معسكر بني شنقول.. كيف أصبح منصة إسناد إماراتية ـ إثيوبية لمليشيا الدعم السريع؟

جرى رصد شاحنات تحمل شعار شركة "جوريكا جروب" الإماراتية تمر عبر بلدة أصوصا
لم يعد النزاع في السودان مجرد حرب أهلية اندلعت عقب صراع على السلطة في الخرطوم، بل تحوّل تدريجيا إلى ساحة اشتباك إقليمي مفتوح، تتداخل فيها خطوط الإمداد العسكرية مع التحالفات السياسية، وتتشابك فيها الجغرافيا مع الحسابات الإستراتيجية.
فما كشفته وكالة رويترز في 10 فبراير/شباط 2026 حول وجود معسكر سري غرب إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين لصالح مليشيا الدعم السريع، بتمويل إماراتي ودعم لوجستي وعسكري، لم يكن مجرد تفصيل أمني عابر، بل مثّل لحظة فاصلة تشير إلى انتقال الحرب نحو مرحلة جديدة تُدار فيها العمليات خارج الحدود السودانية.

في هذه اللحظة، لم يعد إقليم بني شنقول مجرد منطقة نائية على أطراف الهضبة الإثيوبية، بل تحوّل إلى عقدة عسكرية محتملة داخل معادلة إقليمية معقدة، تمتد من ملف سد النهضة إلى النيل الأزرق، ومن أبوظبي إلى أديس أبابا.
ويقع المعسكر، بحسب المعطيات، في منطقة مينغي بإقليم بني شنقول قمز، على بعد نحو 32 كيلومترا من الحدود السودانية، وقرابة 101 كيلومتر من سد النهضة الإثيوبي الكبير.
ولم يكن اختيار هذا الموقع اعتباطيا، فالإقليم يمثل نقطة تماس جغرافية بين السودان وجنوب السودان وإثيوبيا، كما يقع على مقربة من ولاية النيل الأزرق التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى جبهة قتال متصاعدة.
ويمنح هذا التموضع أي قوة تتمركز هناك قدرة على الانتقال السريع إلى مسرح العمليات داخل السودان، كما يضع المعسكر ضمن توازن أمني حساس يرتبط بشكل غير مباشر بحماية سد النهضة، أحد أكثر الملفات تعقيدا في شرق إفريقيا.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن أعمال إنشاء الموقع بدأت في أبريل/نيسان 2025، عبر إزالة مساحات من الغابات وبناء هياكل معدنية. غير أن النشاط تسارع بشكل واضح خلال النصف الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، مع توسع ملحوظ في مساحة المخيم ووصول قوافل من المركبات.
وأظهرت صور أقمار صناعية التُقطت في 24 نوفمبر/تشرين الثاني أكثر من 640 خيمة شبه مربعة، بما يسمح باستيعاب ما لا يقل عن 2500 شخص في مرحلة أولى. لكن برقية دبلوماسية مؤرخة في الشهر ذاته تحدثت عن قدرة استيعابية قد تصل إلى عشرة آلاف مقاتل، وهو رقم يعكس – وفق تقديرات مراقبين – طموحا يتجاوز فكرة معسكر تدريب محدود، ويفتح الباب أمام احتمالات تصعيد إقليمي أوسع.

