إدارة نزاع لا صناعة سلام.. ماذا يجري في المفاوضات السورية الإسرائيلية؟

مصعب المجبل | منذ ساعتين

12

طباعة

مشاركة

تواجه سوريا الجديدة تحديًا مزدوجًا يتمثل في إدارة التوغلات الإسرائيلية المتصاعدة في جنوب البلاد، مع السعي في الوقت ذاته إلى إبرام اتفاق أمني يضمن حماية سيادتها واستعادة أراضٍ احتلت عقب سقوط نظام بشار الأسد.

وفي هذا السياق، تعمل دمشق على الفصل بين الملفات الأمنية ذات الطابع المؤقت والقضايا السيادية الجوهرية، لا سيما ما يتعلق بمرتفعات الجولان المحتلة منذ عام 1967.

الجولان خارج الاتفاق

شدد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني على أن المحادثات الجارية مع إسرائيل بشأن اتفاق أمني محتمل لا تشمل ملف مرتفعات الجولان المحتلة، بل تقتصر على المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

وجاءت تصريحات الشيباني خلال جلسة في مؤتمر ميونيخ للأمن بتاريخ 14 فبراير/شباط 2026، حيث أكد أن النقاشات تتركز على “انسحاب إسرائيل” من الأراضي التي احتلتها بعد الإطاحة بالأسد، موضحا أن ملف الجولان “قضية أخرى” ذات طابع سيادي منفصل.

وكانت إسرائيل قد شنت، عقب سقوط الأسد مئات الغارات الجوية على مواقع عسكرية سورية، كما تقدمت قواتها إلى مواقع داخل المنطقة العازلة في الجولان، المنشأة بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وأكد الشيباني أن أي اتفاق أمني لن يعني القبول بالأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل جنوب سوريا. مشددا على أن الهدف يتمثل في انسحابها من المناطق التي دخلتها بعد ديسمبر/كانون الأول 2024، ووقف تدخلها في الشأن الداخلي السوري، وعدم انتهاك الأجواء والسيادة السورية.

وخلال الأشهر الماضية، عقدت إسرائيل والحكومة السورية الجديدة عدة جولات محادثات أسفرت- بضغط أميركي- عن اتفاق مبدئي في 6 يناير/كانون الثاني 2026 على إنشاء آلية تنسيق مشتركة، تهدف إلى تبادل المعلومات، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي. إضافة إلى استكشاف فرص تعاون اقتصادي، تمهيدا لاتفاق أمني لا تزال بنوده محل خلاف بين الجانبين.

ورغم ذلك، تواصل القوات الإسرائيلية تنفيذ توغلات شبه يومية في مناطق جنوب سوريا، لا سيما في ريف القنيطرة، حيث تُتهم باعتقال مدنيين وإقامة نقاط تفتيش وتدمير أراضٍ زراعية، إلى جانب محاولات بناء علاقات مع بعض الأقليات السورية، خصوصا الدروز في السويداء، وهو ما تعده دمشق تهديدا لوحدة البلاد.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد طالب مرارا إسرائيل باحترام السيادة السورية، عبر سحب قواتها من الجنوب ووقف الهجمات والتدخلات الداخلية.

وفي المقابل، دخلت إسرائيل إلى مسار التفاوض جزئيا بفعل ضغوط أميركية، خاصة في ظل العلاقات الإيجابية التي أقامها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومبعوثه الخاص توم باراك مع القيادة السورية الجديدة.

وفي مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، حذر ترامب — عبر منشور على منصة “تروث سوشيال” — إسرائيل من اتخاذ خطوات قد تعرقل مسار الانتقال السياسي في سوريا، داعيا إلى الحفاظ على حوار “قوي وحقيقي” مع دمشق، ومعبرا عن رضاه عن أداء القيادة السورية الجديدة.

وخلال الفترة الأخيرة، أرسلت دمشق إشارات واضحة بأنها غير مستعدة للخوض في الملفات الإستراتيجية قبل تحديد جدول زمني ملزم لانسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها بعد ديسمبر/كانون الأول 2024.

وتحتل إسرائيل أجزاء من الجولان السوري منذ عام 1967، فيما أشار مسؤولون إسرائيليون إلى أنهم غير مستعدين لإعادته إلى الحكومة السورية الجديدة. كما وسعت إسرائيل انتشارها بعد سقوط الأسد، وسيطرت على الموقع الإستراتيجي لجبل الشيخ، وطالبت بإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب سوريا.

مسار طويل

ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت في 19 يناير/كانون الثاني 2026 أن الاتفاق الأمني الجاري بحثه بين تل أبيب ودمشق يتضمن بنودًا عدة، من بينها انسحاب إسرائيل من تسعة مواقع عسكرية أقامتها في الجولان عقب سقوط نظام بشار الأسد، وإنهاء حرية عملها ضد محاولات تعزيز قوة حزب الله في سوريا، ووقف الدعم الإسرائيلي للدروز، إضافة إلى الانسحاب من جبل الشيخ السوري الذي سيطرت عليه خريف 2025.

