تصريحات ترامب تشعل الجدل في العراق.. هل انتهت حظوظ المالكي؟

يوسف العلي | منذ ساعة واحدة

12

طباعة

مشاركة

في تطور جديد يتعلق بمنصب رئيس مجلس الوزراء العراقي، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحات أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية في العراق، خصوصًا بشأن تفسيرها وتداعياتها المحتملة، وذلك عقب سؤاله عن رأيه في اختيار شخصية لهذا المنصب.

وخلال رده على سؤال أحد الصحفيين في البيت الأبيض بتاريخ 13 فبراير/شباط 2026، قال ترامب: “نحن نبحث عن رئيس وزراء”. مضيفًا: "سنرى ما سيحدث، لدينا بعض الأفكار حول هذا الموضوع، ولكن في النهاية الجميع بحاجة إلى الولايات المتحدة".

تفسيرات متضاربة

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب موجة من القراءات المتباينة داخل الأوساط السياسية العراقية؛ إذ لم تتضح دلالاتها بشكل حاسم، ما فتح الباب أمام تفسيرات متعارضة بشأن موقف واشنطن من ملف رئاسة الوزراء في العراق.

فقد رأى فريق من المؤيدين لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي أن التصريحات توحي بإمكانية تراجع ترامب عما وُصف بـ“الفيتو” الأميركي على المالكي، مستندين إلى أنه لم يذكر اسمه صراحة هذه المرة. في المقابل، رأى آخرون أن التصريحات تمثل تأكيدا ضمنيا على استمرار الرفض الأميركي.

وفي هذا السياق، كشف مقداد الخفاجي، النائب عن كتلة “حقوق” البرلمانية التابعة لمليشيا “كتائب حزب الله”، خلال مقابلة تلفزيونية في 14 فبراير/شباط، عن وجود ما وصفه بـ“ليونة واضحة” في تصريحات ترامب الأخيرة تجاه المالكي، مؤكدا في الوقت نفسه أن مسألة اختيار رئيس الوزراء شأن داخلي لا يحق لأي جهة خارجية التدخل فيه.

بدوره، علّق النائب عن الإطار التنسيقي يوسف الكلابي، عبر منصة “إكس” في 13 فبراير/شباط، بأن تصريح ترامب يؤكد أن تغريدته السابقة المناهضة للمالكي كانت “مدفوعة الثمن”. مشيرا إلى أن الطريق أصبح واضحا أمام قادة الإطار، في إشارة إلى عدم وجود اعتراض أميركي مباشر على ترشيحه.

في المقابل، كتبت فكتوريا تايلور، المساعدة السابقة لنائب وزير الخارجية الأميركي، والتي كانت قد التقت المالكي قبل يومين من تصريحات ترامب، تدوينة على منصة “إكس” قالت فيها: إن معسكر المالكي قد يحاول تصوير التصريحات على أنها تليين في الموقف الأميركي، لكنها لا تشاطر هذا التقييم، وترى أن معارضة الحكومة الأميركية له لا تزال قوية وحاسمة.

من جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي العراقي منقذ داغر، في تدوينة نشرها بتاريخ 13 فبراير/شباط، أن تصريحات ترامب تعكس أن اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة في العراق باتا يمثلان مصلحة أميركية مباشرة.

وأضاف: “استنادا إلى فهم السلوك الترامبي، أعتقد أنهم سينتقلون إلى مرحلة جديدة من الضغوط المتدرجة على الطبقة السياسية، لا سيما الإطار التنسيقي، ونترقب ما هي الخيارات أو الأفكار التي أشار إليها ترامب”.

وكان ترامب قد صرّح في 27 يناير/كانون الثاني 2026، عبر منصة “تروث سوشيال”، بأن عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة “أمر لا ينبغي السماح به”. ويرى أن العراق انزلق إلى الفقر والفوضى خلال فترة حكمه.

وردّ المالكي على تلك التصريحات برفض ما وصفه بـ“التدخل الأميركي السافر” في الشؤون الداخلية للعراق، ويرى أنه انتهاك لسيادة البلاد.

وكتب في تدوينة على منصة “إكس” بتاريخ 28 يناير/كانون الثاني: “نرفض رفضا قاطعا التدخل الأميركي في الشأن الداخلي العراقي، ونعدّه انتهاكا لسيادة البلاد وتعديا على حق الإطار التنسيقي في اختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء”.

"شرع عراقي"

وفي السياق ذاته، قال الباحث في الشأن العراقي لطيف المهداوي: إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يبحث عن “أحمد شرع عراقي” لقيادة المرحلة المقبلة في العراق، في إشارة إلى إعجابه بالنموذج الذي يمثله الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع.

وأوضح المهداوي، في حديث مع صحيفة الاستقلال، أن رؤية ترامب سبق أن ظهرت في تصريحات أدلى بها قبل أشهر خلال مؤتمر صحفي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إذ رأى آنذاك أن إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدام حسين أتاح لإيران توسيع نفوذها في منطقة الشرق الأوسط.

وأضاف أن ترامب يعتقد أن عراقا بعيدا عن النفوذ الإيراني يمكن أن يعيد توازن القوى في المنطقة، لذلك يسعى — بحسب تقديره — إلى دعم شخصية سياسية قادرة على إبعاد العراق عن الهيمنة الإيرانية في المرحلة الحالية، تمهيدا لظهور قيادة أخرى لاحقا قد تكون أكثر مواجهة لطهران.