التمويل الإماراتي
تكشف المعطيات المتداولة أن المعسكر شهد توسعا لافتا خلال الأشهر الأخيرة؛ إذ تشير مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة أمنية إثيوبية إلى أن نحو 4300 مقاتل كانوا يخضعون للتدريب في الموقع حتى أوائل يناير/كانون الثاني 2026.
وتفيد المعلومات بأن الإمدادات اللوجستية والعسكرية الخاصة بالمعسكر كانت تُوفَّر بتمويل إماراتي، مع وجود مدربين عسكريين ضمن البنية التشغيلية للموقع، ما يعكس مستوى متقدما من التنظيم والدعم.
وفي منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، رُصدت قافلتان كبيرتان تتجهان نحو المعسكر عبر طرق ترابية في المنطقة الغربية؛ ضمت الأولى 56 شاحنة تحمل كل منها ما بين 50 و60 مقاتلا، بينما ضمت الثانية، التي وصلت بعد يومين فقط، نحو 70 شاحنة، في مشهد يعكس تعبئة منظمة يصعب فصلها عن قرار سياسي وأمني على مستوى عال.
وتعكس التركيبة البشرية للمتدربين بعدا إقليميا واضحا، إذ لم يقتصر التجنيد على السودانيين، بل شمل إثيوبيين وعناصر من جنوب السودان، إضافة إلى مواطنين سودانيين، بينهم أفراد يُعتقد بارتباطهم بالحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال، الناشطة في ولاية النيل الأزرق، رغم نفي قيادي في الحركة وجود مليشيا لها داخل الأراضي الإثيوبية.
ويُظهر هذا التنوع توجها نحو تشكيل قوة مرنة يمكن تحريكها بين جبهات مختلفة داخل السودان، بما يعزز قدرة مليشيا الدعم السريع على تعويض خسائرها وإعادة التموضع الميداني.
على مستوى الإدارة، تفيد المعلومات بأن الجنرال جيتاتشو جودينا، رئيس إدارة الاستخبارات الدفاعية في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، اضطلع بدور محوري في إنشاء المعسكر، وهو ما أكده مسؤولون حكوميون ودبلوماسيون، الأمر الذي يضع المشروع ضمن إطار قرار مؤسسي صادر من صلب المؤسسة العسكرية الإثيوبية، وليس مجرد مبادرة محلية هامشية.
أما الدور الإماراتي فيظهر على أكثر من مستوى؛ فإلى جانب التمويل وتوفير المدربين، رُصدت شاحنات تحمل شعار شركة “جوريكا جروب” الإماراتية وهي تمر عبر بلدة أصوصا باتجاه الموقع خلال أكتوبر/تشرين الأول 2025، في مؤشر على وجود شبكة لوجستية مرتبطة بأبوظبي في محيط المعسكر.
غير أن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى مطار أصوصا، الواقع على بعد نحو 53 كيلومترا من الموقع. فمنذ أغسطس/آب 2025، شهد المطار أعمال توسعة شملت إنشاء حظيرة جديدة ومناطق إسفلتية قرب المدرج، إضافة إلى بنية تحتية لمحطة تحكم أرضية لطائرات مسيّرة وهوائي أقمار صناعية.
وتعكس هذه الإضافات تحولا في طبيعة المطار، من منشأة إقليمية محدودة إلى منصة محتملة للعمليات الجوية والاستطلاع. وبحسب مصادر حكومية وعسكرية تحدثت لوكالة رويترز، فإن هناك خطة لتحويل المطار إلى مركز عمليات للطائرات المسيّرة ضمن إستراتيجية أوسع لتعزيز الانتشار الجوي على الجبهة الغربية.
في المقابل، يرى محللون أمنيون أن تطوير المطار قد يرتبط أيضا بتزايد وجود مليشيا الدعم السريع في المنطقة، ما يجعله نقطة إسناد لوجستي عابرة للحدود، خاصة مع تقارير تشير إلى أن أعمال التوسعة جرى تمويلها بدعم إماراتي في إطار شراكة دفاعية أوسع.

شراكة قديمة
لا تبدو الشراكة بين إثيوبيا والإمارات العربية المتحدة وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات سابقة شهدت تقاربا متصاعدا على المستويين الاقتصادي والعسكري. ففي عام 2018، وبعد وصول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى السلطة، تعهدت أبوظبي بتقديم ثلاثة مليارات دولار على شكل مساعدات واستثمارات، بينها مليار دولار لدعم البنك المركزي الإثيوبي، في خطوة عكست رغبة واضحة في ترسيخ نفوذ اقتصادي وإستراتيجي داخل البلاد.
وفي عام 2025، وقّعت القوات الجوية للبلدين مذكرة تفاهم لتطوير القدرات الجوية والدفاعية، ما أضفى طابعا مؤسسيا على التعاون العسكري بينهما. ومن هنا يبرز التساؤل اليوم حول ما إذا كانت هذه الشراكة قد انتقلت من حدود الدعم الاقتصادي والإستراتيجي إلى مستوى إدارة عمليات ميدانية مرتبطة بنزاع إقليمي مفتوح.
ويزداد هذا السؤال حضورا في ظل سوابق إماراتية في الساحة السودانية، إذ سبق أن اتُّهمت أبوظبي بدعم الجانب الإثيوبي خلال التوترات المرتبطة بمنطقة الفشقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، وهي أزمة تركت أثرا عميقا في الوعي السياسي السوداني.
ففي مايو/أيار 2021، كُشف عن مبادرة إماراتية أثارت جدلا واسعا في السودان، نصت – وفق ما تداولته تقارير آنذاك – على انسحاب الجيش السوداني إلى خطوط ما قبل نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وتقسيم أراضي الفشقة بنسبة 40 بالمئة للسودان، و40 بالمئة للإمارات عبر شركات استثمارية، و20 بالمئة للمزارعين الإثيوبيين، ضمن مشروع استثماري مشترك في المنطقة الحدودية.
وقد قوبلت المبادرة برفض واسع داخل السودان، سواء على المستوى الشعبي أو السياسي. وانتقدها حينها عضو مجلس السيادة الانتقالي مالك عقار، ويرى أن دولة “تقع خلف البحار” لا يمكن أن تقرر مصير أراضٍ سودانية، واصفا المبادرة خلال ندوة في الخرطوم بأنها “سخيفة”.
كما أصدر حزب الأمة القومي بيانا أكد فيه أن الشعب السوداني قادر على استثمار أراضيه بموارده الذاتية، دون الحاجة إلى التنازل عن أي جزء منها.
وفي نظر كثير من السودانيين، فإن التطورات الحالية تبدو أكثر خطورة، إذ لم تعد المسألة – وفق هذا التصور – مرتبطة بمبادرات استثمارية أو ترتيبات حدودية، بل باتت تتعلق باتهامات بدعم عسكري مباشر لأطراف الصراع، في وقت تحوّل فيه السودان إلى ساحة حرب مفتوحة تتقاطع فيها مصالح القوى الإقليمية والدولية، وتزداد معها تعقيدات المشهد الأمني والسياسي.