وبحسب الصحيفة، ينصح ضباط في الجيش الإسرائيلي القيادة السياسية بعدم الانسحاب من الجولان، في ظل مخاوف أمنية من تسلل مسلحين عبر الحدود مع الأردن وسوريا، على غرار ما حدث في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وفي المقابل، تسعى دمشق — وفق تقديرات مراقبين — إلى إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل سقوط الأسد، بعدما استغلت إسرائيل حالة الانهيار لتوسيع نطاق سيطرتها في مرتفعات الجولان من خلال التقدم داخل المنطقة العازلة الحدودية.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أعلن، في اليوم الأول لسقوط الأسد، “انهيار” اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، التي أُنشئت بموجبها منطقة عازلة يبلغ طولها أكثر من 75 كيلومترا، ويتراوح عرضها بين نحو 10 كيلومترات في الوسط و200 متر في أقصى الجنوب.

وفي هذا السياق، قال رئيس مركز رصد السوري للدراسات الإستراتيجية، العميد عبد الله الأسعد، في حديث لـالاستقلال: إن إسرائيل سعت إلى السيطرة على الأراضي جنوب سوريا ضمن عملية استباقية تهدف إلى منع دمشق مستقبلا من طرح ملف الجولان المحتل.

وأضاف أن التوغلات التي جرت بعد منطقة الفصل تمثل “انتقالا إلى فرض واقع ميداني بدلا من الانتظار للمفاوضات السياسية”. معتبرا أن ما يجري حاليا لا يشكل عملية سلام بقدر ما هو ترتيبات أمنية لإعادة تموضع القوات الإسرائيلية خلف منطقة الفصل.

وأشار الأسعد إلى أن هناك مؤشرات على وجود تفاهم يسمح بدخول القوات الإسرائيلية إلى مناطق تنسحب منها القوات السورية في حال حدوث اضطرابات أمنية.

ورأى أن سوريا الجديدة تعمل على الفصل بين مسارين: مسار أمني مرحلي يهدف إلى تثبيت الاستقرار ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، ومسار سيادي طويل الأمد يتعلق بملف الجولان، الذي تعده دمشق قضية غير قابلة للمساومة أو للإدراج ضمن تفاهمات أمنية مؤقتة.

وختم بالقول: إن هذا الفصل يعكس براغماتية سياسية فرضتها موازين القوى بعد سقوط الأسد؛ حيث تسعى دمشق إلى احتواء التوغلات الإسرائيلية وتقليص الخسائر عبر آلية تنسيق مدعومة أميركيا، ما يجعل المحادثات الحالية أقرب إلى إدارة نزاع مؤقت بانتظار تبلور توازنات إقليمية ودولية تسمح بإعادة طرح ملف الجولان في إطار سياسي مختلف.

تحديات واضحة

شهدت العاصمة الفرنسية باريس في 5 يناير/كانون الثاني 2026 آخر جولة من الاجتماعات بين سوريا وإسرائيل، بحضور أميركي، شملت المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وفق ما أورده موقع أكسيوس.

وضم الوفد الإسرائيلي سفير تل أبيب لدى واشنطن يحيئيل ليتر، والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء رومان جوفمان، والقائمة بأعمال مستشار الأمن القومي جير رايخ، بينما ترأس الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس إدارة المخابرات العامة السورية حسين سلامة.

وبحسب مراقبين، أظهرت المفاوضات السورية–الإسرائيلية الأخيرة استمرار النهج الإسرائيلي القائم على تجزئة الملفات الأمنية وفرض وقائع ميدانية تدريجية، في حين تحاول دمشق حماية مصالحها الأساسية ضمن هامش ضيق تفرضه موازين القوى.

ويواجه الجانب السوري تحديات واضحة، أبرزها اختلال ميزان القوة على الأرض، والاعتماد الكبير على الوساطة الأميركية التي يُنظر إليها على أنها أقرب إلى المصالح الإسرائيلية، ما يقلل من قدرة دمشق على فرض مطالبها التفاوضية.

وفي هذا السياق، قال الباحث السوري في مركز جسور للدراسات وائل علوان، في حديث لـالاستقلال: إن الحكومة السورية تتعامل مع المشهد بواقعية سياسية تهدف إلى الوصول لاتفاق أمني مع إسرائيل، حتى وإن لم يخلُ من كلفة سياسية.

وأضاف أن هذا الاتفاق- من وجهة نظر الحكومة- يمثل “مفسدة صغرى” مقارنة بمفسدة أكبر تتمثل في غياب أي اتفاق، وما قد يترتب على ذلك من استمرار التدخل الإسرائيلي في الداخل السوري، واستثمار الأزمات الداخلية بما يهدد الاستقرار والسلم الأهلي.

وأشار علوان إلى أن دمشق تتجه إلى تقليل الخسائر عبر مقاربة أكثر عقلانية، تقوم على تجنب التصعيد مع الحفاظ على الثوابت الوطنية.

وتوقع الباحث أن ينتهي المسار الحالي إلى اتفاق أمني يعيد ضبط قواعد الاشتباك ويضمن وقفا كاملا لإطلاق النار، دون أن يتضمن تنازلات تتعلق بالأرض أو تجاوزا للمبادرة العربية والحقوق الوطنية.

ويأتي ذلك في وقت اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة، مطلع ديسمبر/كانون الأول 2025، قرارا يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من مرتفعات الجولان المحتلة.