بنغلاديش بين شرعية الصندوق وسلطة الدستور.. أزمة ميثاق يوليو تفجّر البرلمان

البرلمان البنغلاديشي المنتخب في 13 فبراير/شباط 2026
كاد البرلمان البنغلاديشي المنتخب في 13 فبراير/شباط 2026، والذي تشكّل عقب ثورة شعبية أطاحت برئيسة الوزراء السابقة حسينة واجد، أن يواجه أزمة مؤسسية حادة بعد أربعة أيام فقط من انعقاده.
وتمثلت الأزمة في امتناع نواب الحزب الوطني البنغلاديشي، الحائز على الأغلبية البرلمانية، عن أداء اليمين بوصفهم أعضاء في لجنة إصلاح الدستور المنبثقة عن توافقات يوليو/تموز 2024، مكتفين بأداء اليمين الدستورية بصفتهم أعضاء في البرلمان.
في المقابل، أدى نواب المعارضة المنتخبون، وعددهم 77 نائبًا، المنتمون إلى تحالف يضم أحد عشر حزبًا بقيادة الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، إضافة إلى عدد من النواب المستقلين، اليمين الدستورية كأعضاء في البرلمان، كما أدوا القسم بصفتهم أعضاء في لجنة إصلاح الدستور المنصوص عليها ضمن حزمة الإصلاحات المتوافق عليها عقب الثورة.
وبرر نواب الحزب الوطني البنغلاديشي الذين يشغلون 212 مقعدًا من أصل 300، موقفهم بالاكتفاء بالقسم البرلماني دون الالتزام بعضوية لجنة الإصلاح الدستوري، وهو ما عُدَّ تراجعًا عمليًا عن تنفيذ التوافقات الدستورية السابقة.
وردّ نائب أمير الجماعة الإسلامية في بنغلاديش، عبد الله محمد طاهر، بالتأكيد على أن استمرار هذا الموقف من شأنه تعطيل عمل البرلمان، معلنًا في مرحلة أولى امتناع كتلته عن أداء اليمين البرلمانية احتجاجًا على رفض الحزب الحاكم الالتزام بالإصلاحات الدستورية.
غير أن الحزب الإسلامي عاد وقرر المشاركة وأداء القسم، مع التأكيد على أن برلمانًا لا يلتزم بتنفيذ الإصلاح الدستوري يفقد مبرراته السياسية، وهو ما أبقى الأزمة قائمة من الناحيتين الدستورية والسياسية.

قصة الخلاف
تضمّنت الانتخابات البرلمانية تصويتًا على ورقة ثانية تتعلق بوثيقة ميثاق الإصلاحات الدستورية، والتي حظيت بموافقة أكثر من 60 بالمئة من الناخبين، ما منحها صفة الإلزام والدخول حيّز التنفيذ.
وبموجب هذه الموافقة الشعبية، جرى إنشاء "مجلس إصلاح الدستور"، إلى جانب اعتماد قرارات مُلزمة للحكومة، من بينها: عدم تمديد فترات ولاية رئيس الوزراء، ومنح رئيس الدولة صلاحيات أوسع، وتعزيز استقلالية القضاء.
وجاء رفض نواب الحزب الوطني البنغلاديشي أداء اليمين الثانية أمام مجلس إصلاح الدستور، واكتفاؤهم بالقسم بصفة أعضاء في البرلمان، ليطرح تساؤلات بشأن موقفهم من أحد أبرز بنود الإصلاح الذي أقرته حكومة محمد يونس المؤقتة عقب الاستفتاء، وما إذا كان ذلك رفضًا سياسيًا أم يستند إلى تفسير قانوني مختلف.
وكاد رفض الجماعة الإسلامية في بنغلاديش أداء نوابها اليمين البرلمانية، ما لم يؤدِّ أعضاء الحزب الوطني القسمين معًا، أن يؤدي إلى بطلان البرلمان الجديد أو حتى حله قبل بدء عمله.
غير أن الجماعة الإسلامية قررت في النهاية أداء القسمين معًا، مؤكدة أن وجود برلمان فاعل أولوية سياسية، لكنها حذّرت من أن استمرار رفض الحزب الحاكم الالتزام بنتائج الاستفتاء قد يقود إلى أزمة سياسية ودستورية.
وبموجب نتائج الاستفتاء، أصبح طارق رحمن، رئيس الحزب الفائز بالأغلبية، مسؤولًا عن تنفيذ "ميثاق يوليو الوطني"، الذي يتضمن أكثر من 80 إصلاحًا لنظام الحكم، من بينها لجنة إصلاح الدستور التي رفض نواب حزبه أداء القسم الخاص بها.
وكانت لجنة إصلاح الدستور قد تأسست عقب الانتفاضة الطلابية وانهيار الحكم السابق، بهدف إعادة تشكيل الإطار الدستوري بما يضمن الديمقراطية والشفافية. وفي يوليو/تموز 2025، اقترحت اللجنة إنشاء "المجلس الدستوري الوطني" لتحقيق فصل السلطات، واعتماد نظام برلمان ثنائي الغرفة، والحد من صلاحيات رئيس الوزراء، مع التخطيط لطرح هذه الإصلاحات في استفتاء شعبي.