تدخل الكونغرس
لم تظل تداعيات الكشف عن المعسكر السري في غرب إثيوبيا ضمن الإطار الإقليمي، بل امتدت إلى الساحة السياسية في الولايات المتحدة، حيث نددت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، في 14 فبراير/شباط 2026، بما ورد في تقرير وكالة رويترز حول دعم وتمويل إماراتي لمعسكر تدريب يُستخدم لتأهيل مقاتلين تابعين لمليشيا الدعم السريع.
وقالت اللجنة، عبر حسابها الرسمي على منصة “إكس”: إن الدعم الخارجي لمثل هذه المعسكرات لا يؤدي إلا إلى تأجيج النزاع في السودان، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من اتساع رقعة الصراع إلى ما هو أبعد من حدوده الحالية.
وأعلن كبير الديمقراطيين في اللجنة، النائب غريغوري ميكس، أنه سيواصل تعليق جميع صفقات مبيعات الأسلحة الأميركية الكبرى إلى الإمارات العربية المتحدة، وإلى أي دولة يثبت دعمها لمليشيا الدعم السريع أو لأي طرف آخر منخرط في الحرب السودانية.
وأوضح ميكس أن موقفه يأتي ردا على ما كُشف بشأن استضافة إثيوبيا معسكرا لتدريب مقاتلين تابعين للدعم السريع بتمويل إماراتي، ويرى أن هذا التطور يحمل مخاطر جدية قد تفضي إلى مزيد من التصعيد داخل السودان والمنطقة.
وكان ميكس قد وصف في مناسبات سابقة ما ترتكبه مليشيا الدعم السريع بأنه “إبادة جماعية” و“جريمة ضد الإنسانية”، داعيا إلى فرض عقوبات صارمة على الجهات الدولية التي تسهم في استمرار الحرب، ومن بينها أبوظبي.
كما انتقد إعلان واشنطن نيتها تزويد الإمارات بالأسلحة، معتبرا أن مثل هذه الصفقات ينبغي أن تخضع لموافقة الكونغرس قبل المضي قدما فيها.
من جانبها، شددت عضو الكونغرس سارة جاكوبس على أن الأزمة الإنسانية في السودان بلغت مستويات كارثية، مؤكدة أن ملايين المدنيين يواجهون خطر الموت في ظل انعدام الأمن والمأوى والغذاء والماء والدواء.
ودعت جاكوبس إلى وقف مبيعات الأسلحة الأميركية فورا، والعمل على إخراج جميع الأطراف الخارجية من دائرة النزاع، “بدءا من الإمارات العربية المتحدة”، بحسب تعبيرها.
وبذلك، لم يعد معسكر بني شنقول مجرد منشأة تدريب عسكرية في منطقة نائية، بل تحول إلى عنوان لمرحلة جديدة من تدويل الحرب السودانية. فالصراع الذي بدأ كمواجهة داخلية على السلطة بات يُدار عبر شبكات دعم وتحالفات تتجاوز الحدود، ما يوحي بإعادة رسم خطوط النفوذ في الإقليم.
وفي ظل استمرار القتال وتعثر المبادرات السياسية، تبدو بني شنقول أكثر من مجرد إقليم حدودي؛ إذ تتحول تدريجيا إلى نقطة ارتكاز محتملة في معادلة إقليمية أوسع قد تعيد تشكيل توازنات السودان والقرن الإفريقي لسنوات قادمة.