وكان ترامب قد صرح في 30 ديسمبر/كانون الأول 2025، خلال مؤتمر صحفي مع نتنياهو في واشنطن، بأن العراق وإيران “حاربا بعضهما لآلاف السنين وكانا متكافئين في القوة”، مضيفا أن الولايات المتحدة “دمرت أحد الطرفين، وهو العراق، ما سمح لإيران بالتوسع في المنطقة”، مؤكدا أن هذا الواقع “لن يكون مقبولا بعد الآن”.

وخلص المهداوي إلى أن تصريحات ترامب الأخيرة، التي لم يذكر فيها اسم نوري المالكي، لا تعني تراجعا عن الموقف الأميركي، بل تعكس — برأيه — أن المالكي لم يعد مطروحا ضمن الشخصيات المرشحة، بعد تصريح ترامب السابق الرافض لعودته.

وفي السياق نفسه، نقلت وكالة شفق نيوز في 13 فبراير/شباط، عن مسؤول في الخارجية الأميركية (لم تكشف هويته)، أن عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء ستدفع واشنطن إلى إعادة تقييم علاقاتها مع بغداد.

وقال المسؤول: إن ترامب كان واضحا في موقفه، مشيرا إلى أن اختيار المالكي رئيسا للحكومة المقبلة سيجبر الإدارة الأميركية على مراجعة شكل العلاقة الثنائية مع العراق.

وأضاف أن السياسة الأميركية خلال المرحلة المقبلة ترتكز على محددات أساسية، من بينها إنهاء هيمنة المليشيات المدعومة من إيران على المشهد السياسي العراقي، وتقليص النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة، وتعزيز الشراكات الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة.

وردا على سؤال بشأن ما إذا كان هذا الموقف يمثل “خطا أحمر” نهائيا، أكد المسؤول أن واشنطن “تبحث عن شركاء يشتركون معها في الأهداف ذاتها”.

إستراتيجية المطاولة

وفي ما يتعلق بتمسّك قوى الإطار التنسيقي الشيعي بترشيح نوري المالكي رغم ما يوصف بـ“الفيتو” الأميركي، رأى الكاتب العراقي محمد أحمد الموسوي أن الإطار يراهن على عامل الوقت وربط الاستحقاق السياسي العراقي بتطورات الساحة الأميركية، ولا سيما الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة.

وأوضح الموسوي، في مقال نشره موقع كتابات بتاريخ 13 فبراير/شباط، أن قوى سياسية شيعية تتجه نحو اعتماد “إستراتيجية المطاولة” في حسم ملف رئاسة الوزراء، بهدف احتواء تداعيات موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه المالكي، وإعادة صياغة خطابها السياسي تجاه واشنطن ودول المنطقة بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة.

وبحسب الكاتب، فإن هذه الإستراتيجية تحتاج إلى مدة لا تقل عن ستة أشهر، وصولا إلى موسم الانتخابات النصفية الأميركية، التي تلعب دورا مؤثرا في تحديد ميزان القوى داخل الكونغرس، وتنعكس بشكل مباشر على هامش حركة الإدارة الأميركية وقدرتها على تمرير سياساتها الخارجية، بما في ذلك إدارة التصعيد بين طهران وواشنطن، وإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية مع دول الجوار وسوريا.

ويرى الموسوي أن ترامب والحزب الجمهوري قد يصبحان أكثر مرونة في التعاطي مع الملف العراقي خلال فترة الانتخابات، في ظل تصاعد الضغوط الداخلية من الحزب الديمقراطي على سياسات الإدارة الخارجية. ويرى أن انشغال واشنطن بملفاتها الداخلية قد يشكل “نافذة فرصة” للقوى العراقية لتجاوز الضغوط الأميركية وتخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي المقابل، يشير الكاتب إلى أن آليات تنفيذ إستراتيجية المطاولة داخل العراق ما تزال غير واضحة المعالم؛ إذ تفضل بعض القوى الإبقاء على الوضع القائم، بينما يطرح ائتلاف دولة القانون، بزعامة المالكي، فكرة دعم حكومة تصريف الأعمال عبر تشريع نيابي يوسع صلاحياتها القانونية.

وفي هذا الإطار، كشف ضياء الناصري، عضو ائتلاف دولة القانون، في 10 فبراير/شباط، أن المالكي اقترح على قوى الإطار التنسيقي تمديد عمل حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من خلال قانون يصدره البرلمان، إلى حين تجاوز الأزمة السياسية الراهنة.

وقال الناصري، في مقابلة تلفزيونية: إن “سفينة الإطار التنسيقي ستبحر بهمة المخلصين والصادقين”. مشيرا إلى وجود تحريض — بحسب وصفه — لدفع ترامب إلى إصدار تغريدة جديدة ضد المالكي.

غير أن ائتلاف “الإعمار والتنمية” بقيادة السوداني أكد أن مقترح تمديد عمل الحكومة لا يحظى بإجماع مكونات الإطار التنسيقي، بل يمثل وجهة نظر بعض الأطراف فقط، مشددا على أن السوداني يرفض الفكرة بشكل قاطع، وفق تصريح لعضو الائتلاف سامي سلام نقلته صحيفة الصباح بتاريخ 12 فبراير/شباط.

الكلمات المفتاحية