من جانبه، عبّر زعيم المعارضة ورئيس الجماعة الإسلامية البنغلاديشية، شفيق الرحمن، عن خيبة أمله من قرار الحكومة الجديدة عدم الالتزام بميثاق يوليو، قائلاً في بيان بتاريخ 17 فبراير/شباط 2026: "لا نفهم هذا القرار، فقد سبق لهم التوقيع على الميثاق وحشد الأصوات لصالحه"، داعيا إلى الاتساق بين الأقوال والأفعال والوفاء بالتعهدات السابقة.
ورغم ذلك، أكد أن حزبه قرر أداء القسم وتولي مقاعده في البرلمان "التزامًا بالأمانة في دفع الإصلاحات الديمقراطية"، داعيًا إلى إعادة تأكيد الوعود التي قامت عليها ثورة يوليو.
وفي السياق ذاته، حذّر الكاتب المتخصص في شؤون بنغلاديش ديفيد بيرغمان من مخاطر رفض الحزب الوطني أداء القسم المرتبط بوثيقة الإصلاح الدستوري، ويرى أن الحزب "يلعب بالنار ما لم يوضح بوضوح نواياه بشأن تنفيذ إصلاحات ميثاق يوليو".
وأوضح أن الناخبين صوّتوا لصالح حزمة تغييرات دستورية، وأن تراجع الحزب الوطني عنها أو إضعافها قد يعرّضه لعواقب سياسية مبكرة خلال ولايته.
وأشار إلى أن الحزب الوطني يستند إلى مبررات قانونية لرفض أداء القسم، من بينها أن الدستور الحالي لا يتضمن نصًا صريحًا حول هذا القسم أو حول إنشاء مجلس إصلاح دستوري من الأساس.

إصلاحات يوليو
عقب "ثورة يوليو 2024" التي أطاحت بالحكومة السابقة، رأت القوى السياسية الجديدة أن الدستور القائم يحتاج إلى تعديلات جذرية، بهدف منع تكرار العنف السياسي وتعزيز الاستقرار المؤسسي.
وبعد سقوط حكم رئيسة الوزراء السابقة حسينة واجد، باشرت السلطات الانتقالية، بإشراف المفكر الاقتصادي محمد يونس، إعداد حزمة واسعة من الإصلاحات السياسية ضمن ما عُرف بـ"ميثاق يوليو الوطني 2025".
وجرى إعداد التوصيات وعرضها على استفتاء شعبي تزامن مع الانتخابات التشريعية، بهدف تعزيز الشرعية الشعبية للإصلاحات الدستورية الجديدة.
وكان الهدف المعلن، وفق ما ذكرت صحيفة ديلي ستار في 18 فبراير/شباط 2026، تنفيذ إصلاحات دستورية شاملة تضمن انتخابات نزيهة، واستقلال القضاء، ووضع ضوابط على السلطة التنفيذية، إلى جانب تعديلات أخرى تمهيدًا للعودة إلى الحكم المدني الكامل.
وشمل ميثاق يوليو إصلاحات تتعلق بالنظام الدستوري، واعتماد مبدأ الاستفتاء الشعبي على التعديلات الكبرى، وإعادة تحديد صلاحيات المؤسسات، إضافة إلى طرح صيغ انتخابية جديدة.
ومن أبرز المؤسسات التي نصت عليها الإصلاحات:
لجنة الإصلاح الدستوري (CRC): أُعلنت في 11 سبتمبر/أيلول 2024 لمراجعة الدستور وتقييمه، برئاسة الأكاديمي البنغلاديشي الأميركي علي رياض، وتضم خبراء قانونيين وممثلين عن الطلاب، بهدف تقديم توصيات شاملة لإصلاح النظام الدستوري.
المجلس الدستوري الوطني: مؤسسة مقترحة ضمن الإصلاحات، تهدف إلى ضمان التوازن بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وتعزيز الرقابة على الهيئات الدستورية.
أما أبرز توصيات ميثاق يوليو الوطني فشملت: التحول نحو نظام برلماني أكثر توازنًا، ومناقشة تحويل البرلمان إلى نظام ثنائي الغرفة، وفرض قيود على مدة ولاية رئيس الوزراء وإنشاء آليات رقابية لمنع الاستبداد.
كما تضمنت تعزيز الحقوق الأساسية، مثل الحق في الغذاء والسكن والإنترنت، واستبدال بعض المبادئ التوجيهية القائمة بمبادئ تقوم على المساواة والكرامة الإنسانية.

نقاط محورية
رحّبت كل من الجماعة الإسلامية في بنغلاديش وحزب "المواطن الوطني"، الذي أسّسه الطلاب الذين قادوا ثورة سبتمبر/أيلول 2025، بإصلاحات ميثاق يوليو، إلا أن الخلاف مع الحزب الوطني البنغلاديشي تصاعد حول ثلاث نقاط محورية.
أولى نقاط الخلاف تمثلت في الاستفتاء والمرجعية القانونية للميثاق؛ إذ أصرت الجماعة الإسلامية على إجراء استفتاء شعبي بشأن الإصلاحات الدستورية قبل الانتخابات الوطنية، وترى أن التعديلات يجب أن تُقرّ مباشرة من الشعب، وهو ما رفضه الحزب الوطني.
