين الهيئات البلدية المحلية وحماس، لإزالة الأنقاض والحطام الناجم عن الغارات الإسرائيلية.

وهذا ليس نمطا جديدا -وفق تأكيد المعهد- فبعد جولات الحرب السابقة في غزة، سارعت قطر إلى إعادة بناء البنية التحتية، ورصف الطرق، وإنشاء مرافق حكومية، كجزء من سياسة ثابتة لتقديم المساعدة للغزّيين، وفي الواقع لحماس نفسها.

ويرجح المعهد أن تتصرف قطر بالطريقة نفسها مجددا، مستغلةً الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية لتعزيز نفوذها على الأرض.

أما المساعدات الإنسانية، فعلى مدى العقدين الماضيين، لعبت قطر دورا محوريا كشريان الحياة الاقتصادي لغزة، حيث مولت مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، وقدمت مساعدات مباشرة للسكان.

وتشير التقديرات إلى أن قطر خصصت ما يقارب 1.49 مليار دولار لغزة بين عامي 2012 و2021، لتغطية احتياجات الغذاء والدواء والكهرباء والخدمات الأساسية.

ويعتقد المعهد أن الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب الأخيرة يخلق ظروفا مواتية لعودة مشاركة قطرية في إعادة الإعمار، وفي الوقت نفسه، لإعادة تأهيل حماس كمركز القوة الاجتماعية والسياسية الرئيس في القطاع، سواء نُزع سلاحها أم لا.

في هذا السياق، أشار المعهد إلى أنه، خلافا للرواية التي تروج لها قطر، لم تكن جميع الأموال التي حُولت من الدوحة إلى غزة قد حظيت بموافقة إسرائيلية.

ورصد المعهد امتداد النشاط القطري إلى القطاع التعليمي في غزة، حيث لم يقتصر على إعادة بناء الجامعة الإسلامية، بل كان حاضرا بالفعل خلال فترة القتال.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك مبادرة "الفاخورة" التابعة لمؤسسة "التعليم فوق الجميع" التي تترأسها والدة الأمير، والتي رُبطت مباشرة بحركة حماس بعد نشرها نعيا علنيا للزعيم السابق للحركة، يحيى السنوار، على وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي المجال الإعلامي، لم يقتصر انخراط قطر الإعلامي على وجود قناة "الجزيرة" في قطاع غزة أو علاقاتها الوثيقة مع شخصيات مرتبطة بحماس، كما تجلى خلال الحرب من خلال صحفيين مثل إسماعيل الغول وأنس الشريف.

فقد نشطت أيضا وسائل إعلام أخرى تابعة لقطر، بما في ذلك "العربي" و"العربي الجديد"، حيث أنتجت مقابلات وتقارير حصرية وتقارير ميدانية بالتنسيق مع مصادر في كل من مصر وغزة، وفق التقرير.

وأوضح أن "هذا النشاط لا يقتصر على حماس وحدها، بل يمتد ليشمل السلطة الفلسطينية، بما في ذلك التواصل مع شخصيات في هيئات الحكم الفلسطينية التي حافظت على علاقاتها مع جهات قطرية رسمية طوال فترة الحرب".

إستراتيجية طويلة  

وعلى هذا، يرى المعهد أن "من الواضح أن قطر لا تنوي العمل في غزة من خلال حماس فقط، بل تسعى إلى تطوير علاقات موازية مع السلطة الفلسطينية كجزء من إطار إقليمي ناشئ، مع الحفاظ على موطئ قدم لحماس داخل هذا النظام".

كما تتضمن المقاربة التي اعتمدتها الدوحة المسار الإنساني، من خلال إشراك شخصيات اقتصادية إقليمية، أبرزهم رجل الأعمال المصري إبراهيم العرجاني، الذي نسّق مع قطر لإقامة مخيمات داخل القطاع، عبر تواصل مباشر مع الأطراف الفاعلة ميدانيا، بما في ذلك السلطة الفلسطينية وحماس.

وإجمالا، أشار المعهد إلى أن "هذه العناصر مجتمعةً توضح موقف قطر من غزة: شراكة جزئية مع الولايات المتحدة؛ والحفاظ على قنوات النفوذ تجاه حماس، إلى جانب الجهود المبذولة لدعمها كفاعل اجتماعي وسياسي رئيس".

"هذا فضلا عن تعزيز العلاقات مع السلطة الفلسطينية كجهة يمكن تقديمها على أنها تتحمل المسؤولية الرسمية عن القطاع؛ وعلاقة وثيقة مع القاهرة، بما في ذلك بُعد من التبعية الاقتصادية المصرية؛ وإلى جانب كل ذلك، قنوات تنسيق غير رسمية مع إسرائيل، تخضع في المقام الأول للإشراف الأميركي".

ويرجح المعهد أن تسعى قطر إلى إعادة بناء قوة حماس من خلال قنوات اقتصادية مرتبطة بإعادة الإعمار والإعمار، فضلا عن مشاريع تعليمية وثقافية وحكومية.

كما يرى أن هذا الجهد لن يعتمد على الوسائل العسكرية، بل على تطوير بنى تحتية مؤسسية واقتصادية وسياسية تُمهّد الطريق لاستعادة مكانة الحركة على المديين المتوسط ​​والطويل.

واختتم المعهد بالقول إن قطر تعتمد هذا النهج دعما منها لمطالب الفلسطينيين، ومساندة لطرح حماس بوصفها ممثلة للإخوان في النظام الفلسطيني، ولما يتيحه ذلك من تعزيز لمكانة الدوحة لدى الولايات المتحدة وعلى الساحة الدولية.