أما النقطة الثانية فتمثلت في قضية “المجلس الدستوري الوطني” التي أيدتها الجماعة الإسلامية والطلاب، بينما رفض الحزب الوطني تشكيل مجلس دستوري مستقل يتولى اختيار أو تعيين مفوضي المؤسسات الرقابية. وبرّر موقفه بأن مثل هذه التعديلات تتجاوز صلاحيات المرحلة الانتقالية، وأن أي تغيير دستوري ينبغي أن يتم عبر البرلمان المنتخب بعد الانتخابات، لا قبلها.
وشكّل هذا الخلاف حول طبيعة وآلية المجلس الدستوري أحد أبرز مصادر التوتر بين الطرفين.
أما النقطة الثالثة فتمثلت في اختلاف الرؤى بشأن الشكل الدستوري للدولة والمبادئ الأساسية الحاكمة لها. فقد سعت الجماعة الإسلامية إلى إدراج صيغ تعبّر بصورة أكبر عن الهوية الإسلامية، في حين فضّل الحزب الوطني اعتماد صياغات أقرب إلى الإرث السياسي التقليدي للدولة البنغلاديشية.
وأدى التباين حول مفاهيم مثل "الليبرالية" و"التعددية" إلى انقسامات داخل لجنة التوافق الوطني، رغم استمرار الحوار بين الأطراف.
وعلى الرغم من موافقة الحزب الوطني على المشاركة في مسار الإصلاح، فإنه رفض أن يصبح الميثاق فوق الدستور الحالي أو أن يُلغى حق الطعن القضائي أمام المحاكم. كما اعترض على بعض البنود، مثل تحديد مدد ولاية الرئيس أو الحكومة التنفيذية، مقدمًا بدائل خاصة به، ومؤكدًا أنه وقّع الميثاق مع تسجيل اعتراضات رسمية على بعض بنوده.
وأدى استمرار الخلاف إلى تأجيل الحسم في عدة مواد حتى نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025 بسبب غياب التوافق السياسي.
وفي هذا السياق، كتب شاديك كايم، أحد قيادات الثورة الطلابية، عبر منصة "إكس"، أن الحكومة الانتقالية تولت السلطة استنادًا إلى ثلاثة محاور رئيسة: الإصلاح، والعدالة، والانتخابات. وأوضح أنه بعد مناقشات مطولة تم إعداد ميثاق يوليو، ثم إصدار أمر تنفيذ الميثاق لعام 2025، قبل أن يصوّت الشعب لصالح الإصلاحات في الاستفتاء الشعبي.
وأضاف أن المادة الثامنة من أمر التنفيذ تنص على أداء اليمين الدستورية لمجلس الإصلاح بالتزامن مع القسم البرلماني، متهمًا الحزب الوطني بتجاهل الإرادة الشعبية وعدم الالتزام بذلك. كما دعا الحزب إلى احترام نتائج الاستفتاء، محذرًا من أن استمرار الرفض قد يقود إلى أزمة دستورية جديدة ويثير تساؤلات حول شرعية العملية السياسية بأكملها.
في المقابل، تبنّت مجلة ذا ديبلومات في تحليل نُشر بتاريخ 9 فبراير/شباط 2026 وجهة نظر الحزب الوطني، وترى أن الاستفتاء المقترح على ميثاق الإصلاح قد يضع الإطار الدستوري للبلاد تحت ضغط شديد، بسبب تعارضه مع بعض المواد الدستورية القائمة وآليات التعديل الرسمية. وتساءلت المجلة عن الجهة التي تمتلك فعليًا صلاحية "إعادة تأسيس" النظام الدستوري الجديد ولصالح من يتم ذلك.
وبموجب أمر تنفيذ الميثاق الصادر في يوليو/تموز 2025، فإن التصويت بـ"نعم" كان سيحوّل البرلمان الثالث عشر إلى مجلس إصلاح دستوري لمدة 180 يوم عمل، وهو ما أثار جدلًا حول طبيعة المجلس وصلاحياته ومدى دستوريته.
وقد أدى هذا التباين السياسي والقانوني، مع بداية عمل البرلمان، إلى أجواء متوترة خلال الجلسات الافتتاحية، خصوصًا في ما يتعلق بأداء اليمين المرتبط بعضوية مجلس الإصلاح الدستوري. وطرح ذلك تساؤلات دستورية حول ما إذا كان أداء هذا القسم إلزاميًا قبل إدماج المجلس رسميًا ضمن النظام الدستوري.
ورغم أن البرلمان لم ينهَر ولم تتوقف أعماله، فإن الخلاف حول آلية تنفيذ إصلاحات ميثاق يوليو ما زال قائمًا، وقد يتحول لاحقًا إلى مواجهة سياسية أو قانونية، وربما يُحال إلى القضاء للفصل في تفسيره الدستوري، مع بقاء احتمال تصاعد الأزمة إذا تفاقمت الخلافات بين القوى السياسية.














